منارات بأقلامها هدتني


ابنه اسمه ” زين الدين “

مؤثر جدا جدا جدا



بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تكملة لنسخ كتاب ” رحلتي الفكرية ” للمسيري – رحمه الله – .

إهداء أولي للجميلة المبهجة بحرصها ” نوارس ”

ثم ثانيا لأستاذ الكثيرين والكثيرات : علي الحمدان سبب التحريض لفكرة نسخه ابتداء

ثم ثالثا إهداء لكل من يصله هذا الرابط للفصل الأول من الجزء الثاني ( 90 ) صفحة فقط  :

http://www.4shared.com/file/190481561/e81a9431/_______.html

وأعتذر حقا عن التأخير .

ترايبيكا وأزمة العلاقات العامة!

2009-11-10
علي الحمدان*

بعد أن أسدل الستار على «مهرجان الدوحة ترايبيكا السينمائي» قبل أيام، دار حوار طويل بيني وبين أحد الأصدقاء القطريين. ورغم عدم حضوري لإقامتي في الخارج، فإنني ذكرت له انبهاري بالمهرجان، خصوصا أن الإدارة قد أبدت رغبتها في توسيع نطاق الجهود التدريبية والتأهيلية، وأعلنت عن برامج لكتابة السيناريوهات السينمائية والإخراج، وبرامج لتبادل المخرجين بين الدوحة ونيويورك على مدار العام، وهو ما يوفر فرصا لدعم صناع الأفلام الناشئين من الشباب القطري الواعد. ورغم كلامي هذا، فإن صاحبي القطري لم يكن متحمسا، وقد ذكر لي من خلال مشاهداته عدم حضور شرائح واسعة من المجتمع رغم أهمية الحدث.
وفي حقيقة الأمر، فإن هذه الشكاوى ليست مختصة بمهرجان ترايبيكا وحده، بحيث يمكن اعتبارها حالة شاذة، وإنما أصبحت هذه السلبية دارجة مع أكثر من نشاط من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار من دون استثناء تقريبا. وفي الغالب، لا يكون العيب في طبيعة النشاط نفسه، ولا في المجتمع نفسه، ولكن الخلل من وجهة نظري قد نشأ بسبب ضعف واضح في برامج العلاقات العامة (Public Relations) المصاحبة لمثل هذه الأنشطة والمهرجانات، وهي برامج لم يعد وجودها هامشيا في زماننا هذا، بل إن النظر في مجموعة من المشاريع والأنشطة المماثلة في الدول الكبرى يدل على أنها غدت ضرورة من ضرورات نجاح المشروع. ولعلها فرصة لنقل اليسير من تجربة أميركا في هذا الجانب لكي نستفيد منها.
في الثلاثينيات من القرن الماضي، مرت الولايات المتحدة الأميركية بأزمة اقتصادية كبيرة دُرج على تسميتها بالكساد العظيم، وقد كان لهذه الأزمة آثارها النفسية العميقة، لدرجة أنها خلفت الكثير من التوجس في نفوس الأميركيين من كل ما له علاقة بالنشاطات التجارية بعد انفراج الأزمة. ولا شك أن هذا وضع خطير، وهو ما دفع الشركات إلى زيادة الاهتمام أكثر بكل ما يخص صناعة الرأي العام، وحينها حصل «Bernays» وكتابه المعنون بـ «بلورة الرأي العام» (Crystallizing Public Opinion) على رواج كبير لم يحصل له حينما ظهر في بدايات الأزمة الاقتصادية. وقد كان الاهتمام بصناعة الرأي العام قبل ذلك الوقت منحصرا في السياسيين، ولم يدخل بعد إلى ثقافة الشركات التجارية بشكل كبير.
هذا الاهتمام زاد بشكل ضخم في النصف الثاني من القرن العشرين، بسبب عوامل عديدة، لعل من أبرز ما يهمنا منها في مقالنا هذا هو استشعار الشركات التجارية بأن على عاتقها مسؤوليات اجتماعية يجب عليها أداؤها. وقد نقل جوزيف دومينك عن أكثر من شخص وصْفَهم للنصف الثاني من القرن العشرين، بأنه «عصر العلاقات العامة». وهذا لا مبالغة فيه، ففي أميركا وحدها، قفز عدد العاملين المتخصصين في العلاقات العامة من 19 ألفاً في عام 1950 إلى أكثر من 200 ألف في عام 2006، ولذلك يوجد اليوم أكثر من 400 جامعة تقوم بتدريس العلاقات العامة.
ولم تعد العلاقات العامة مجرد إدارة فرعية في شركة من الشركات يمكن أن يقوم بها أي أحد، بل إن أغلب الشركات الكبرى تستعين بشركات متخصصة في العلاقات العامة لتقوم بهذا الدور بدلا عنها رغم التكاليف الباهظة. ويكفي أن نعلم أن أكبر خمسين شركة علاقات عامة مستقلة في أميركا قد حصلت على 1.1 مليار دولار في عام 2006، بزيادة قدرها %14 عن عام 2005، وهو رقم مرشح للارتفاع كثيرا في السنوات القادمة، وتشير الإحصاءات إلى أن %90 من نشاطاتها خلال عام 2006 قد حقق الأهداف المرجوة منها بامتياز.
هذا الأمر يجب أن نأخذه في الاعتبار جيدا عندما نبني تصوراتنا وتوقعاتنا لنتائج هذه المشاريع والأنشطة التي نقرأ عنها كل يوم في دبي وقطر وبقية دول الخليج حتى نكون واقعيين. فالقائمون على هذه الأنشطة ما زالت أساليبهم تقليدية جدا في مجال العلاقات العامة مقارنة بغيرهم، والشركات المتخصصة غير موجودة تقريبا رغم الحاجة الملحة لها خلال هذه الفترة التنموية الحساسة، ولذلك فإن أغلب القائمين على الأنشطة نجدهم يحصرون التواصل مع الجمهور في الصحف الورقية أحيانا وبأساليب غير إبداعية.
لكن أخطر ما في الموضوع هو الغفلة الكبيرة عن عالم الإنترنت، وعن بناء البرامج الجذابة في التواصل مع الجمهور من خلاله رغم ثورة الشبكة الثانية والمواقع الاجتماعية خلال السنوات الخمس الأخيرة. وقد صدمت خلال الأيام الماضية، حينما أردت متابعة التغطيات الإعلامية لمعرض «الإعلام والتسويق» في دبي والذي شاركت فيه أكبر المؤسسات الإعلامية على مستوى العالم، فوجدت أن الحصول على تغطية جيدة صعب جدا، والنتيجة أن هذا جعلني أزهد في متابعة المعرض في السنة القادمة، وليس العيب فيما يقدمه المعرض نفسه، ولكن العيب في باب العلاقات العامة على نحو يقطع العلاقة بين الجمهور وبين المعرض ليبقى في النهاية مفتوحا للحضور النخبوي وأصحاب الدعوات الخاصة فقط!
هذا الانتقاد الذي أكتبه اليوم على جريدة رسمية مهمة، قد يصل القائمين على مثل هذا النشاط، وقد لا يصل، لكنني لو كتبت في أي مكان هامشي على الإنترنت انتقادا تجاه نشاط كبير مماثل حصل في أميركا مثلا، فإنه سيصل بالضرورة إلى القائمين عليه، وربما أرسلوا لي اعتذارا وتذكرة لحضور النشاط في المرة القادمة، ولن يترددوا في فتح نافذة لاستقبال كل الاقتراحات الممكنة. والسبب في هذا، أن الشركات الكبرى توكل شركات متخصصة -في العلاقات العامة على الإنترنت- برصد كل الأخبار عنها مثل شركة eWatch التي تقدمها «PR Newswire». وليس هذا فحسب، بل اليوم يوجد موقع «Technorati» ليتخصص في عالم المدونات بعد طفرتها، وترصد الشركات المتخصصة كل ما يكتب عن عملائها من الشركات والمنظمات بدقة واحترافية شديدة. ومن خلال عملية الرصد، يمكن الانطلاق لبناء برامج تصحيحية تطور من ارتباط الجمهور بمنتجات وبرامج أي شركة كانت.
هذا هو الفرق بيننا وبينهم!

هل يمكن أن يقوم الإعلام في زماننا بمسؤوليته الاجتماعية؟

علي الحمدان2009-11-02


عندما أصبحت الرأسمالية المتأخرة هي النظام الاقتصادي السائد في أغلب دول العالم، وبدأت ملامح الأنظمة الاقتصادية القديمة تسير في طريقها إلى الزوال، تغيرت في الوقت نفسه علاقات السلطة (Power relations) في المجتمعات تبعاً لذلك، فأصبح للشركات التجارية نفوذ كبير على حياة الناس لم يكن لها في أي وقت مضى، فقرارٌ واحد من شركة من هذه الشركات الكبرى يتأثر به اليوم آلاف من العاملين فيها، فضلا عن أعداد ضخمة من البشر خارجها ممن يرتبطون بمنتجاتها ونشاطاتها التجارية بشكل أو بآخر, وبما أننا جزء من هذا العالم وتسري علينا هذه المتغيرات، يجب علينا دراستها بدقة وإعطاؤها الاهتمام المطلوب حتى نطور من عملية تفاعلنا مع التحديات التي نواجهها لتكون في صالحها أكثر من أن تكون في صالح غيرنا.
ولأن أهداف هذه الشركات ربحية بالدرجة الأولى من جهة، ولأن نفوذها الاجتماعي متصاعد من جهة أخرى، كان من الخطورة بمكان أن يكون الحراك الاجتماعي كله مرتبطا بتحقيق غاية اقتصادية مادية صرفة، ومهمشا في الوقت نفسه لمجموعة من الأبعاد الإنسانية التي لا قوام للمجتمع إلا بها؛ ولذلك، بدأ الاهتمام المعرفي يزداد أكثر بما يعرف بأخلاقيات النشاطات التجارية (Business ethics)، وهي محاولات تهدف إلى تحقيق شيء من التوازن الضروري بين المسؤوليات الاقتصادية التي يفرضها النجاح في النظام الرأسمالي، وبين المسؤوليات الاجتماعية التي يتطلبها الاستمرار الطبيعي في النظام الإنساني حتى لا ينقرض البشر!.
ولعل هذه الحاجات الملحة هي واحدة من الأسباب التي قادت مؤخرا إلى تطوير مفهوم إشكالي يعرف بالمسؤولية الاجتماعية للشركة «CSR», ولا تكاد تدخل اليوم موقعا إلكترونيا لإحدى الشركات الكبرى في بلد كأميركا مثلا، إلا وتجد رابطا توضح فيه الشركة برامجها الخاصة المتعلقة بالمسؤولية الاجتماعية والتغطيات الإعلامية المتعلقة بها، وربما فتحت الشركة نافذة تفاعلية ليقترح الناس أنفسهم البرنامج الذي يناسبهم. وهذا يفرض من الناحية النظرية على الأقل تحولا في النشاط الإداري وعمليات اتخاذ القرار على نحو تراعى فيه المصلحة العامة (Public interest) كما تراعى فيه المصلحة الخاصة للمساهمين الماليين (Shareholders), ومع الوقت تتطور الممارسة الديمقراطية من خلال إشراك رجل الشارع، لتكون له طلباته في دائرة المسؤوليات الاجتماعية, كما أن للمساهم المالي طلباته أيضا في دائرة الأرباح التجارية.
لكن مما تنبغي الإشارة إليه أن ما ذكرناه من دخول «المسؤولية الاجتماعية» إلى نشاط بعض القطاعات التجارية لأول مرة مؤخرا، لا يعني هذا أنه مفهوم جديد تماما في قطاعات أخرى، فبعض الباحثين يرصد مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركة منذ عام 1916 في كتابات موريس كلارك في دورية «Journal of Political Economy» الشهيرة, ولعل قطاع الإعلام الجماهيري (Mass media)، كان من أهم القطاعات التجارية التي كانت لها نظريات متقدمة تفترض أن نشاطه يدور أصلا حول تحقيق المسؤولية الاجتماعية بالدرجة الأولى، مما دفع إلى تسميته بالسلطة الرابعة فعلا, وهي تجربة تستدعي الوقوف عندها فيما تبقى من المقال.
في الولايات المتحدة الأميركية، تبرز أهمية الديمقراطية كنظام سياسي للحكم لأنها أهم وسيلة تهدف إلى تحقيق واحدة من القيم الأساسية في الثقافة الأميركية وهي قيمة الحرية الفردية, وهذا أمر لا مداهنة فيه، ولذلك فإن وسائل الإعلام الحديث عندما بدأت بالتشكل فإنها لا تتحرك بشكل عشوائي، بل إنها تتطور داخل إطار نظرية المسؤولية الاجتماعية «Social Responsibility of Press»، وهي في حال الإعلام تبحث في مدى حفاظه على الديمقراطية «Preserve Democracy» من خلال توعية الناس وإخبارهم بكل ما يهمهم وما يمس مصالحهم ويكفل لهم حريتهم واستقلالهم عن أي تسلط متجاوز للحد.
فإذا جاءت قضية عامة مهمة، فإن على الإعلام مسؤولية إظهارها على السطح أولا، ثم عرض وجهات النظر المتباينة حولها بدون أي تحيز، وذلك حتى يستطيع كل مواطن أن يبني الرأي المناسب, هذا يعني لزاما ظهور مجموعة من الأفكار الخاطئة على السطح التي قد يدعمها البعض، لكن المتحمسين لهذا الخيار يؤمنون بما يعرف بفلسفة سوق الأفكار «The Marketplace of Ideas»، وهي رؤية تم اقتباسها من فلسفة السوق الحر في النظام الرأسمالي، حيث لا تتدخل الدولة والسلطة في عرض الأفكار، وإنما تضمن لها حريتها، فتجعلها تتضارب فيما بينها ثم يقوم السوق تلقائيا بتصحيح نفسه بنفسه «Self-Righting» ومن ثم يضمن حينها اتجاه القرار العام في مسار صحيح.
هذا الكلام جميل جدا من الناحية النظرية، لكن الإشكالية هي أنه إن استطعنا تحييد رغبة السلطة السياسية الحاكمة في سوق الأفكار، فإن هذا لا يعني بالضرورة تحييد قوى وتكتلات أخرى مؤثرة من الممكن أن توجه الحوار ليكون في صالحها أكثر من كونها في صالح المواطن العادي, فنحن لا نتكلم عن ديمقراطية في عالم ومكان تنفصل فيه عن المؤثرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، بل نتحدث عنها في عصر ما بعد الحداثة الذي زادت فيه اهتمامات الشركات الكبرى والقوى الرأسمالية في كل أنحاء ما يعرف بالدائرة العامة «Public Sphere» مثل الإعلام وغيره, بل إن هذه الشركات أصلا تملك الإعلام وتملك الدائرة العامة التقليدية مثل المقاهي والتي تحدث عنها الفيلسوف الألماني هابرماس قديما, فالمقهى الذي يفترض أن يتيح المجال لجدل حر حول القضايا العامة أصبح اليوم هو ملك شركة متعددة الجنسية هي ستاربكس!.
هذه مسألة بالغة الحساسية، ومن أبرز الأسماء التي كان لها إسهامات مهمة في نقد الخطاب الإعلامي المفكر الشهير نعوم تشومسكي, فقد قام بدراسة الخطاب الإعلامي الأميركي بعناية شديدة في أكثر من مؤلف ومع أكثر من تحدٍ وظرف سياسي داخلي وخارجي، واستطاع بناء أكثر من نموذج تحليلي يساعد على قراءة الخطاب بشكل دقيق ليكشف آليات التحكم بالرأي العام وتوجيهه في المجتمع الديمقراطي، ففي الحالات التي تكون هناك مصالح عليا للقوى الأساسية مثل الشركات متعددة الجنسية التي تملك المؤسسات الإعلامية غالبا، فإن «سوق الأفكار» تقل فيها البضاعة وتنشأ حالة من الانكماش تساهم في صناعة الإجماع «Manufacturing of Consent» إلى حد كبير لصالح إرادة القوى الرأسمالية، ويظل المواطن البسيط يعتقد أن ليس له من الأمر شيء، ويتهرب من أي شيء يشككه فيها، ولذلك يسمي تشومسكي هذه القناعة بالأوهام الضرورية «Necessary illusions»!
وقد استطاع تشومسكي إثبات رؤيته هذه من خلال كشف القدرات التنبؤية لنماذجه التحليلية أكثر من مرة، فمثلا بعد أن انتهت حرب الخليج تهكم -كما يحب أن يفعل دائماً- بمصطلح «النظام العالمي الجديد» وعقد فصلاً عام 1992 بعنوان «الحرب القادمة» ليتحدث عن طبيعتها بدقة قبل أن يحدث تصويت حولها، وهو ما يعني أن التصويت حولها فيما بعد سيكون أمرا عبثيا سيتجه بالضرورة في الوقت المناسب وعند توافر الحيثيات المطلوبة إلى رأي محدد يخدم مصالح القوى الرأسمالية في الغالب, وهذا إن حدث فإنه يمثل اختلالا حادا في الوظيفة الإعلامية «dysfunction» في المجتمع الديمقراطي لتكون ضد المواطن البسيط ولصالح القوى التي تستنزفه على عكس ما كان يفترض منها! ولذلك، يمكن أن نقول إن الوظيفة الإعلامية لا تتحقق بمجرد وصول الرسالة من المرسل إلى المرسل إليه، ولكن يشترط أن تكون نتيجة مشاركة جميع الأفكار المؤهلة بدون تحيز مهما كانت مخالفة لأصحاب المصالح.
هذا يحدث في أميركا، لكن لا ينبغي أن يفهم القارئ بأي حال من الأحوال أن الإعلام العربي إجمالا لا علاقة له بهذه الأخطاء والثغرات من قريب أو بعيد, وقد كنت أنوي أن أكتب مقالا آخر أتحدث فيه عن مدى التزام الإعلام العربي بأدائه لمسؤوليته الاجتماعية، لأني وجدت أن الذي فتح شهية تشومسكي طوال هذه السنوات هي قدرته على تحديد المسؤولية الاجتماعية التي يقرها الجميع أولاً، ثم الانطلاق منها لكتابة قراءات نقدية ترصد مدى الالتزام بها بشكل علمي متين, ولكن الصدمة، هي أنني بعد أن قمت باستقراء مجموعة من النشاطات والتجارب الإعلامية سألت نفسي لأول مرة: ما أهمية الإعلام العربي؟ وهل توجد مسؤولية اجتماعية يمكن الانطلاق منها فعلا في العملية النقدية؟!.
صدمة!


والله أعلم..

• كاتب سعودي مقيم بأميركا

لماذا نكره صندوق النقد الدولي أيضاً؟ (2/2)

علي الحمدان

2009-10-19

في شهر أغسطس من عام 1982 أبلغت المكسيك الولايات المتحدة الأميركية ثم صندوق النقد الدولي رسمياً بأن الخطوات التي اتبعتها لتسديد دينها قد أسهمت في تزايد الأمر سوءاً، وأنها لن تكون قادرة على تسديد ديونها, وأعلنت عن حالة «default». وفي ذلك الوقت، لم تعطِ وسائل الإعلام هذا الخبر اهتماما كبيرا، وذلك على اعتبار أنها قضية داخلية يمكن حلها من خلال بعض الإجراءات أو تسهيل بعض القروض الجديدة, ولكن لم تمض فترة بسيطة، حتى انفجرت الأزمة، وبدأت مجموعة كبيرة من دول العالم الثالث من أميركا الجنوبية وإفريقيا وآسيا الإعلان تدريجيا عن عجزها التام عن إيجاد طريقة لتسديد الديون التي عليها، والتي زاد تراكمها من 650 مليار دولار في عام 1980، إلى 1035 مليار دولار في عام 1986 كما تفيد الإحصائيات. وهذا يعني أنها أزمة عالمية حقيقية، من إفرازات النظام الاقتصادي العالمي وتحتاج تدخلا دوليا سريعا وحاسما, وقد اشتهرت تسميتها بأزمة ديون العالم الثالث (third-world debt crisis).
وفي مقابل هذا، لا يعني ظهور هذه الأزمة في دول العالم الثالث أن الدول الكبرى وأولها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والصين كانت في مرحلة استقرار اقتصادي بأي حال من الأحوال, فأميركا وبريطانيا مع ريغان وتاتشر، كما يفيد ديفيد هارفي في تاريخ الليبرالية الجديدة، كانتا تمران بتقلبات كثيرة فترة السبعينيات، وقد وجدتا بعدها أن «الطريقة الأمثل لتحسين الوضع الإنساني تكمن في إطلاق الحريات والمهارات التجارية الإبداعية للفرد، ضمن إطار مؤسساتي عام يتصف بحمايته الشديدة لحقوق الملكية الخاصة، وحرية التجارة، وحرية الأسواق الاقتصادية».
لكن الليبراليين الجدد انطلاقاً مما يعرف بـ «معضلة السجين» (Prisoner>s Dilemma) يرون أن نجاح هذه الاستراتيجية رهين فقط بقبول بقية دول العالم بها، ولا يمكن أن تكون قرارات فردية منعزلة لأن ضررها سيكون عكسياً، ولذلك لم تتشجع لتبني الليبرالية الجديدة بقوة إلا بعد عام 1978 عندما اتخذ دينغ جياو بينغ أولى الخطوات الحاسمة لتحرير اقتصاد تحكمه الشيوعية ليهدف إلى تحويل الصين خلال عقدين من دولة متخلفة منغلقة على ذاتها إلى مركز مفتوح للرأسمالية، بمعدلات نمو مطرد لا نظير لها في التاريخ الإنساني, وبحكم أن فرض مثل هذه السياسات بالقوة على مستوى العالم مستحيل، كان رهان الليبراليين الجدد كبيرا في أميركا على المنظمات الدولية «International Organizations» بعكس الواقعيين، وهم يرون أنه من الممكن أن تحقق الدولة مصالحها على نحو ضخم -وأن انضمام الآخرين لا يؤثر على هذا سلبا- إذا فهمت الدولة كيف تستغل مثل هذه المنظمات.
هذه الجزئية في غاية الأهمية، لأن الدول المتأثرة بأزمة ديون العالم الثالث عندما تسلم قضيتها إلى صندوق النقد الدولي كما سبق، فإنها ترفعها إلى منظمة دولية, نظام التصويت فيها ليس بالتساوي، ولكن لكل دولة فيها حق التصويت بناءً على ثقلها في الاقتصاد العالمي وبناء على حجم الودائع التي تأتي إلى الصندوق من كل دولة، وهو ما يعرف بـ «weighted voting system». وهذا الصندوق كانت قد أنشأته الولايات المتحدة الأميركية في عام 1944 لإعطاء بعض الامتيازات للدولار عالميا, كإحدى الخطوات الاستراتيجية التي كانت تهدف إلى رسم ملامح القرن العشرين ليكون قرن الهيمنة الأميركية.
ومن نافلة القول أن نشير إلى أن الدول المتضررة من أزمة الديون لا يوجد لها أي ثقل يذكر في صندوق النقد الدولي في مقابل امتلاك الولايات المتحدة الأميركية وحدها حينذاك %23 من مجموع الأصوات على مستوى دول العالم, وهذا يعني أنها ستكون مضطرة إلى الاستجابة لحلول تفرضها أميركا في اللحظة المتزامنة تماماً لحماسها لاختبار أجندة وأطروحات الليبرالية الجديدة وإثبات صحتها على أرض الواقع من خلال تكتل مؤسسي مثل صندوق النقد الدولي, وهذه ظروف سيكون من اللافت متابعة ما ينتج عنه.
في هذه الظروف، كانت نقطة التحول المركزية مع ولادة ما يعرف ببرنامج التكييف البنيوي أو الإصلاح البنيوي «Structural Adjustment Program» وهو البرنامج الذي استحدثه صندوق النقد الدولي للتعامل مع أزمة ديون العالم الثالث ولتمويل الدول النامية والفقيرة, وفي هذا البرنامج بالذات، يتخلى صندوق النقد الدولي عن دوره كمصرف تقليدي بعد أن استغلت الولايات المتحدة الأميركية حالة تخلف الدول في سداد ديونها. ولذلك، فإن الفرصة جعلت صندوق النقد الدولي يتحول مباشرة إلى مركز سياسي متحيز لترويج العقيدة الليبرالية الجديدة وأصولية السوق الحرة «free market fundamentalism» كما سماها العالم الاقتصادي الأميركي الحاصل على جائزة نوبل عام 2001 جوزيف ستيغليتز في كتابه المهم جداً «Globalization and its Discontents».
ففي هذا البرنامج، يقوم صندوق النقد الدولي بالاشتراط على الدول التي تطلب التمويل تنفيذ مجموعة من الإصلاحات المؤسساتية كي تحظى بالاستحقاق, ومن ذلك الاتجاه الإجباري نحو الخصخصة «Privatization»، وهو ما يعني أن تقوم الدولة ببيع أصولها وممتلكاتها في مشاريع تحتكرها مثل الكهرباء والاتصالات وغيرها للقطاع الخاص, وبما أن الدولة فقيرة ولا تملك الشركات المحلية القدرة على تغطية هذا، فإن الصندوق يلزم مع الخصخصة بفتح باب التجارة الحرة على مصراعيه، وهو ما يعني أن الشركات الأجنبية متعددة الجنسية «MNCs» هي التي ستقوم بامتلاك الكثير من هذه المشاريع, وبالتالي فإن على الحكومة أن تهيئ الظروف كاملة حتى تكون البيئة مناسبة للاستثمار الأجنبي قبل أن تحصل على التمويل كاملا، كما أن عليها أن تحد من تضخم قيمة العملة المحلية مقارنة بغيرها من العملات الأجنبية الرئيسية؛ ولذلك، لا عجب أن يتحول صندوق النقد الدولي أيضاً إلى مركز استشاري للشركات متعددة الجنسية قبل إقدامها على الاستثمار في بلد معين.
وفي حقيقة الأمر، فإن صندوق النقد الدولي يريد من كل فائض «Surplus» تكسبه الدولة أن يتجه مباشرة إلى تسديد الديون المتراكمة عليها من جهة، وإلى زيادة تكييف البيئة لتكون أكثر استقطابا وجاذبية للاستثمار الأجنبي طويل المدى من جهة أخرى, وبالتالي لكي تستطيع الدولة القيام بهذه الإصلاحات المؤسساتية الكبرى التي يفرضها الصندوق فإنه يترتب عليها أن تقلص الكثير من المخصصات المتعلقة بالرعاية الاجتماعية والصحية التي تقدمها لمواطنيها، بالإضافة إلى أنه يجب عليها أن تتخلى عن كل ما يخص مسألة التحكم في الأسعار الخاصة ببعض السلع الأساسية وغيرها. وهذه مسألة حساسة، لأنه إذا لم تستطع الشعوب تفهم هذه القضية جيدا، فإن هذا يعني أن العلاقة مع الحكومة تصل إلى مستويات سلبية جدا وتكثر فيها المصادمات, وبطبيعة الحال، فإن الحكومات تتخذ هذه القرارات مضطرة على أمل أن تحقق نمواً اقتصادياً وتراكماً رأسمالياً على المدى البعيد.
لكن الأمر المحزن، أنه رغم قيام عشرات الدول مضطرة بقبول برنامج «التكييف البنيوي»، فإن نسبة قليلة منها قد نجحت في تحقيق الأهداف المرجوة منه لصالحها, وأما الأغلبية الساحقة، فإنها ازدادت فقرا وتضاعفت عليها الديون وكان أثره عليها عكسيا, وللأسف بلغ مجموع الديون الأجنبية على دول الجنوب أكثر من تريليوني دولار بعد أن كان قرابة تريليون واحد عام 1986 كما أشرنا سابقا، وأغلب هذا الدين قد جاء بسبب تضخم الفوائد، وكل ما يمكن تسديده منها لا يكاد يصل إلى 300 مليار دولار كما تقول إحدى الإحصائيات, وقد بدأ بعض الباحثين بالحديث جديا عن أزمة ديون العالم الثالث الثانية، وهو ما يجعلنا نتخوف بشدة من الاستراتيجية التي سيتم التفاعل بها, فالفجوة الاقتصادية بين دول الشمال والجنوب تزداد، وكل حل جديد في الماضي كان في حقيقته أسوأ من الذي قبله.
هذا الأمر له انعكاساته وآثاره الخطيرة على الناس وحياتهم, ومن أبرز أسماء الذين قاموا بدراستها بشكل علمي الدكتور رضوان أبوحرب أستاذ علم السياسة في جامعة لويزيانا الأميركية في كتابه حقوق الإنسان والتكييف البنيوي (Human Rights and Structural Adjustment) وهو من منشورات جامعة كامبريدج, وقد أشار الدكتور رضوان إلى امتلاك الشركات متعددة الجنسية لرأسمال ضخم في هذه الدول جعل منها قوة سياسية تؤثر على قراراتها وتوجهاتها، وهذا ما جعل الدولة تفقد الكثير من استقلاليتها الفعلية، كما أن فتح المجال للشركات الأجنبية قد أسهم في إغلاق الشركات المحلية الصغيرة لضعف قدرتها التنافسية، وهو ما زاد أيضا من مستوى البطالة.
وبما أن الحكومة قامت بتقليص حاد لمعونات الرعاية الاجتماعية والصحية والغذائية الأساسية، فإنها لا تحظى بشعبية كبيرة بين المواطنين، بل تجعلهم في صدام مستمر معها من حين لآخر, ولأن هذه الحكومات المدينة بحاجة للبقاء في السلطة مهما كلف الأمر، فإن هذه الظروف تجعل المناخ مهيأ للفساد، إذ إن الحكومات تجد نفسها بحاجة إلى التكافل أكثر مع الشركات المتعددة الجنسية على حساب مواطنيها، والوقوف ضد أي حركة للعمال تطالب برفع الأجور أو تحسين الأوضاع، وهو في النهاية ما يزيد من نسبة الفائض الذي يذهب ليتراكم في الدول الأصلية لهذه الشركات في شمال الكرة الأرضية.
آثار هذا كله تجلت بشكل كاشف يوم الأربعاء الماضي، عندما أعلنت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) أن عدد الذين يعانون من الجوع هذا العام يقدر بنحو 1.02 مليار إنسان، وهو ما يعني زيادة 100 مليون شخص هذا العام، ولعله أكبر رقم في تاريخ البشرية, وقد علق جاك ضيوف مدير عام الفاو بعد صدور التقرير السنوي الجديد مشيرا إلى أن «ارتفاع عدد الجياع في العالم لا يحتمل» و»أن زيادة عدد الجياع ليس بسبب ضعف المحاصيل أبدا، وإنما بسبب ارتفاع أسعار الغذاء، وأنه لدينا الوسائل الكاملة لجعل الجوع يختفي تماما وللأبد، ولكن هذا يحتاج إلى إرادة سياسية مختلفة!».
وبعد هذا كله: هل يحق لنا أن نكره صندوق النقد الدولي كما كرهنا الاستعمار من قبله؟!
والله أعلم.

*كاتب سعودي مقيم بأميركا

لماذا نكره صندوق النقد الدولي أيضاً؟ (1/2)


علي الحمدان

2009-10-12


كان من أبرز أحداث الأسبوع الماضي، والتي لم تأخذ حقها من التحليل والمتابعة، هو الاجتماع المهم الذي كان في تركيا للبنك الدولي «World Bank» وصندوق النقد الدولي «IMF». وقد شاهدنا في الأخبار مظاهرات واسعة واعتراضات كبيرة نزلت إلى الشارع منددة بالصندوق وبسياساته التي لم تخدم دول العالم الثالث، وزادت من نسبة الفقر في العالم، وقد حملت مواقعهم الإلكترونية وصحفهم إحصاءات دقيقة تؤيد وجهة نظرهم. وقد يكون هذا غريبا بحكم أن الصندوق لا يبدو كجهة سياسية مثل زيارة رئيس دولة ذات سمعة سيئة لكي يستحق من المتظاهرين كل هذا الاعتراض.


لكن في الحقيقة أن هذه المظاهرات الصاخبة التي تعترض على وجود فجوة اقتصادية كبيرة بين دول الشمال وبين دول الجنوب (أو العالم الثالث) لم تكن مفاجئة، بل إن موضوع الفجوة ذاته يعرف بـ «North South Relations» وهو من صلب الاهتمامات الرئيسية لأي باحث سياسي في حقل العلاقات الدولية. وفي واقع الأمر، فإن هذه الفجوة الحالية التي اعترض عليها المتظاهرون في تركيا، وقبلهم في سياتل، ليست وليدة اللحظة، بل لها سياق تاريخي طويل وإنتاج معرفي كبير نحتاج إلى فهمه وإلقاء ضوء عليه أولاً باختصار شديد قبل مباشرة تحليلها؛ فإن كل ما نراه اليوم هو من إفرازات ذلك السياق التاريخي الذي بدأ تحديدا مع احتلال جيوش الاستعمار لدول الجنوب متسترة بشعار جميل عنوانه «المهمات الحضارية لأوروبا». في ذلك الوقت، لم تكن دول الجنوب تعاني أبداً من مشكلة في إنتاج الوفرة نتيجة لوجود الكثير من الموارد الطبيعية، ولكنها كانت تعاني من تخلفها الشديد الذي كان يقف ضد تحولها إلى مجتمعات صناعية، وهذا يعني أن إنتاجها كان يذهب أغلبه في عمليات الاستهلاك السريع والاستثمار قصير المدى. وبالتالي، فإنها لم تكن قادرة حينذاك على إحداث تراكم في رأس المال قابل للتراكم والاستثمار «accumulation of capital» وتحقيق فائض حقيقي «surplus». ويجب أن نعلم أن أي استثمار في التصنيع، يحتاج أولا إلى بنية اقتصادية قادرة على تركيز الفائض وتوجيهه لتحقيق تراكم في رأس المال على شكل مبانٍ وسكك ونحوها لتكون قابلة للاستثمار طويل المدى. ولكن حينما وصلت جيوش الاستعمار تغيرت الأمور، فقد قاموا ببناء البنية التحية من طرق وسكك حديد ومعدات لاستنزاف الموارد الطبيعية لصالحهم. وهذا الواقع السياسي قد استمر فترة طويلة، وهو ما أسهم في تراكم الثروة في الدول الاستعمارية وأنتج الفجوة الاقتصادية الهائلة لصالح دول الشمال على دول الجنوب، وفي الوقت نفسه أنتج مشاعر سلبية تجاه الاستعمار بسبب حق أهل البلاد في أن يكون هذا الفائض لصالحهم، ولذلك كافح الكثيرون من أجل تحقيق استقلال دولهم في القرن العشرين، وبدؤوا ببث مشاعر الوطنية في نفوس الناس، والآمال التي من الممكن أن تتحقق بعد خروج المستعمر. ولكن، ورغم خروج المستعمر بعد ذلك، فإن أغلب الدول المستقلة لم تستطع تحقيق التراكم الاقتصادي المنشود، بل إن الفجوة الاقتصادية في بعض الأماكن قد زادت بعد الاستقلال عن الفترة التي قبله بكثير. وليس السبب راجعاً إلى عيب فطري في دول الجنوب كما أراد المؤيدون للمهمات الحضارية لأوروبا، ولكن لأن الدولة المستقلة قد ولدت في ظروف جديدة ومعقدة تختلف جذريا عن الظروف التي ولدت فيها الدول المستقلة في أوروبا بعد معاهدة «وستفاليا» عام 1648. وبالتالي، كان قياس التجربتين وصناعة التوقعات في ظل ظروف مختلفة جذريا خطأ كبيرا، وقد كان حينها مفهوم استقلال الدولة أو سياديتها «Sovereignty of state» قد بدأ بالتغير جذريا نتيجة ظروف جديدة دون وعي كافٍ يسمح لنا بالتفاعل الإيجابي.


لكن في الوقت الذي لا تجوز فيه الاستهانة بجهود المخلصين الأبطال من أبناء حركات التحرير في طرد المستعمر، فإننا يجب أيضا أن لا نغفل عن ربط تفكك القوى الاستعمارية بالحروب العالمية، وظهور نجم أميركا كلاعب دولي رئيسي وقوى عظمى منتصرة لا تقل أطماعها عن أطماع غيرها. وبالتالي، فإنها ترفض بأي حال من الأحوال استمرار الوضع على ما كان عليه فترة الاستعمار التقليدي. وهذا ما قادها بشكل عام إلى تأييد ظاهرة الاستقلال ودعم مجموعة من الإجراءات قبل أن تنتهي الحرب العالمية الثانية، وقد قامت بتأسيس هيئة الأمم المتحدة، وظلت تتباهى كثيرا بدورها في تحقيق حلم الاستقلال في أنحاء المعمورة، وهي ذات اللهجة التي كان يتحدث بها جورج بوش الأب عن دور أميركا في تحقيق حلم الاستقلال لـ 43 دولة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي في سياق حديثه عن نظامه العالمي الجديد.


وفي ذلك الوقت الذي كانت فيه أميركا تدعم استقلال الدول، كانت تروج لليبرالية الاقتصادية كمصطلح جذاب ويبدو في ظاهره إنسانياً ومحايداً، وبأنها إن سادت فإن المنفعة ستكون متبادلة بين الدول، كل هذا بناءً على افتراض أن الليبرالية غير متحيزة لأنها تتيح الفرص للجميع ولا تكترث بكون هذه الدولة أو تلك تحقق مكاسب أكثر في النشاط الاقتصادي. ولأجل تحقيق هذا الغرض، وضعت أميركا، كما يقول ديفيد هارفي، إطارا دوليا للتجارة والتنمية الاقتصادية فيما بين تلك الدول المستقلة وداخلها، من خلال اتفاقية «بريتون وودز» الهادفة إلى ضمان استقرار النظام المالي العالمي، وترافقت هذه الاتفاقية مع إحداث مجموعة من المؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتسويات في بازل وغيرها مهمتها تنسيق النمو الاقتصادي بين القوى الرأسمالية المتقدمة وتحقيق تنمية اقتصادية على النمط الرأسمالي في باقي دول العالم غير الشيوعي.


هذه الخطوات الدقيقة تدل على أن الطموحات الإمبريالية الأميركية عميقة جدا، ولها وسائلها الفعالة التي تختلف عن وسائل الإمبريالية التقليدية المتعجرفة. فأميركا هي أميركا، منذ تلك الأيام وحتى خطابات أوباما، ظاهرها الرحمة وباطنها فيه العذاب، فلم تكن بحاجة لأن تقوم بما قامت به الإمبراطوريات الأوروبية، ولم تقف عقبة أمام استقلال الدول إلا في الحالة الفلسطينية كحالة خاصة جدا يتصادم وجودها مع الدولة الوظيفية الصهيونية التي تحقق لأميركا مصالحها في الشرق الأوسط. وكل ما فعلته أميركا هو أنها مع دعمها لاستقلال الدول، فرضت أيضا نظاما اقتصاديا رأسماليا عالميا يهدف إلى توسيع مساحة الأسواق لأبعد درجة ممكنة. بهذه الخطوة استطاعت أميركا أن تبني علاقات متميزة أيضا وغير متصادمة مع حلفائها من دول الشمال في أوروبا، لأن هذا النظام الاقتصادي العالمي نشأ بعد أن كانت هذه الدول قد استنزفت غيرها وحققت تراكما اقتصاديا لا يجعلها في نفس نقطة البداية مع دول الجنوب. وفي الوقت نفسه، عندما بدأت دول الجنوب تحقق الاستقلال، وجدت أن فرصها في تحقيق تراكم اقتصادي صعبة جدا في ظل منافسة عالمية، كما أن استقلالها جاء في ظروف جديدة لا تملك معها خيار العزلة في بناء اقتصاد خاص يحقق التراكم المطلوب حتى تدخل في المنافسة على السوق العالمية. وبالتالي فوجئت بأن استقلالها لا يعني الكثير فعلاً.


في مثل هذه الظروف الجديدة، وفي ظل عدم إمكانية على الاعتماد على الاكتفاء الذاتي في تحقيق تراكم اقتصادي، لم يبقَ حينها لدول العالم الثالث خيار إلا أن تأخذ قروضا من الدول الثرية في الشمال غالبا أو من المؤسسات المالية فيها، وهي قروض عادة ما تكون نسبة الفوائد فيها عالية. فإذا استطاعت من خلال هذه القروض المالية أن تحقق تراكما اقتصاديا، فإنها حينها ستكون قادرة على إنتاج فائض تكفي نسبة منه كل عام لتسديد الدين الذي عليها من جهة، والنسبة المتبقية في تحقيق تراكم اقتصادي يؤدي إلى استثمار رأسمالي حقيقي، وهو ما يساعد هذه الدول على تجاوز عجزها طالما أن لديها خطةً اقتصاديةً متينة واستشرافاً جيداً للمستقبل.


وأما في حالة عدم قدرة الدولة المدينة على تحقيق فائض في عملية الاستثمار، فإنها ستجد نفسها مضطرة لأخذ قرض جديد من أجل تسديد القرض السابق، وقد يتكرر الأمر كثيرا لتجد نفسها تأخذ قرضا من أجل تسديد قرض سابق، وفي كل مرة تقل فيها إمكانية تحقيق فائض حتى تضمحل الفرصة تماما. وفي هذه الحالة تكون الدولة قد خسرت أوراقها، ومن الصعب أن تجد من يعطيها قرضا، وهو ما يجعلها تفشل في تسديد أكثر من قرض وتعلن عن حالة «default». ونحن هنا نرى أن خيار القروض يساهم في النهاية في امتصاص الفائض من دول الجنوب إلى دول الشمال من خلال استثمار سهل وفوائده مرتفعة دون أن تستفيد الدول المدينة شيئا منه، وهو ما يزيد الفجوة الاقتصادية في الوقت الذي كان يراد منه عكس هذا تماما.


وللأسف، فإن الحالة الثانية هي التي سادت إلا في حالات نادرة، ففي السبعينيات قام عدد كبير من الدول بأخذ قروض ضخمة من بنوك ودول الشمال التي حفزتها أيضا على ذلك. ولكن التوقعات بالنمو الاقتصادي لم تكن دقيقة. فمثلا، قامت بعض الدول المصدرة للنفط مثل المكسيك وفنزويلا بأخذ قروض مليارية، على اعتبار أن أسعار النفط ستصل إلى مستوى معين، وحينها تكون قادرة على تسديد الدين من قيمة المبيعات بأسعار مرتفعة كانت تتوقعها. وعندما لم يحدث هذا، دخلت في عملية اقتراض متكررة لسداد قروض سابقة ولم تصل أسعار النفط طيلة مدة الاستقراض المتكررة إلى حجم التوقعات التي من الممكن أن تخرجها من هذه الورطة. وهذا ما جعل بعض دول الشمال تستهلك النفط بسعر منخفض عن التوقعات العامة، وفي الوقت نفسه تحصل على فوائد كبيرة من القروض تقلل أكثر وأكثر من القيمة الحقيقية لما يدفع على النفط حتى يكاد يكون استهلاكا بلا مقابل!


ولذلك، لم يدخل عقد الثمانينيات من القرن الماضي، إلا وقد ظهرت ملامح أزمة قروض عالمية تمر بها دول العالم الثالث وتعرف بـ «third world debt crisis»، وقد بدأت في أميركا اللاتينية أول الأمر ومن المكسيك تحديدا عام 1982 قبل أن تنتشر في كثير من دول الجنوب التي أخفقت في استثمار القرض لتحقيق فائض يكفي لتسديده ولتأسيس تنمية اقتصادية. وهذا واقع جديد تماما فرض نفسه فجأة على مستوى العالم، ولا تقل خطورته وحساسيته كنقطة تحول عن كل الأحداث السابقة التي تحدثنا عنها ابتداءً من الاستعمار وحتى أزمة ديون العالم الثالث.


فإذا كان حديثنا في المقال عن السياق التاريخي للفجوة الاقتصادية بين دول الشمال والجنوب، وعن التحولات المفصلية التي تبشر بالحلول السحرية في الوقت الذي وجدنا فيه أنها تزيد من حجم هذه الفجوة كثيرا، فهل نتصور حينئذ أن التفاعل العالمي مع أزمة ديون العالم الثالث ستكون مختلفة؟ وكيف ظهر صندوق النقد الدولي كلاعب استراتيجي ومهم؟ أليس من المفترض أن يؤدي تدخل المنظمات الدولية «International Organizations» في مثل هذه الحالات إلى وضع حلول توقف هذا الاستنزاف وتطمح إلى تحقيق المصلحة العامة؟

هذا ما سنحاول الإجابة عليه في المقال القادم إن شاء الله.

بسم الله الرحمن الرحيم

.
.
.
.
.
.
.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


هذا كتاب ( رحلتي الفكرية ) لـ د . عبد الوهاب المسيري – رحمه الله –  مجزءاً للتحميل ، وتم تحميل ثلثه وبقي الثلثان إن شاء الله .

التجزئة أفضل لي لأن الاتصال سرعته متوسطة + ما عرفت أخفف من حجم الملف .

” رحلتي الفكرية “


قد لا يكون الكتاب الفكري باعثا معتادا للتوحيد ولا حتى لتعظيم الله ولا للتفكر في عظيم آلاءه إلا إن للمسيري – رحمه الله – روحا قوية تنفذ من خلال السطور تقول بصدق وقوة : لا إله إلا الله ، ويزداد معها اليقين والإيمان .

هكذا بالفعل أجد نفسي مع كتبه ، رحمه الله .إن كان للفِكر وعاظ فإن واعظ الفكر هو المسيري – رحمه الله – .

لأول مرة انسخ كتابا لذلك ربما الحجم كبير قليلا خصوصا في الفصل الأول لكن لم أعرف كيف أصغر الحجم ، وبالطبع الصور في النهاية – أقصد نهاية الكتاب – ستنالها يد الرقيب ولا سبيل للاعتراض

وأما الخطوط على الكتاب وتعليقاتي البسيطة فلم يعترضني حتى الآن أي شيء يذكر لذلك من وجد من ذلك شيئا فليستره – كثير من الناس خطوطهم شينة – .

والله ينفعكم به .


روابط تحميل كتاب ( رحلتي الفكرية )

الجزء الأول ( التكوين )

الفصل الأول :

http://www.4shared.com/file/140028154/83789b4d/____1__.html

أو

http://www.mediafire.com/download.php?0mdzttiemiy

الفصل الثاني :

http://www.mediafire.com/download.php?zglndnzwmjz

أو

http://www.4shared.com/file/140031291/1d89f8ad/____2__.html

الفصل الثالث :

http://www.mediafire.com/?bdmwjgitmhm

أو

http://www.4shared.com/file/140037099/35bdfb2d/____3__.html

الفصل الرابع :

http://www.mediafire.com/?mduztwidwri

أو

http://www.4shared.com/file/141752411/f75a6f55/____4__.html

الجزء الثاني ( الفصل الأول ) :


http://www.4shared.com/file/190481561/e81a9431/_______.html

ولا تنسوا مؤلف الكتاب من صالح دعائكم ، ولا المتسبب برفع هذا الكتاب .

الصفحة التالية «