نقولات


نقلا من فور شباب :

 

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،

تتعاون منتديات فور شباب مع غرفة التجارة والصناعة بجدة ،،

لتشكيل فرق تطوعية لإنقاذ أهالي جدة من كارثة توسونامي ،،

لمن يرغب في المشاركة التواجد غداً الثلاثاء 14/12/1430هـ الساعة الواحدة ظهراً في مبنى الغرفة الدور العاشر ،،

مع ضرورة إحضار صورتين شمسية + بطاقة الأحوال

المشاركة متاحة للجنسين .. وللسعودين وغير السعوديين ،،

آمل نشر الخبر لكل من يحب مشاركة ،،

ولنحتسب الأجر في ذلك ،،

http://www.4shbab.net/vb/showthread.php?t=75643

 

http://www.facebook.com/group.php?gid=188573576805

+

 

http://twitter.com/search?q=%23jeddah

الدين والسياسة في الفكر اليهودي

نص: آلان دييكوف*

ترجمة: د. عزالدين عناية**

الكاتب/ أنفاس

يلاحظ المتابع للشأن العربي الإسرائيلي هيمنة الرؤية السياسوية، في تفسير كل ما يتعلق بمبحث الفكر اليهودي، مما خلّف مقاربة محدودة وقاصرة ألحقت ضررا بالرؤية العلمية العربية، وأعمت عن تناول الموضوع خارج هذه الأطر الضيّقة. لذلك نرى غيابا لدراسة الفكر الديني اليهودي بشكل موضوعي، القديم منه والحديث، واختزالا لإسرائيل في محددات سياسية لا غير. وبرغم نشأة عديد ما يسمى بمراكز الأبحاث، في بلدان عربية، تتولى الشأن الإسرائيلي، فإن هناك غيابا لافتا لإيلاء اهتمام للجانب الديني العميق، الذي تستند إليه إسرائيل.

آن الأوان للعقل العربي أن يؤسّس علم يهوديات، أو كما أطلقنا عليه الاستهواد، حتى يمسك بخيوط ظواهر متنوعة في غاية التشابك.

المترجم

***

لقد أثارت التحوّلات السوسيوسياسية التي شهدها العالم اليهودي منذ القرن الثامن عشر تساؤلا جذريا حرجا، وذا صبغة مربكة للعقول المفكّرة: ضمن أية حدود يتواجد أو يغيب التواصل الأصيل بين العهدين، الماقبل والمابعد انعتاقي؟ سؤال مصيري، لأنه يحشر ضمن سياقه، مسألة المدلول العميق للمصير اليهودي المعاصر، وانخراطه ضمن مسار التاريخ الممتد. لأن التفسيرات المتعاضدة توفّر انسجاما متينا فيما بينها، فليس من المستغرب معاينة مقاربتين متضاربتين، ترتاد كلّ منها وبصفة دائمة سوق الأفكار. فالجدل الذي حرّك عديد المجالس الفكرية اليهودية خلال الاحتفال بالذكرى المئوية الثانية للثورة الفرنسية، وفّر صورة جد حية عن الأمر.

من ناحية، أولئك الذين يقدّمون أنفسهم بكونهم “جمهوريين” وينوّهون بترقي اليهود إلى مرتبة المواطنة الفردية –وهو تقدير في غاية الإيجابية-، والتي ضمنت لهم الخروج من الغيتو، حيز الانغلاق، واكتساب الحريات الشخصية، التي منحت اليهود بشكل ما، أشكال كرامتهم الإنسانية. فالثورة بحسب هذا التمشي دشّنت حقبة جديدة، دفعت خلالها اليهود باتجاه الحداثة.

بخلاف ذلك الطرح، نجد أولئك الذين صاغوا مقاربة نقدية لـ”إيديولوجية المئوية الثانية” من خلال تأكيدهم على الأبعاد الإشكالية للانعتاق؛ إذ يبرزون أن سياق العلمنة الذي رافق تطوّر الجمهورية، شهد امحاء جزئيا للاّيهودية المسيحية لفائدة لاسامية عرقية أكثر خطورة، لتأسّسها على ادعاء بشأن الطبيعة البيولوجية لليهود، الثابتة والمتديّنة. ويعودون بظهور الحداثة اليهودية، إلى التطورات التي هزّت المجتمع اليهودي في بداية العصر الوسيط. ضمن هذا المنظور الثوري، ليس مرده إلى ظهور فجئي، وإنما هو واقعة ينبغي فهمها انطلاقا من الماضي والتراث.

القطيعة أم التواصل؟ هذان عاملان هما في الحقيقة حاضران في يهودية ما بعد الثورة، ولكن الإشكالية بالأساس هي في التفكير بأمرهما معا، بصفتهما لحظتين لسياق جدلي موحّد.

الانعتاق والكتابة الثانية للمسيحانية


لقد حضر الانعتاق كمرجع أساسي لليهودية تحت ضربين مختلفين خلال القرن التاسع عشر:

انعتاق فردي في مجتمعات أوروبا الغربية، أين استطاع اليهود تحقيق الاندماج التدريجي بعد تجاوز عوائق الضوابط الشرعية.

انعتاق جماعي، كما هو الأمر في الإمبراطورية القيصرية، معتبر بوصفه العلاج الوحيد لأوتوقراطية مستحكمة. فمنطق الانعتاق يستدعي اليهود لتبني أنماط تفكير مستحدثة. فما عاد اليهودي فردا من شعب مشتت، مكون من جماعات مستقلة (كِمِلّوت) ومساسة بتشريع ديني. ولكن مواطن من الدولة الفرنسية، أو الإيطالية، أو الألمانية، مؤمن بالعقيدة الموسوية، أو كما هو الأمر في روسيا، مناضل ثوري في حزب اشتراكي بصدد التشكل، أو عضو في أمة يهودية ساعية نحو تقرير مصيرها داخل الإمبراطورية، مثل البندية، أو الحكم الذاتي لسيمون دوبنوف، أو السجمية للحزب العمالي الاشتراكي اليهودي، أو كما هو الأمر في فلسطين مع الصهيونية.

على مستوى تاريخي، فقد مثل الانعتاق، دون شك، تغيرا جوهريا في تشكل الهوية اليهودية. ولكن التراجع المتطور لأجزاء واسعة من المجتمع اليهودي التقليدي، لا يعني أبدا التفكك الكلّي لنسق القيم اليهودية. وبالعكس، فمن البين ملاحظة، أنه في الآن الذي تمت فيه عملية الاندماج الاجتماعي والمثاقفة بشكل متطور، فإن القانون الأخلاقي اليهودي ما عرف أبدا الهجران، ولكن أعيد استثماره وتكييفه وتشكيله. وقد تجلى ذلك بجلاء في مسألة أساسية مع موضوع المسيحانية. فالترجّي المسيحاني بطابعه المزدوج: البنائي، بالعودة للعصر الذهبي للأصول؛ واليوطوبي، بالإرساء لعالم مختلف وأمثل، قد وقع تبلوره في فترة الهيكل الأول/ بين القرن العاشر والسادس قبل الميلاد، والذي أصبح شيئا فشيئا عقيدة ثابتة في اليهودية. وبقدر ما كانت الحياة المعيشية لليهود صعبة ومغتربة في المنفى، بقدر ما بات المستقبل محمّلا بكافة الوعود الخارقة. فسياق الانعتاق لم يحد من ذلك الانتظار لمتوهّج للخلاص، بل قاد إلى تأويل مستجد، بالاستثناء طبعا، في الأوساط الأرثوذكسية السائرة نحو الاندحار، والتي تسعى للحفاظ على نمط الحياة اليهودية، أي الطابع المعجز والرؤيوي للمسيحانية. بالإضافة، سيتظافر انخراط اليهود في مجتمعات أوروبا الغربية، مع انتشار ثان لديناميكية مسيحانية باتجاه البلدان التي حازوا فيها المواطنة.

إذا اعتبر الانعتاق بمثابة التحقّق للمثال المسيحاني مع مبدأ الأخوة الكوني، وبات نابوليون ولويس فيليب بمثابة قورش الذي حرّر اليهود من العبودية ومنحهم الحرية. وأصبحت فرنسا الأرض المقدّسة الجديدة، وصار إعلان حقوق الإنسان الوصايا العشر الحديثة. فهذ الخطاب المدعوم من طرف عديد الحاخامات، الذين ماثلوا بحماس بين تاريخ فرنسا والتاريخ التوراتي، سمح بالحفاظ على ديمومة الدلالة المسيحانية، مع إعطائها توجّها محدثا وذا طابع إجرائي مباشر. ويعتبر موقف الحاخامات الإصلاحيين الألمان المجتمعين بفرانكفورت، سنة 1845م، نموذجيا في هذه الحركة، حتى أنهم عملوا على إلغاء أي توجه للانبعاث الوطني لليهود في فلسطين، وألحّوا على ضرورة إتاحة مكانة متقدّمة للفكرة المسيحانية في الصلوات، حيث اليهود ملقى على عاتقهم نشر رسالة التآخي بين البشر. وكذلك الأمر مع الولايات المتحدة خلال الحقبة المعاصرة، وكأنها تمثل، باستعادة مصطلحات إعلان بيتسبورغ 1885م، “التحقيق للرجاء المسيحاني الأكبر لإسرائيل، في إرساء الحقيقة، والعدالة، والسلم بين البشر”. وفي نفس الوقت الذي هجر فيه اليهود الإصلاحيون، الموالون لتكييف اليهودية مع نسق التطور الاجتماعي، فكرةَ التأسيس السياسي ليهوذا، تحت إمرة مسيا منحدر من بيت داود، فإنهم عملوا على صهْينة أمريكا: حيث أصبح العالم الجديد التجسّد لأورشليم التوراتية، والموقّعون على إعلان الاستقلال، بمثابة شخصيات نبوية مكرّمة. إضافة إلى ذلك فقد وظِّفت الصورة المسيحانية لتدعيم الاندماج الاجتماعي السياسي لليهود بالولايات المتحدة. ومما ساعد على تسهيل هذا التحوّل للمسيحانية، التاريخ الروحي الخاص بالولايات المتحدة، فقد عاش الطّهريون هجرتهم في القرن السابع عشر، بمثابة النزول بالأرض الموعودة، من أجل تشييد أورشليم الجديدة.

إذ فشا نمط آخر من التشكل المسيحاني، داخل أحضان الحركات الثورية، أين كان اليهود متواجدين بكثافة. وتتفسر تلك الواقعة بيسر، من وجهة نظر سوسيولوجية، بصفة هؤلاء “المثقفين العائمين” المعاينين من طرف كارل مانهايم، قد انحصروا بين عالم يهودي تقليدي، كانوا قد هجروه، ومجتمع مضيف لم يقدروا على اختراقه، مثل حالة روسيا وكذلك ألمانيا. فبطبيعتهم تلك، كانوا محمولين على انتقاد النظام الاجتماعي الذي ألقاهم على أطرافه. تمت تلك الحركة النقدية عموما بالاعتماد على حجّية عقلية مستمدة من الماركسية. ولكن الانتقاد للمجتمع البرجوازي والتطلع لتغييره ببديل عادل، قد اندست فيه نفحة مسيحانية خفية وغير جلية. فقد أكّد عديد الكتاب على أن رغبة الماركسية في تأسيس عالم عادل ومتساو، مستبطنة ببعد مسيحاني مضمر. ولاحظ كارل لويث، تلميذ هايدغر، أن البيان الشيوعي “هو وثيقة نبوية، وقرار ودعوى للعمل، وليس أبدا معاينة علمية صرفة مبنية على حجّة اختبارية للوقائع المحسوسة”.

وذهب الفيلسوف الروسي نيكولا برداييف ذلك المذهب، مرتئيا في مذهب كارل ماركس “أن البروليتاريا هي إسرائيل الجديدة، شعب الله المختار، وهي المحررة والمشيدة للملكة الأرضية المقبلة. فشيوعيته البروليتارية هي شكل معلمن للعهد الألفي اليهودي القديم”. وإذا ما كان أغلب القادة الثوريين اليهود (تروتسكي وبرنستاين وأدلر…)، قد تخلصوا بحدّة من التراث الديني، فإن ذلك لا يلغي أبدا ما أكده حدس برداييف وبالعكس، فقد كان لزاما أن يهجر هؤلاء الرجال اليهودية التقليدية، حتى يحوّلوا ترجيهم الخلاصي المسبغ على الاشتراكية، لأجل صياغة صورة مستجدة للمسيحانية. فتبطّن العامل المسيحاني جلي وعميق في مختلف الاشتراكيات الفوضوية للقرن العشرين، حتى أن ميكائيل لوي يتحدث عن تجانس خفي ومتميز بين المسيحانية اليهودية واليوطوبيا الفوضوية، في أعمال الأنتلجنسيا اليهودية في وسط أوروبا. فهؤلاء المثقفون أكانوا موالين للدين، على شاكلة مارتن بوبر، أو ملاحدة، مثل أرنست بلوخ، فإنهم تجمعهم رابطة رومانسية موحّدة في معاداة الرأسمالية، ويتقاسمون رغبة عارمة في تشييد مجتمع جديد، بفضله تتحقق مملكة الرب على الأرض.

وتجلت المسيحانية كشكل غير متجاوز، لإضفاء الشرعية، سواء بالنسبة إلى تدعيم النظام الديمقراطي الليبرالي، في أوروبا الغربية وأمريكا، أو إلى التنديد بالطغيان السياسي، خصوصا في الإمبراطورية الروسية، أو أيضا إلى انتقاد النظام الرأسمالي. وليس من المتيسر لهذه المسيحانية أن تبقى دون أثر على الإيديولوجيا القومية، إيديولوجية الصهيونية، التي تشكلت خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر.


من المسيحانية الواقعية إلى المسيحانية الناشطة


ينبغي لزاما لمتابعة المسألة المسيحانية، الصعود باتجاه البدايات الأولى للصهيونية في أواسط القرن التاسع عشر. ومما يلاحظ بدءا أن تشكل الصهيونية في وثاق مع ظهور وعي تاريخي بالظاهرة اليهودية، وضع محلّ تساؤل الرؤية الثابتة ليهودية أزلية وقويمة. ففي ألمانيا وفي بداية القرن التاسع عشر، شهَد ميلاد علم اليهودية _Vissenschaft Judentums_  بصورة جلية، على ذلك الوعي بتاريخية اليهود. فتلك الاستعادة الواعية للماضي اليهودي، والتي باتت موضوع معرفة تفكرية، أتت ضمن إعادة الاكتشاف للبعد الذي يتسم به الفكر الأوروبي خلال القرن الأخير. ذلك أن عهد التاريخ النقدي يتأسّس على أنقاض التراث الخرافي، الذي يموقع توالي الأحداث في زمن ثابت، ومؤوّلا إياها بصفتها تنوّعات مختلفة لوعي أسطوري بالحياة. ذلك الوعي بتورخة المسائل سوف يخترق العالم اليهودي، بانسياب معطيات شرعية مستجدة لمعنى الفعل. والذي سيعيد النشاط للمسيحانية، بعد أن عرفت ترصّنها عبر القرون، بالرغم مما يلازمها من انجراح حتى فترة أخيرة، بفعل الضياع التام للاستقلال اليهودي، بعد خيبة سيمون باركوكبا 135م، والتي سنحت لبعض الأوساط الدينية عصرئذ أن تضفي عليها صبغة مسيحيانية. واحترز بعض الحاخامات أيضا، مما دفعهم إلى محاصرة مظاهر الهيجان المسيحاني غير المنضبطة، والتي توشك، في حالة الخيبة، أن تزعزع أوضاع اليهود في الشتات. وبمراجعة ذلك الركن الإيماني، عودة المسيا، يبدي فقهاء الشريعة حذرا كبيرا تجاه الحركات ذات الادعاء المسيحاني، التي ظهرت في التاريخ اليهودي عبر القرون. فملحمة سبتاي زيفي التي أثارت موجة حماس هائلة في العالم اليهودي 1665-1667م، والتي انتهى صاحبها بالاهتداء للإسلام، مخلفا عددا من حواريه في متاهة حرجة، دعمت الإدانات الصادرة عن السلطات الحاخامية. وتحييد الطابع الحيوي والسياسي طبعا، للمسيحانية طبعها بميزات ثلاث: منفعلة (حيث الخلاص يتم بصفة إعجازية)، وطوباوية (حيث ترسي عهدا جذريا مستجدا)، ورؤيوية (حيث تأتي على إثر اجتياح الكوارث الفاجعة). ولا يعني التحييد أبدا الإلغاء للمسيحانية، ولكن إعادة التوجيه لها ضمن توجّه شخصي وباطني. وأصبح الإنسان اليهودي –وتلك الدعوة الأساسية للحاسيدية التي ظهرت في جنوب أكرانيا خلال القرن 18- مدعوّا لتحقيق خلاصه الصوفي من خلال تطوير توحّده الصادق مع الله (ترقّي الدفكوت). فاليهودي ينبغي ألا يتدخّل مباشرة في التاريخ، على شاكلة الساباتية، بل ينبغي أن يتمركز على خلاص روحه.

وسوف يتِمّ انكشاف تاريخية اليهود ذلك “النظام المسيحاني السكوني”، المتواجد في بعض الأوساط الأرثوذكسية المهمّشة، ولكنها ذات قيمة رمزية. فالأشخاص –الحاخامات منهم بالخصوص-، الذين بدأوا في سنوات 1850-1860م ينادون بالعودة إلى صهيون، بدوا للوهلة الأولى بمثابة متنوّرين طيبين، في حين كانت مساهمتهم الإيديولوجية مهمة، حتى وإن لم تتخذ تجديداتهم معنى إلا خلال الثلاثين سنة اللاحقة، عندما بدت الحركة الصهيونية في الظهور وبداخلها جانح ديني. ومن اللازم ملاحظة أمرين مع هؤلاء الرواد الأوائل للصهيونية، حيث الوجوه البارزة من بينها الحاخام السفاردي يهوذا القلعي 1798-1878م، وابن ملته الأشكنازي زيفي هريش كاليشار 1795-1874م.

فمن ناحية، فهم يبدون الحجة على حساسية جلية تجاه التحوّلات التاريخية، مثل الصعود الاجتماعي لأعيان يهود، بدءا بعائلة روتشيلد، في البلدان الغربية، وبدايات الحضور الأوروبي بفلسطين وانتعاشة الفلاحة اليهودية، والغليان القومي للشعوب البلقانية في بولونيا والمجر وما خلفته أحداثها من تحولات راديكالية. فتلك المعاينة التي رصدت كذلك مع معاصرين لهم، سوف يعطيها الرواد الصهاينة وبشكل آخر ترجمة دينية. فبالنسبة إلى هؤلاء القوم الناشئين في أحضان التراث الأرثوذكسي، تشكل تلك التحولات بالضرورة جزءا من مخطط العناية الإلهية للتغيير، وفي العمق، لحالة التشتت اليهودي: هي آيات إلهية كاشفة لقرب ساعة الخلاص. فأي تأويل هو بالأساس مستجد، بصفة حلول الزمن المسيحاني ليس مدركا كهجمة كارثية وفجئية، ولكن كمسار  تطوّري سوف تعقبه مرحلتان: الأولى طبيعية، أي يكون للإنسان اليهودي دور فاعل، يلعبه على مسرح التاريخ. الثانية إعجازية، أين يتدخل الله بكل مجده لتجميع شتات إسرائيل، قصد إعادة بناء هيكل أورشليم ومملكة داود وإقامة السنهدرين. وبالتمييز بين لحظتين في مسار الخلاص، يضفي كوكبة الحاخامات الشرعية على العودة المخطّطة إلى فلسطين، من طرف شلة من الشعب اليهودي من خلال مباركة النشاطية المسيحانية.

هذا العمل لإعادة تشكيل المسيحانية، يبدو ضروريا لشرعنة مساهمة الحاخامات داخل المنظمة الصهيونية المؤسسة مع هرتزل في 1897م، ضروريا بشكلين، بدءا لتأكيد شرعية المسار الصهيوني الديني في مواجهة أنتلجنسيا يهودية روسية، ممثلة في شخصيات مثل حاييم وايزمان، شديدة الانتقاد للنظام الإكليروسي ولاحقا للتملص من التقليدية المتزمتة المدافع عنها معا، سواء من جانب الناطقين باسم الحاسيدية ذوي المقاربة الصوفية لليهودية، أو مع الممسكين بزمام الأكاديميات الدينية -يشفوت-، الداعين لعقلانية تقوية، وحيث التميزات جلية بينهما في تطبيق اليهودية، ذات الصبغة العاطفية مع السلف والرصانة العقلانية مع الخلف. ويتحد هذان التياران وبشكل آخر، في ولائهما المشترك لمسيحانية منفعلة، على رفض مطلق للصهيونية، معتبرة لديهم هرطوقية. إذ ما يقوم به دعاتها من تنظيم لهجرة اليهود إلى أرض إسرائيل غاية تكوين مجتمع مستقل، يمثل لديهم خلاصا، باعتبار التجميع الصادق للمشتتين يكون عملا معجزا لله وحده. ولتجاوز تلك الإدانة الصريحة المهيمنة في الحركة الأرثوذكسية، سوف يستعمل الحاخامات الموالون للصهيونية مثل صامويل موهلافر ويعقوب رانز، اللذين أسسا سنة 1902 حزب مرزحاي (المركز الروحي)، حجية مزدوجة.

في مرحلة أولى، ولأجل إزاحة تخوفات السلطات الحاخامية العليا، بحث رانز وأتباعه لتدعيم تعاونهم مع اليهود العلمانيين، عبر رفض كل صبغة دينية عن الصهيونية، باعتبارها مجرد عملية إنقاذ، ساعية نحو تخليص اليهود من واقع القمع السياسي ومواساة حالة عوزهم المادية. وبصفة مغايرة، ولأن الصهيونية هي مفتقدة كليا للجانب الروحي بصفتها بصورة إجمالية مادية وسياسية، فإن تعاون اليهود المتدينين معها كان باهتا، جراء تجردها من أي دلالة دينية، علاوة أنها لم تجعل محل تساؤل الرؤية التقليدية للخلاص.

يشكو هذا الخطاب الذرائعي من خطإ سياسي: كيف أن حاخامات على قناعة بالمقدرة الهائلة  لله، بإمكانهم قبول حركة مثل الصهيونية، مدعوة لإعطاء توجه جديد لمصير “أمة إسرائيل المقدّسة”، وتكون مفتقرة للحس الديني؟ فإذا ما كان اليهود وبصفة جماعية قد أرسوا عهدا دائما مع الله، فإن أيا من أفعالهم، حتى الأوفر حقارة، ليس بالإمكان أن يكون في حلّ من القداسة.

فبالحري أن أحداثا أكبر أهمية من العودة الجسدية لليهود لأرض إسرائيل (إرتز إسرائيل) ، كانتعاشة العمل الفلاحي، وانبعاث حياة اجتماعية وثقافية، واليقظة السياسية للأمة، بصفتها وقائع تكشف عن عمق ولاء اليهود لصهيون، لا يمكن أن تتم دون تدخل العناية الإلهية. ومن المنطقي جدا أن يسعى لإدماج الصهيونية ضمن سياق المسيحانية اليهودية، وذاك ما فعله رانز بنفسه، في مرحلة ثانية من حجيته، من خلال استعادة التفسير الثنائي لكاليشار القلعي، حول التناوب بين ضربين: طبيعي وإعجازي للخلاص.

لقد كان المخرج لاهوتيا، إذ لم تلاق المؤسسة الصهيونية مأزقا أخطر من طرح التساؤلات. لماذا تتدعم الجماعة اليهودية بفلسطين يوما إثر يوم تحت قيادة صهاينة اشتراكيين ذوي توجه لاإدري، في حين يعرف اليهود الأرثوذكس انكفاءة على أنفسهم؟ كيف بالإمكان الإضفاء على الصهيونية طابع ديني وهي مسوقة من طرف “كفرة”؟ لقد صاغ الحاخام الأكبر الأشكنازي بفلسطين، أبراهام إسحاق هاكوهين كوك (1865-1935م)، مخرجا لذلك المأزق، من خلال تقديم إجابة ثورية، ودون الولوج في تفاصيل فكر ثوري ومشكل، نقول باختصار، إن موقفه يرتكز بالأساس على مستندات مستمدة من التراث القبّالي، والتي بحسبها أن كل مظاهر الخلق شاهدة بالحضور الإلهي، حتى تلك التي تبدو متخلّصة من أي تعال في ظاهرها. فالصهيونية كذلك تتضمن هي أيضا “ملامح تلك القداسة”، والرواد الاشتراكيون الذين قدموا إلى فلسطين لخدمة الأرض قد شاركوا دون وعي منهم في مشروع مرعي من طرف الله”، وفي مخطط عبر ربط الصلة بين الشعب اليهودي وإرتز إسرائيل، سيفضي إلى احتكام كل اليهود إلى وصايا الشريعة. لأن أرض إسرائيل مقدّسة، ولأن المكان موطئ نزول وحي الله (هتجالوت هاشخينا)، فالعودة الجسدية لليهود ستمهد للعودة الروحية (تِشوفا)، والتي تعني قناعة اليهود بأن طبيعتهم الحقة لا يمكن أن تكون إلا دينية. فالصهيونية المنتهكة للحرمات في الظاهر، قد وفّرت في الواقع صورة حية لخلاص مسيحاني سائر نحو التحقّق.

وعلى وقع تحقيق هذا الخلاص، اقتنع خلفاء راف كوك على رأس الحاخامية العليا، أثناء إنشاء دولة إسرائيل 1948م، أن عبر تلك الدولة، بعد كارثة الإبادة الجماعية، وتحت تهديدات المحق من طرف البلدان العربية، أن حضورا لله في التاريخ، بات جليا أمام أعينهم، وأن تكشّفا لـ”فجر الخلاص” (أنسلتادي جيولا) ترافقه “بداية تبرعم للخلاص” (رشيت سميحات جيولاتنو)، وهو ما يمثل الشرارة الحقيقية للسياق المسيحاني.

لقد اقتاد ذلك المعتقد قسرا، الذي يجد ترجمته في عديد المباركات والصلوات المرفوعة رجاء في حماية دولة إسرائيل وقادتها، الصهيونيةَ الدينيةَ، إلى البحث عن الدلالات المؤكّدة لنشوء تطورات متعلقة بالمسيحانية. أتت تلك العلامات خلال حزيران 1967، بعد أن عاش الشعب الإسرائيلي شهر أيار في حالة رعب هائلة، على وقع النداءات العربية بالثأر: “اليهود إلى البحر!”، وترافقها بتصاعد أعمال التحرّش العدائية (إغلاق مضيق تيران على البحر الأحمر). فقد تجلى النصر الساحق لإسرائيل في أعين الكثير، ليس فقط خلاصا، ولكن بمثابة معجزة. فهذا الصراع الذي سمح لإسرائيل بحيازة مدينة القدس القديمة ويهوذا والسامرة (الضفة الغربية)، أين تتواجد أماكن ذات قدسية عالية في الذاكرة اليهودية، مثل الحائط الغربي للهيكل ومدافن البطاركة بحبرون. صور تلك الواقعة خارقة، إذ تجلى الرب مجددا، مانحا شعبه ميراثه الأرضي (نهالا)، وقائدا إياه باتجاه النهج الخلاصي. لقد أوّلت حيازة مجمل إرتز إسرائيل، من طرف أتباع غوش إيمونيم (كتلة الإيمان التي تأسست عام 1974م)، الذين سيكتسحون شيئا فشيئا جزءا مهما من الجهاز الإيديولوجي السياسي للصهيونية الدينية (حزب، صحافة…)، بأنها تقدّم نحو “منتهى الزمن”، أي الانزياح باتجاه الطوباوية المسيحانية.

تفسر هذه المسيحانية الأرضية بجلاء الهيجان الاستيطاني لغوش، حيث يعتبر تكثف المستوطنات، علامة بارزة، تقرّب اليهود ومعهم كافة البشرية من خلاصهم النهائي.

وبصفة غير جليّة وعبر العقود، أصبحت المسيحانية الواقعية لرواد الصهيونية، الذين رتبوا الميدان لتدخل الإنسان اليهودي اليقظ في تاريخه، مسيحانيةً ناشطة شيئا فشيئا، أي النقيض للمسيحانية المنفعلة والمتحفّظة، التي هيمنت على اليهودية التقليدية. هذه العودة مرتبطة ضمنيا بتحقيق الصهيونية من خلال إجراء البعث الأرضي الثاني (الجزئي) لليهود، على قاعدة دولتية، والتي ستقوي الانتماء الفعلي لأرض إسرائيل. وجراء ذلك تدعم الوجه السياسي للمسيحانية اليهودية الحاضرة أثناء القرنين الأول والثاني ق.م، وحسنت صورتها من طرف الحاخامات المنشغلين بـ”صناعة” يهودية أثرى روحيا، وأكثر تكيّفا مع الوضع المستجد للشتات. تدعّم “أكثر يسرا مما شهدته الصهيونية، حيث كل التوجهات ما كانت لتخلو من حساسيات مسيحانية”.


الصهيونية: هل كانت مسيحانية سياسية؟

الجدل المثار في مستهلّ هذا المقال, بشأن التواصل أو القطيعة المحدثة مع يهود مابعد الثورة, يتعلّق في الأساس بالصهيونية. حيث يُعرض صنفان من التفاسير المتناقضة: الأول ذلك العائد لأولئك الذين جعلوا من الصهيونية حركة متماهية مع اليهودية, ومجرّد تحوّل للترقّب الحنيني لصهيون. والثاني ما يعود للذين يذهبون، بصفة مغايرة، لإبراز أن الصهيونية كانت تحولاً في العالم اليهودي, وثورة حقيقية في المصير. فالملاحظ أن أيّ من هذه المقاربات ما كانة على خطأ, لتعبير كل منها على وجه من وجوه الحقيقة, فالتوجّه الأول, يبقى حائلا دونه ربط التواصل العقلي أو حتى الرمزي منه, بين الصهيونية وأمل الأجداد في تجميع المشتّتين.

أما على مستوى تاريخي, فقد كانت الصهيونية -مُدْرَكَة في شكل تبلورها تحت قيادة تيودور هرتزل- تجدٌّدا سياسياً ذا فرادة لا تناقش. فباقتراج هرتزل تمكين اليهود من دولة، والتأسيس لهذا الهدف جهازا سياسيا (المنظمة الصهيونية ومختلف هياكلها), فإنه بعمله ذلك قد أدخل اليهود الحداثة السياسية، حداثة ذات أوجه ثلاثة: أولا، عبر إحداث تحليل عقلي ورصين لـ”مسألة اليهودية”، يتم في ضوئه إعادة التوطين للشعب اليهودي داخل فضاء قومي، ولاحقا من خلال إرساس السياسي (اليهودي) ضمن دائرة مستقلة ومنفصلة عن المؤسسة الدينية، والذي جعل تكوّن “أصحاب الفعل السياسي” في تميز عن النخبتين الدينية (الحاخامات) والاجتماعية (الأعيان). وفي مرحلة أخيرة التنظيم السياسي للأمة في شكل دولة، أي مؤسسة هيمنة، ذات طابع عقلي، حولها تنتظم الولاءات السياسية.

فهل تلك الحداثة السياسية، الوثيقة الصلة بمعطى العقلانية وباستقلالية السياسي وبتوطيد أركان الدولة، تستوجب انقطاعا تاما عن التراث؟ تبدو الإجابة بالنفي. ذلك أنه في سنوات 1905م رفضت الأغلبية الساحقة للحركة الصهيونية المقترح البريطاني بخلق مستوطنة يهودية في إفريقيا الشرقية (أوغندا). هذا الرفض برغم الظرفية الحرجة، حيث الفترة متخلة بعديد المذابح في روسيا، يثبت دون تحفظ أن بناء الدولة اليهودية لا يمكن أن يتم على حساب التضحية بالوفاء لصهيون. بشكل آخر، لا يمكن أن تكون القطيعة مع المرجعيات التراثية السابقة شاملةً، لأنها توشك أن تلغي معنى المؤسسة الصهيونية برمّتها.

بخلق هوية قومية جماعية، يتيسّر للصهيونية أن تتجذر كغيرها من قوميات القرن 19 في رأسمال رمزي موروث عن الماضي. فتلك العناصر المشكّلة للهوية يعاد تأويلها وصياغتها واستثمارها، ولكن ذلك الفعل لا يشهد أبدا عن رغبة في إحداث تواصل. فالعودة الثلاثية التي تعد بها الصهيونية ينبغي إدراكها ضمن هذا السياق، فالمثاب إلى أرض فلسطين يشهد بوجود رابطة جوهرية، ذات طابع وجداني وعاطفي بين الشعب اليهودي والأرض المقدسة، رابطة حتى صهيوني ماركسي، مثل بربروكوف، لا يتيسر له نكرانها، حتى وإن أخفاها وراء تعلل مادي منتحل. بالإضافة فإن حضور المرجعية التوراتية الثابت في أدبيات الصهيونية اليسارية، قد حافظ على حيوية المرجع الديني الأساسي، حتى وإن اعتُبر النص نتاجا ثقافيا للعبقرية اليهودية، وليس علامة لتعهّد اليهود تجاه إلههم. وفي مرحلة أخيرة، فإن إحياء العبرية مجدّدا إلى لغة محكية، متكيفة مع الاستعمال اليومي، يعتبر مثيرا لنوع من التدنيس لا ريب فيه، فإن غيرها محفوظة وذات طابع قدسي، بالرغم من كل العوادي بفعل التحامها بالعبرية الطقسية. كما عاين ذلك بدقة أندري نيهير، أنه يتواجد “نوع من التجانس الاصطلاحي بين الكلمات ذات الاستعمال القداسي والمفاهيم المقدسة”.

وحتى وإن تمت دوْلنة للفضاء وتورخة للتوراة وعلمنة للغة، فإن الصهيونية ما ألغت ثوابت الهوية اليهودية، بل ما تم هو استثمار تلك المقوّمات بطريقة مغايرة، بإعطائها محتوى قوميا، حيث التوجه بالموضوع المسيحاني بطريقة لبقة باتجاه الصهيونية. لنول اهتمامنا مثلا لهرتزل، لقد كان ليبراليا متحمسا، وحريصا في دولته المستقبلية على استنساخ النموذج الليبرالي البطريركي للإمبراطورية النمساوية المجرية، الذي يقدر الحريات الفردية ويجعل من سلطة الدولة إطارا لانصهار التعددية الشعبية.

وحتى وإن بلغ إلى حل المسألة الصهيونية عبر تمش عقلاني، فإن نجاحه لدى التكتلات اليهودية عائد وبصفة أعم إلى أمر مغاير: إلى شخصيته الكاريزمية التي اقتادت عديد يهود أوروبا الشرقية إلى أن ترى فيه شخصية المسيا. ففي صوفيا خلال 1896م، وقع تكريمه بحفاوة عالية، بصفته “القائد وقلب إسرائيل النابض”. سبع سنوات بعد ذلك، وفي فيينا، يتراص الأنصار لاستقبال “الملك هرتزل”. بالإضافة فإن لقاءاته مع قادة العالم عصرئذ: القيصر، ملك إيطاليا، السلطان العثماني، البابا… ضاعفت من دعْم هيبته، ورسّخت قناعة لدى التكتلات اليهودية بحيازته خاصيات مسيحانية. فقد بدا النجاح الشعبي للحركة الصهيونية مستقلاّ عن فاعليته الإيديولوجية، النابعة من إعادة تشكيل الهوية اليهودية ضمن شروط قومية. ذلك أن النجاح التاريخي للصهيونية متأت بالأساس من تلاق بين الترقب المسيحاني الشائع، والتوفّر لحل سياسي واقعي، حيث تجلّى المزج بين اليوطوبيا والفعل مع تلك الحالة أمرا إجرائيا.

لقد كانت خميرة أساسية، وراء ظهور تلك الظاهرة الاجتماعية الفريدة التي هي الكيبوتز. فقد بدأ ظهور تلك الجماعة التعاضدية منذ سنوات 1910م تحت اسم كفوشا، وبعد أن عاينت الحركة العمالية في فلسطين، مدى تنافر الصيغة الماركسية مع وضعية بلد ينعدم فيه التناقض المعتاد بين البرجوازية والبروليتاريا. ستفسح الحتمية الاقتصادية المجال لمبادرة الجماعات المثالية، التي ستؤسّس في الحقل “المختبرات اليوطوبية” التي ستصوغ المجتمع الاشتراكي المستقبلي. فهذا التغير في الاستراتيجيا والذي أصبح ضروريا في ظل شروط الحياة الاجتماعية في فلسطين، تيسر إتمامه بفعل الحساسية المسيحانية المختزنة في جيل موجة الهجرة اليهودية الثانية (عاليا 1904-1914م)، إذ يرفض هؤلاء الرواد تراثا، مدركا مدى تحجّره، وينتهكون كذلك بوعي تعاليم توراة مغتربة. ولكن بخلاف ذلك فإن التزامهم عميق وصادق تجاه أبناء ملّتهم، وعبرهم تجاه كافة الأمة العبرية السائرة في طريق التشكّل، وهو ما يذكر بوضوح بالحماس الديني (دفيكوت) للحاسيديم. معاينة ليست مفاجئة بالمرة عندما ندرك أن عددا كبيرا من هؤلاء المهاجرين يتأتى من عائلات حاسيدية وأن الثلث منهم قد ارتاد الأكاديميات الدينية.

تتيح الواقعة السوسيولوجية التالية فهما أفضل لكيفية الاستيطان بإرتز إسرائيل وخدمة الأرض، وكيف أن تلك لوقائع عيشت كظواهر خلاص عينية. إذ يرمز أ. د. جوردن (1856-1922م)، الزعيم الروحي لحركة هابوعيل هاتساير (الشاب العامل)، بصورة جلية، لذلك البعد ذي الدلالة الدينية الكثيفة للعودة للأرض بقوله: حرث الأرض والزرع والجني، ليست أعمالا فلاحية مبتذلة، ولكنها أفعال مقدسة تسمح لليهودي المجتث من أي تعايش أصيل مع الطبيعة بإرساء رابطة حميمة ولازمة مع كون مفعم بالحضور الإلهي. يصير العمل شكلا من الصلاة، نوعا من الطقس الذي يحاور بفضله اليهودي إلهه، هذا الإله الحي والملتحم بالعالم. والتعامل مع المعنى المزدوج للفظة العبرية “أفودا” التي تعني “العمل”، وكذلك الخدمة الدينية، يرسم له جوردن تماثلا مباشرا بين خدمة الحقول وخدمة الله. ففي الحالتين يشارك الإنسان في تجربة دينية جلية، بفضلها يبحث عن تغيير غايته الفوز بالكمال. ولكن اليوم بالعمل الفلاحي، يبلغ اليهودي القداسة ويحقق النموذج المسيحاني لإسرائيل. والملاحظ أن ذلك التقديس للعمل له وقع في الأوساط الدينية، ففي سنة 1922م تأسّست في فلسطين حركة هابوعيل هامزراحي (العامل الشرقي)، والتي تحت شعار “توراة هافودا” (التوراة والعمل)، أضفت الشرعية على القيم الريادية للصهيوية لاشتراكية، باعتبارها قيما دينية أساسية مستمدّة من التعاليم الاجتماعية للتوراة. وفي 1937م، عند بعث أول كيبوتز ديني، استبانت بجلاء تلك الروح الريادية الأصيلة.

وجراء الأثر المهم للعمل، لم تتأسس الصهيونية الاشتراكية على الإلغاء المباشر والجلي للبعد المسيحاني، ولكن على إعادة التوجيه له. ولم يعد خلاص اليهود مدفوعا باتجاه مستقبل أخروي غير محدد، ولكنه يتم بصورة مباشرة، بصفة اليهودي، وبحسب تعبير رامبو، “قد حلّ بالأرض ومعه واجب لإتمامه، ولكن الواقع الآسن أمامه يخنقه”.

وإذا ما كان البعث لسياسة يهودية يؤكّد تكيّف اليهودية مع شكل الدولة الأمة الحداثي، فإن ذلك ما عني إلا نادرا، لدى رواد الصهيونية الأوائل، معياريةَ القدر اليهودي، وتنميطا راديكاليا للخصوصية اليهودية. بمعنى أن المرور عبر السياسي ينبغي أن ييسِّر تحقيق النبوة المسيحانية مع غايتها القصوى، وهي تحقيق الأخوّة الكونية. فعبر السياسي سيتِم لليهود تحقيق وجودهم كشعب فاضل يتقدّم الشعوب الأخرى على الأرض. لقد كان ذلك يقينا ثابتا في جوهر المسار السياسي لرجل طبعت آثاره جليا زهاء نصف قرن تاريخ الصهيونية، ألا وهو ديفيد بي غوريون. فهذا الرجل من أول وهلة، يبدو أنه ليس من المتيسر تبريره من الحلم المسيحاني، أولم يسع وهو يصوغ إيديولوجية الـ”ممليكوت” (الدولنة)، لتأكيد الهيمنة المطلقة للدولة، المركز الناشط للنظام السياسي، والذي ينبغي أن يكون معا التعبير الأكثر تمثيلا للروح القومية اليهودية، أي التجسّد الواقعي لحركة التحرير القومية، والضامن لوحدة الأمة؟ أو لم يكن طبعا حداثيا في رغبته لتمكين اليهود من منظّمة سياسية عقلانية (الدولة)، التي ستكون عامل انصهار قومي.

بدون شك لقد كان بن غوريون واقعيا متجذّرا في عصره ومتمرّسا بخبرات العملية السياسية، بالإضافة فإن كلَفه بالتوراة كان لا محدودا، وحتى وإن كان يرى فيها لمحة تاريخية أكثر من كونها نصّا موحى، فإنه قد تبنى وبصفة جادة المنطق العميق الذي يشغلها.

بالإضافة، أولم يكن كذلك على قناعة كبيرة بأن التاريخ الفريد للشعب اليهودي المودع في التوراة، سوف يتواصل مع خلق دولة إسرائيل وأن اختيار إسرائيل، الذي لا يعني تفوقا على الأمم الأخرى، ولكنه وعي بمسؤولية رسالة ينبغي إتمامها، لم تلغ فاعليته الصهيونية التي وفرت له ترجمة جديدة مستحدثة، حيث تحول الاختيار من مدلوله الديني إلى مدلوله السياسي.

لقد كان بن غوريون مصرّا للجعل من إسرائيل دولة فريدة يتحقق فيها النموذج النبوي للأخوة، حيث تكون “نور الأمم” (أشعيا42: 6)، دولة نموذجية تجلِي الطابع المميز للشعب اليهودي، ودولة فريدة تتِم رسالة الخلاص اليهودية لكافة البشرية. فخلال سنة 1950م، عندما كانت أفواج المهاجرين تتدفّق على الدولة الناشئة، كشف بن غوريون في عديد المناسبات عن قناعته بأن الشعب اليهودي بصدد الدخول في الزمن المسيحاني، فتجميع المنفيين، هذا الحدث ذو الصدى الواسع، أُوِّل بشكل أنه يمثل دخولا في حقبة نوعيا مختلفة. ذلك أن الأمر متعلق بمسيحانية متمحورة حول الإنسان، حيث الخلاص ليس من فعل المسيا ولكنه نتاج بشر أخذوا قدرهم بأيديهم، يبقى فيه النسق والضغط والنبض المسيحاني حيا. فاليوطوبيا السياسية لبن غوريون، بالإضافة إلى تطلّعه إلى دولة نموذجية، وتحفزه إلى تحقيقها ضمن شروط ذاتية، بفعل العاليا والعمل الريادي، إرتكز بالأساس على رؤية مسيحانية للخلاص وإيمان بخلود إسرائيل، والتي هي مفاهيم دينية بالأساس، حتى وإن كان الفعل السياسي لا يوليها أهمية إلا من زاوية جانبها العملي. ذلك التفريق أساسي لأنه يسمح بتمييز ما يجمع وما يفرّق الصهيونية الحديثة عن الحركات المسيحانية السابقة. وتكمن نقطة الالتقاء المهمة في عدم القناعة الجماعية بالحاضر، والتطلّع إلى رؤية مغايرة بشكل جذري ترنو إلى خلق حياة يهودية جماعية يهودية في فلسطين. ولكن هنالك يكمن الخلاف، ففي الحين الذي تبقى فيه الحركات المسيحانية حتى المتحمسة منها، كتلك العائدة لدافيد روبيني وشلومو مولكو وسبتاي زيفي (القرن 17)، رهينة رؤية دينية للعالم، أين التاريخ هو نتاج فعل الله، فإن الصهيونية قد اختارت الانخراط في الواقع المعيش للعالم كما هو قبل شغله من الداخل. فالأمر يبدو ملحا لموازنة مسيحانية الصهيونية. ذلك ان اعتبار الحتمية المسيحانية مع المؤرّخ جاكوب كاتز جراء الفعل يبدو مغاليا، فذلك يقود إلى رؤية الصهيونية بصفتها تسلسل لأحداث خاصة ومنتظمة ومتسقة وثابتة بفعل منطق جامد لا غير. بمعنى أن التاريخ ملغى جرّاء أن الحاضر لا يتفسر، إلا عبر شبكة مسيحانية موروثة عن الماضي.

إنه وبشكل مغاير وصائب، ينبغي متابعة الصهيونية على شاكلة ما ذهبت إليه المؤرّخة آنيتا شابيرا باعتبارها مسيحانية سياسية، مفهوم يبني بجلاء طبيعتها الازدواجية الضمنية، فالقصد هو مسيحاني، باعتبار السعي لبلوغ نهضة قومية مرفوقة عموما، بتجديد اجتماعي يستبق عصر سلام لكافة البشرية، ولكن الطريقة سياسية، بصفة وضعنة ذلك المثال يخضع للفعل المخطّط من طرف أناس هنا في الواقع. فالصهيونية كالانعتاق قبلها هي ظاهرة، كشف جرشوم شولام طبيعتها الجدلية العميقة بجلاء، فمن ناحية تلتحم شرعية الصهيونية بالصيرورة التاريخية المتشكلة في فضاء العالم العلماني وليست مجرد تمظهر بسيط للمسيحانية السائرة نحو الفشل بفعل عدم اقتدارها على الإمساك بزمام الواقع. ومن ناحية أخرى هنالك طابع خفي وبعد صوفي ورمزي في الصهيونية، والذي يضفي عليها شحنة ذات دلالة ميتافيزيقية ودينية، بفضلها تمت المحافظة على الخصوصية اليهودية وتحاشي الجعل من اليهود أمة على غرار الأمم.

إذ هنالك جدلية ذكية للاستيعاب والحيازة للحافز المسيحاني، تعني بوضوح أن المستويات السياسية والرمزية ينبغي ألا تتمازج بصفتها تتموقع ضمن أنساق مختلفة: حيث يتجذر الأول بثبات في الواقع التاريخي، أما الثاني، فهو ينتمي إلى مجال التمثلات. فالطريق المرسومة من طرف غوش إيمونيم والتي تطمح إلى تأسيس فعلها السياسي على تأويل ديني للواقع، ترتكز دون شك على مزج للسياسي والرمزي. نوع من المزج، عرفت بفعله حركة سبتاي زيفي خلال القرن الـ17، قبل أن تنتهي إلى فشل ذريع، موشك لتغذية سياسة صوفية، مهددة إلى حد ما بتدمير المشروع السياسي الصهيوني والإبطال مجددا وبقوة للسياق اليوطوبي المسيحاني.

ولعل ظهور جماعة غوش إيمونيم يوحي بحدوث تقلّبات هزّت الصهيونية خلال العشرين سنة الأخيرة، والتي جاءت جراء ثلاثة أحداث سياسية: الوعي المتنامي بالكارثة المطلقة المتمثلة في مذبحة يهود أوروبا، ومجافاة المجتمع الدولي لإسرائيل خلال سنوات 1970، والذي قوى الإحساس بالعزلة الوجودية لشعب إسرائيل وخصوصية قدره الصعب، ومما أكذ ذلك الانطباع تحري يهوذا والسامرة. التطبيع السياسي الذي تعلقت به المنظمة الصهيونية في مستواه العملي وجد هناك نهاياته. وبخلاف ذلك بدت المسيحانية الضمنية، والتي لازالت حتى الآن خفية، سافرة ومدعومة بفعل التاريخ. فالصهيونية وبعيدا عن تيسير الوجود اليهودي لم تقم كما لاحظ ر. آرون برويّة، سوى بتكثيف التناقض اليهودي: دورة على غرار مثيلاتها في الظاهر، لقد أصبحت دولة إسرائيل لدى عديد اليهود الصيغة الأكثر فرادة لليهودية.


* باحث في المركز القومي للأبحاث العلمية بفرنسا

** أستاذ تونسي بجامعة لاسابيينسا بروما

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

(( دراسات عن اللوبي الصهيوني في الولايات الأمريكية المتحدة ))

ربما تعرفنا كثيرا على اللفظة وغاب عنا الكثير من حقيقتها

( اللوبي الصهيوني العالمي* والحلف الاستعماري )

ما كان المسيري – رحمه الله – ليوافق على مثل هذه المصطلحات فالصهيونية ليست عالمية ولا حتى الحضارة الأوربية .


( علاقات إسرائيل مع شبه القارة الهندية )


( دراسات جون وستيفن عن اللوبي )


( اللوبي الإسرائيلي والسياسية الأمريكية الخارجية )


( الصهيونية والجاسوسية لـ د . عبد الوهاب المسيري )

بسم الله الرحمن الرحيم

مكانة المرأة

إن الفكرة التصادمية الغربية التي تشكل هجوماً على فكرة المجتمع الإنساني ومفهوم الإنسانية المشتركة ، بحيث ينظر إلى الإنسان بشكل مفكك وتصادمي ؛ فالمرأة ضد الرجل ، وهي مضطهدة ويجب أن تدافع عن حقوقها خارج السياق المجتمعي ، والشواذ جنسياً أقلية لها حقوقها التي يجب أن يُدافع عنها ، ومن يسب الدين يجب أن يدافع عن حقوقه ، بمعنى أنه لا توجد معيارية ولا ثوابت لدى المجتمعات ، وهي مجتمعات يستند في انقطاع أمرها على أساس عقد اجتماعي ديني أو دنيوي ، يمثل الإطار المشترك لكل شعب له هويته وثقافته ، وإن الحقوق الفردية المطلقة بدون ضوابط تؤدي إلى فوضى معرفية وأخلاقية

وفي هذا النطاق مرت الدعوة النسوية في الغرب بأطوار كانت في بداية أمرها مطالبة بحقوق المرأة وهي : العدالة ، والمساواة ، والأجر المتساوي مع الرجل . أما الآن فقد أصبحت الدعوة النسوية الجديدة لا تدعو إلى حقوق للمرأة ، وإنما تدعو إلى تغيير الجنس وإيجاد جنس جديد ، وإعادة النظر في الإنجاب و وسائله ؛ حيث يرى بعضهن أنه يجب أن يكون عن طريق المختبر الذي يتلقى بويضة الأنثى والحيوان المنوي للرجل بدون ضرورة لقيام علاقة بين الاثنين ، إلى غير ذلك من النظريات العبثية التي أصبحت تمارس في قطع سبل الإنجاب باستغناء النساء بالنساء والرجال بالرجال ! إنه إهدار لكل القيم الإنسانية والانخراط في دوامة اللامعقول .

وقد أصبحت بعض الجهات الغربية تدق ناقوس الخطر ، فقد ورد في التقرير السنوي للمعهد الوطني للدراسات الديموغرافية المقدم للبرلمان الفرنسي في 1999/12/6 أن فرنسا تأتي مباشرة بعد فيلندا والنرويج والسويد ، وهي دول أصبح عقد الزواج فيها يقل ويتضاءل مفسحاً المجال للعلاقة ” الحرة ” بدون زواج ؛ حيث يرتبط سنوياً 450،000 زوج بهذا الشكل من الرباط الحر ، وتتم المعاشرة المستديمة بدون عقد زواج من الجنس الواحد رجال مع رجال ، ونساء مع نساء ؛ ليصل سنوياً في فرنسا إلى 30،000 [1].

وإن الغرب يتدحرج في هذه الهاوية التي تتمثل – للتذكير – في انتشار أولاد بلا آباء ، وإجهاض ، وإعراض عن الإنجاب ، وأسرة من جنس واحد ، وعنوسة وتعاسة .

والإشكال الكبير الذي يعاني منه الغرب أن هذه الحالات النفسية التي يفتح لها الباب على مصراعيه لتجريب التغيير المجتمعي لا نهاية لها .

فعلى المنادين في العالم الإسلامي بتقليد الغرب أن يدركوا ما يدعون إليه ، وأي امرأة يريدون ؟ وفي أي محطة من محطت التطور الغربي سيتوقفون ؟ هذه هي المقدمة الأولى .

أما المقدمة الثاني : فإن قضية المرأة ليست قضية المرأة فقه ط ولكنها قضية الأسرة ، بل المجتمع بأسره ؛ لأنها تدخل ضمن منظومة قيمية وأخلاقية دينية ، لها مرجعية حضارية هي حصيلة سلسلة من التراكمات التاريخية الموروثة ، فبدون الانطلاق من هذه المرجعية لا يمكن تبين مواقع التغيير المقبولة ، ورسم الأهداف السليمة الملائمة للمجتمع والمنسجمة مع الفطرة والصيرورة الاجتماعية في سلاسة ، بعيداً عن فكرة الصراع المرير الذي يقوم على أساس التناقض بين الجنسين .

أما الفكرة الإسلامية فتقوم على التكامل بين الجنسين في أدوارهما ، مع مراعاة ما فضل الله به بعضهم على بعض والإسلام يدعو إلى السكينة والرحمة في بيت الزوجية ؛ وهو ما ينعكس إيجاباً على الأولاد ، ويسمح بنقل القيم بين الأجيال . تلك هي الأرضية التي ينبغي البناء عليها للتجديد ، طبقاً للتعاليم الإسلامية التي مثلت باتفاق الباحثين نقلة مدنية وتشريعية لا مثيل لها في التاريخ للمرأة ، وكان خطاب الإسلام الموجه إلى المرأة ثَرّاً ومتعدد الجوانب ومتسع الأرجاء ، كما أن الممارسة الفعلية للنساء المسلمات اللاتي يعتبرن مرجعاً تقدم نماذج غنية .

إنه لابد من الإشارة إلى هذين الاعتبارين قبل الولوج في تفاصيل بعض فروع حقوق المرأة في الإسلام .ونحن هنا لا ندافع عن ممارسات قد تتعرض لها المرأة في بيئة معينة ، وقد تكون متأثرة بالعوائد والتقاليد ؛ إنما دفاعنا – وهو أمر لا نخفيه – عن منظومة القيم والأخلاق بمعناها الواسع في الدين الإسلامي ، وهي منظومة نعتقد أنها تسمح بتحقيق الطموح العاقل النافع للمرأة والمجتمع بكامله ، وأن هذه المنظومة هي التي تلائم فطرة الإنسان وتتناغم مع مكانته في الكون ، وأن الفروق بين الإسلام وحقوق الإنسان في الغرب هي :

أولاً : أن الإسلام وحي الله تعالى على نبيه – صلى الله عليه وسلم – ، فمصدره الله ، وكان الإسلام ثورة بالنسبة لأوضاع المرأة في كل العالم ، وبخاصة عند العرب الجاهلية الذين كانوا يعدون الأنثى عاراً على والدها ؛ حيث يلجأ والدها إلى وأدها حية ، وقد نعى القرآن الكريم عليهم هذا السلوك : ” وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ” [2].

ولم يكن للمرأة حظ من الميراث ، وقضية زوجة سعد بن الربيع التي جاءت تشكو إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – أن عم بناتها أخذ ما تركه والدهم من المال ، فنزل القرآن يورث النبات ، وذلك معروف في الأحاديث الصحيحة .

وكان الرجل يتزوج ما استطاع من النساء دون حد ، كما ورد في حديث غيلان الذي كان له عشر نسوة ؛ فتصرف الإسلام في كل هذه الحالات فمنع قتل البنت منعاً باتاً باعتباره جريمة ، وباعتبار نفسها كأي نفس لا فرق بين الذكر والأنثى ، ثم ورث البنات وحدد لهن مقداراً في الميراث بحسب وضع الورثة ، وحدد المسموح به من الزوجات بأربع زوجات مشروطاً بالقدرة على العدل ، وباستطاعتها أن تشترط عدم قبول التعدد عند العقد ، كما هو مذهب مالك ، ولها شرطها .

أما السبب الثاني : فهو اختلاف المصدر والمرجعية ، فالإسلام دين سماوي ، نزل من خالق البشر : ” ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير “[3] .

وقانون حقوق الإنسان قانون بشري يتأثر بالصراعات البشرية والأفكار الفلسفية التي تمثل في بيئتها مرجعية .

والتفرقة بين الرجل والمرأة في بعض الحقوق في الإسلام ليست ناشئة عن عدم المساواة في مبدأ الكرامة ، فالكرامة والتكريم للرجل والمرأة معاً ، والخطاب في الشريعة للاثنين دون تمييز : ” من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ” [4]، وقوله تعالى : ” والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر “[5] .

فأثبت الولاية المتبادلة بين الجنسين ، وأثبت الأمر والنهي لهما دون تمييز ، وجاء في الحديث : ” إنما النساء شقائق الرجال ” ( رواه أبو داود ) .

ولكن يجب أن يبحث عن الوظيفة الخاصة التي تقتضيها كل منهما ، فتوزيع الأعباء والواجبات وترتيب الحقوق وظيفي وليس نظرة دونية ؛ ولهذا قال أبو إسحاق الشاطبي : ” وأيضاً فإن الرجل والمرأة مستويان في أصل التكليف على الجملة ، ومفترقان بالتكليف اللائق بكل واحد منهما كالحيض ، والنفاس ، والعدة ، وأشباهها بالنسبة للمرأة ؛ والاختصاص في هذا لا إشكال فيه “[6] .

ولهذا فإنه بنظرة فاحصة ومنصفة نجد أنه يوجد تكافؤ وتكامل بين الجنسين ، فالميراث في بعض الحالات يستوي فيه الذكر والأنثى كما هو في إخوة الأم ، يستوي ذكورهم وإناثهم وأحياناً كثيرة يفضل الذكر بناء على مسؤوليته في القيام على بيت العائلة ، فالمرأة تجب نفقتها على زوجها إن كانت زوجة ، وعلى ابنها إن كانت أماً ، وعلى أبيها وهي صغيرة ، وتوزيع الأعباء اقتضى توزيع الحقوق شرعاً وعقلاً ، وفي الشهادة قد تكون شهادة الرجل بشهادة امرأتين في بعض الحقوق ، وقد تكون شهادة المرأة بشهادة رجلين في القضايا المتعلقة بالنساء : كالشهادة على المولود والرضاعة عند بعض العلماء . فهذا توزيع وظيفي .

أما توثيق الأخبار فالرجل والمرأة سواء في نقل الشريعة ، فلا يشترط في الحديث الذي ترويه امرأة أن تكون معها أخرى ، بل هي والرجل على قدم المساواة ، مع أن أهل صناعة الحديث حكموا بأن كل النساء اللواتي روين الحديث صادقات ، فلم تجرح امرأة واحدة ، بينما جرح عدد كثير من رواة الحديث للرجال ؛ فقد نص الذهبي على أنه لا يوجد في النساء متروكة ولا من اتهمت لاسيما في التابعيات [7] .

والنساء كُنّ يخرجن في الغزو مع النبي – صلى الله عليه وسلم – يداوين الجراح ، وربما شاركن في القتال ، والنبي – صلى الله عليه وسلم – راضٍ عن ذلك .

وفي حديث أم حرام بنت ملحان في صحيح البخاري طلت دعاء النبي – صلى الله عليه وسلم – لتذهب في غزو البحر فدعا لها بذلك ، وفي حديث أنس في غزوة أحد : رأيت عائشة ونسيبة – رضي الله عنهما – وإنهما لمشمرتان ، أرى خدم سوقهما تنزان القرب على متونهما ، ويقذفانها في أفواه القوم [8].

وفي حديث الربيع بنت معوذ قالت : ” كنا نغزو مع النبي – صلى الله عليه وسلم – ، فكنا نسقي القوم ونخدمهم – وفي رواية : ونداوي الجرحى – ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة ” ( رواه البخاري ) .

وقد شاركت نسيبة في القتال يوم أحد كما هو معروف ، وهكذا كانت خولة بنت الأزور في الفتوحات الإسلامية .

وفي أبي داود بسند حسن أن أم ورقة بنت عبد الله استأذنت النبي – صلى الله عليه وسلم – أن تتخذ في دارها مؤذنا ، فأذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها . وأخذ من هذا الحديث جواز إمامة المرأة أهل دارها ، وإن كان فيهم الرجل ، وذهب إلى جواز ذلك أبو ثور والمزني والطبري خلافاً لجمهور العلماء [9]، وعن بعض أصحاب أحمد تؤم في النافلة وتتأخر .

فيجب أن ننظر إلى مبدأ ” المرأة حبيسة البيت ” بأنه مبدأ غير صحيح في الإسلام ، وقد تخرّج من المدرسة النبوية عالماً شاعرات ومجاهدات .

وقد أعطى الإسلام للمرأة حق تربية الولد ، وهو ما يسمى الحضانة في الفقه ، وهي وظيفة لا يشاركها فيها الرجل إلا نادراً .

وكانت وظيفة التعليم والتدريس من أهم الوظائف التي قامت بها المرأة في الصدر الأول من الإسلام ، كما كانت النساء مسؤولات حسبة في الصدر الأول ، فيحدثنا أبو عمر بن عبد البر عن أسماء بنت نهيك الأسدية أنها أدركت النبي -صلى الله عليه وسلم – وعمّرت ، وكانت تدور في الأسواق تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وبيدها عصا .

كما يذكر القرافي في الذخيرة أن أم سليمان كانت تقوم بولاية السوق في عهد الصحابة – رضي الله عنهم – .

وقد أختلف العلماء في توليها للقضاء ، فذهب الجمهور إلى أنها لا تتولى القضاء ؛ لأن القضاء يستدعي خبرة لا تتم إلا بالخلطة بالناس .

وذهب أبو حنيفة إلى إمضاء قضائها في كل القضايا : كالأحوال الشخصية ، والمعاملات من بيوع وإجارات وغيرها ، إلا أنها لا تتولى الحدود والقصاص ، وأجاز الإمام ابن جرير الطبري أن تتولى كل شيء .

واختلف العلماء في تزكيتها للشهود ، والذي يقيس عليه البعض انتخابها للمرشح ، فذهب الأحناف إلى أنها إذا كانت امرأة تخالط الناس فيمكن أن تزكي الشهود ، وهكذا نرى المرأة في صدر الإسلام في كل مكان في الغزو وفي المسجد وفي التعليم والتعلم مع صيانة الأخلاق وطهارة العلاقة .

ومن القضايا المطروحة في هذا الزمان انتخابها كنائبة ورئيسة حكومة أو دولة ، وهو أمر يدخل تحت قول الخليفة عمر بن عبد العزيز – رضي الله عنه – : ” تحدث للناس أقضية بحسب ما أحدثوا من فجور ” .

ويقول الحافظ ابن رشد في فتاواه ما معناه : ” إن لله أحكاماً تنشأ عن أسباب لم تكن موجود في الصدر الأول ، فإذا وجدت هذه الأسباب ترتبت عليها مسبباتها ” .

والأصل ألا تتولى المرأة وظيفة الإمامة الكبرى إذا كانت الرئاسة إمامة كبرى على حد قول ابن حزم : ” تتولى كل شيء إلا الخلافة ” .

وإذا أوصلت لعبة الانتخابات في بلد ما أو بيئة ما امرأة إلى هذا المنصب فإن قاعدة ” درء المفسدة ” تقتضي إقرارها خلافاً لابن عابدين في الحاشية ؛ إذ يقول : ” إنها لا تقر على الإمامة ” . ونسب من يقول بإقرارها عليها بالجهل .

ولكن نقول : إن اختيارها لهذه الوظيفة لا يجوز في الأصل لأسباب شرعية ونفسية ؛ ولكن إذا وقع وكان خلعها سيؤدي إلى دماء فالأولى القبول ، ومعالجة الأمر بالحكمة حتى تزيحها رياح الانتخابات .

ومن هنا ندرك أن الإسلام كان ثورة تاريخية في حقوق المرأة ، وأن حقوقها مكافئة لحقوق الرجل ، وأن المنهج المتوزان الذي سنَّه الدين يلائم طبيعة الأشياء ، وهو يتلخص في الكرامة الإنسانية والتوزيع الوظيفي للأدوار والحقوق والأعباء ، وأن الفطرة السليمة تفرض الاعتراف بأن ما جاء في الإسلام هو الملائم لوظائف المرأة الخلقية ، وهو الذي يصون كرامتها ويحمي أنوثتها ويجنب المجتمع خطر التفكك الأسري ، والتحلل الأخلاقي مصدر كثير من الأمراض النفسية والجسدية التي لا تزال تكشف مع الزمن .

فعلى المسلمين أن يقدموا موضوع حقوق المرأة بصياغة واضحة تساعد المجتمعات الإسلامية ، بل والمجتمعات الإنسانية . وقد حاولت منظمة المؤتمر الإسلامي التي أوصلت بعقد ندوة لدراسة موضوع المرأة ، وقد عقدت هذه الندوة تحت عنوان ” دور المرأة في تنمية المجتمع الإنساني “[10] ، وأصدرت بياناً حددت فيه الخطوط الكبرى لخطة إدماج المرأة في التنمية ، وقد عدلته لجنة الفتوى في المجتمع الفقهي الإسلامي التابع للمنظمة بعد إحالته عليها من طرف وزراء خارجية الدول الإسلامية ، إلا أن مجمع الفقه لم يستطع الموافقة على هذا النص لاختلاف أعضائه ، وسننشر بيان الدورة وتوصياته وتعديل لجنة الفتوى في الملحق .

وبالجملة : فإن حقوق المرأة مصونة ، ومبدأ قوامة الرجل نص قرآني لا غبار عليه : ” الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض “[11] ، والقوامة إنما هي لصالح النساء قبل كل شيء ، ولصالح البيت والأسرة ؛ حيث يقوم الرجل بواجب النفقة ؛ لأن المرأة لها مسؤوليات في البيت و واجبات ، ولقد طرح النساء في الغرب مسألة أجرة العمل المنزلي ، والإسلام يسمو بالعلاقة الزوجية أن تقدم على أساس استئجار ، وإنما هي تعاون .

ولا تعني القوامة استبداداً ولا تحكماً ولا ظلماً واضطهاداً ، فإذا كان في كل خمسة أيام يقتل إسباني زوجته فإن الإسلام يشيع روح التعاون والتشاور بينهما في شؤون البيت بنص القرآن حتى في فطام ولديهما فقال تعالى : ” فإن أرادا فصالاً عن تراضٍ منهما وتشاورٍ فلا جناح عليهما “ [12]، فإذا اتفقا على فطام ولد فإن ذلك يكون بتراض من الزوجين وتشاور .

ومن حيث الممارسة الفعلية في التاريخ فقد شهد العالم الإسلامي عالمات فقيهات ، ومحدثات ، ومدرسات ، وشاعرات ، ومحسنات كبيرات أنشأن أوقافاً وجامعات .

إن الأنموذج الغربي هو أنموذج بائس ، وبحاجة إلى مراجعة على ضوء الفطرة الإنسانية في غياب الدين الإلهي عن حياة الغربيين ، ولعل أكبر مشكلة يواجهها العالم الإسلامي هي كيف يدمج المرأة في التنمية دون أن تمر بسبيل المرأة الغربية الوخيم النتائج ؟

المصدر : حوار عن بعد حول حقوق الإنسان في الإسلام

لـ معالي الشيخ : عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه

ص : 49-59 .

العبيكان / الرياض .



[1] جريدة ليموند الفرنسية ، 6/12/1999 م .

[2] سورة النحل : 58 .

[3] سورة الملك : 14 .

[4] سورة النحل : 97 .

[5] سورة التوبة : 71 .

[6] الموافقات : 3 / 303 .

[7] الذهبي ، ميزان الاعتدال ، تحقيق البجاوي : 4 / 406 .

[8] رواه البخاري ومسلم .

[9] سبل السلام : 2 / 72 .

[10] الندوة عقدت في طهران بتاريخ 17-19 من ذي القعدة 1415هـ .

[11] سورة النساء : 34 .

[12] سورة البقرة : 233 .

بسم الله الرحمن الرحيم

علاقة الدين بالدولة : وجهة نظر إسلامية


بحث علمي للشيخ : عبد الله بن بيه

” قال إمام الحرمين: في معنى الإمامة ووجوب نصب الأئمة وقادة الأمة:

الإمامةُ رياسةٌ تامة، وزعامةٌ عامّة، تتعلق بالخاصة والعامة، في مهمات الدين والدنيا. مهمتها حفظُ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامةُ الدعوة بالحجة والسيف، وكفُّ الخيف والحيف، والانتصافُ للمظلومين من الظالمين، واستيفاءُ الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين[2].

-العلاقة يمكن أن تتصور على ست مستويات:

المستوى الأول: اندماجٌ كاملٌ بمعنى أنَّ نظامَ الدولة يعتمد على النصوص الدينية، وتمارسه سلطةٌ مفوضة من الإله، معصومة، هذا هو مفهوم الثيوقراسية.

المستوى الثاني: نظامٌ يقوم على نصوص دينية يمارسُ السلطةَ فيه علماءُ دينٍ لكنهم ليس لهم تفويض إلهي، فهم لا يمارسون أعمالهم باسم الإله ولا نيابة عنه، ولكنهم يسعون ليكونوا أقرب ما يمكن لروح التعليمات الإلهية.

المستوى الثالث: أنْ يكون التشريعُ مستمداً من النصوص الدينية، ولكن الذين يمارسون السلطةَ فيه ليسوا علماء دين، ولا رجال دين، بل مدنيون ملوك أو قادة جيوش، تارة باسم النسب والعصبية ، وتارة عن طريق القوة والغلبة.

ملاحظة مهمة: إنهم يستمدون شرعيتهم من الدين، ويفسحون المجال لفقهاء الدين لممارسة القضاء والفتوى والتوجيه، وبالتالي تنشأ طبقة الفقهاء موازية لطبقة السلطان.

المستوى الرابع: نظام لا يكون التشريع فيه مستمداً من نصوص الدين؛ لكنه يعترف بمرجعية دينية للشعب أو للدولة، قد يستمد بعض قوانينه من الشريعة كالأحوال الشخصية مثلاً ، وفي نفس الوقت يمارس وصاية على المؤسسات الدينية كالمدارس الدينية ودور العبادة، وفي مقابل ذلك فإنه يتحمل التكاليف المادية اللازمة لتشغيل المؤسسات، ونتيجة لذلك قد يضمن ولاءَ مجموعة من رجال الدين، وقد يَسنُّ قوانين تهتم بالأخلاق أو بالشعائر ويكسب بذلك شيئاً من الشعبية إنْ لم نقل شيئاً من الشرعية مثال المحافظين الجدد وبعض الدول الإسلامية.

المستوى الخامس: دولةٌ تطبق نظاماً مدنياً كاملاً، وتجعل الدين شأناً خاصاً لا علاقة له بالمجال العام ولكنها لا تعارضه: “دولة علمانية”.

المستوى السادس: دولةٌ لا دينية وتناصب الدين العداء؛ بحيث تتدخل في الشئون الدينية تحجيماً وتقليصاً، وقد كان لهذا دعاةٌ في أوربا في وقت من الأوقات ومثاله الدول الشيوعية وتركيا الكمالية.

هذه هي المستويات في التعامل والتفاعل التاريخي بين الدين والدولة، وهو أمرٌ لا يزال له نوع من الوجود في العالم المعاصر، ولا يزال موضوع نقاش في كثير من الأوساط الثقافية في العالم الإسلامي وخارجه في الجانبين العملي والنظري مع بروز التيارات الإحيائية إلى جانب التيارات العلمانية المغالية.

يمكن أنْ نقول إنَّ الدولةَ في الإسلام ليست دولة دينية بالمعنى التيوكراسية المفهومة في الغرب وبخاصة بعد انتقاله عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى، أما في زمن النبي الخاتم فلقد كان يمكن وصفها بذلك؛ لأنه ناطق بالوحي متصرف بإذن الله تعالى مهما يكن من تفسير لتصرفاته.

وإنْ كان البعضُ يراها دولةً مدنيةً أو دولةَ مواطنين فإني شخصياً لا أتصور دولةً مدنيةً بالمعنى الغربي يُديرها نبيُّ مرسلٌ ، إنها دولةٌ دينيةٌ.

أما بعد زمنه فليست كذلك بل إنها دولة يحكمها علماء دين في زمن الخلفاء وهذا هو المستوى الثاني الذي أشرنا إليه في العلاقة بين الدين والدولة، فهم ليسوا ناطقين باسم الإله ولا نواباً عنه يفسر ذلك قوله r آمراً لجنده: وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا “.

لتتمة البحث ( هـــــــــــــنـــــــــــا )

العودة لمصر والذئاب الثلاثة

حينما عدت إلى مصر من الولايات المتحدة عام 1969 بعد حصولي على الدكتوراه ، كنت ممتلئاً ثقة بمقدرة الإنسان على تغيير واقعه وإقامة العدل في الأرض . كما كان عندي مشروعي الواضح : أن أصبح ناقداً أديباً يربط الأدب بتاريخ الفكر وتاريخ الفكر بالتطور الاقتصادي في المجتمع ، ويحاول أن يحل معضلة علاقة البناء التحتي ( الاقتصادي ) بالبناء الفوقي ( الفكري والأيديولوجي ) ، وأن يحاول الإجابة عن السؤال التالي : كيف تعبِر الأفكار في خصوصيتها وتركيبتها وذاتيتها عن البناء التحتي في عموميته المادية و وجوده الموضوعي ، وكيف يمكن أن نقفز من الواحد إلى الآخر ؟ ( وهي إشكالية مرتبطة تمام الارتباط بالنماذج كأداة تحليلية وبإشكالية علاقة الإنسان بالمادة ) . وقد عبَّر جان بول سارتر Jean Paul Sartre عن القضية نفسها بطريقة أبسط وأكثر مباشرة حين قال : إذا كان بول فاليري Paul Valerie بورجوازياً صغيراً ، فلم لم يصبح كل البورجوازيين الصغار بول فاليري ؟ فمشروعي الأدبي كان مشروعاً فكرياً بالدرجة الأولى . ( ولذا فالتحول من دراسة الأدب إلى دراسة الصهيونية – كما سأبين لاحقاً – لم يكن تحولاً جذرياً كما قد يتراءى للبعض ، إذ إنني حين بدأت في دراسة الصهيونية حملت معي إشكالياتي النظرية والمنهجية ، والموضوعات الأساسية في فكري مثل نهاية التاريخ وفكرة الخصوصية ) .

وعند عودتي إلى مصر ، حاولت قدر استطاعتي أن أندمج في المجتمع ، أي أن أعود له بالمعنى الأخلاقي والحضاري ، لا بالمعنى المادي وحسب . فكنت أحاول تحاشي الحديث باللغة الإنجليزية قدر استطاعتي خارج منزلي ( أما في المنزل ، فكنا نحاول التحدث بالانجليزية حتى لا تتحول إلى لغة ميتة وحتى أحتفظ بلياقتي اللغوية كأستاذ للأدب الإنجليزي ) . وكنت أدخن البايب ، فقرر استبعاده من حياتي ( أما السيجار فأنا لا أدخنه إلا نادراً ، ولذا فهو لا يشكل مشكلة أو أدخنه في شرفتي مع زوجتي أو مع من أحب ) . وكنت أحب ارتداء الشورت في الصيف ، ولكنني أردت أن أعرف استجابة المجتمع لهذه العادة ، فبست الشورت يوماً وسرت في السوق ، وطلبت من أحد العاملين في منزلي أن يسير على مقربة مني ، ويخبرني بانطباعات الناس ، أي أنني قمت ” بدراسة ميدانية على الطبيعة لاستجابة المصريين العاديين للشورت ” ، كنت أنا فيها الملاحِظ والملاحَظ . وحسب تقريره لم تكن الانطباعات إيجابية ، ولذا قررت ألا ألبس الشورت إلا في منزلي .

ولكن التكيف مع المجتمع على هذا المستوى كان من أسهل الأمور ، إذ كان هناك معرفة أخرى دارت في داخلي ، فقد هاجمتني ثلاثة ذئاب شرسة ( هكذا أسميها ) ظلت تنهشني بعض الوقت : ذئب الثروة وذئب الشهرة والذئب الهيجلي المعلوماتي . أما الذئب الأول فهو ذئب براني تماماً ، وهو ذئب الثروة الذي يعبَّر عن نفسه في الرغبة العارمة في أن أكون ثرياً . فقد أتيت من عائلة تجارية ، مصدر الشرعية فيها هو الثروة ، ومن هنا إن لم يحققها المرء ، انتابته المخاوف واهتزت ثقته بنفسه . ولكن كان من السهل علي أن أتغلب على هذا الذئب ، وأن أقرر أن مشروعي لمستقبلي ربما لا يأتي بالثروة ولكنه سيأتي بالحكمة ، وأن أسلوب حياتي بما فيه من آفاق ثقافية واسعة وعلاقات إنسانية دافئة أفضل بكثير من حياة التراكم الرأسمالي بما فيها من أحادية وتنافس ( ولعل هذا جزء من ميراث أمي ومجتمع دمنهور التراحمي ) .

ومما ساعدني على اتخاذ قراري أنني لاحظت أن أبناء الأسرة حينما كانوا يحضرون إلى منزلنا كانوا يرفضون العودة إلى منازلهم ، إذ كانوا يسعدون كثيراً بأسلوب حياتنا . فقد كنا نأخذهم إلى الحدائق القليلة المتبقية في القاهرة ( حديثة الأورمان – حديقة الأندلس – القناطر الخيرية ) ونذهب إلى المتاحف المختلفة ( متحف السكة الحديد – متحف البريد – متحف العربات الملكية – متحف في أرض المعارض [ أرض الأوبرا الآن ] أظنه متحف الحضارة المصرية ومحلق به قبة سماوية – المتحف الزراعي – المتحف الإسلامي – الأنتكخانة – المتحف القبطي – متحف الفن الحديث ) . كما كنا نزور آثار القاهرة الكثيرة الإسلامية والفرعونية والقبطية ، غير الرحلات الشراعية في النيل . فأسلوب حياتنا كان يشعرهم بالامتلاء ، ويشعرني في الوقت ذاته بأن ذئب الثروة لا يمكنه أن يمنحني كل هذه الأشياء . وقد ذكرني هذا بواقعة حدثت لأستاذي في الولايات المتحدة ، فقد كتب سيناريو لفيلم ( قال لي إنه أساساً عني ) وذهب لهوليود لتسويقه ، وقد بدأ في تحقيق بعض النجاح . وفي أحد الأيام كان في منزل أحد كبار المخرجين في حفلة كوكتيل ليقابل أحد وكلاء الفنانين ليعرض عليه فيلمه . وفي أثناء الحديث اكتشف أستاذي أن هذا الوكيل لم يكن قد سمع قط عن أرسطو ، ففزع أستاذي ، وأنهى زيارته لأنه كما قال : ” لم يتخيل أنه سيقضي بقية حياته مع بشر من هذا النوع ” . هذه القصة ترسخت في وجداني وساعدتني على هزيمة ذئب الثروة . وأصبح هدفي هو أن أحقق ذاتي حسب الشروط التي تمليها رؤيتي لذاتي ، وأن أحصل من المال ما يكفي لأن يحقق لي شيئاً من التحرر من تفاصيل حياتي اليومية ولأن أمول حياتي الفكرية وأنجز مشروعي المعرفي . ولذا أردد دائماً أن المال يشكل عبئاً على البعض ، يفنون حياتهم في جمعه ، أما بالنسبة لي فالمال حرية .

وقد نجحت إلى حدٍ كبير في توظيف المال بدلاً من أن يوظفني . فلم أضطر قد إلى أن أقوم بعمل يتناقض مع مشروعي الفكري أو يعوقه ، ولم أعمل إلا في وظائف أقوم بتوظيفها لخدمته . فكنت أقوم بإلقاء محاضراتي في كلية البنات ولم أزد ( إلا محاضرتين إضافيتين أو أربعاً كنت أقبل تدريسها منتدباً في كلية الآداب حتى أخرج من نطاق كلية البنات ) . وقد نجحت في أن تكون هذه المحاضرات جزءاً من حواري الفلسفي مع نفسي ، أي جزءاً من مشروعي المعرفي . وقد اخترت محل إقامتي عبر الشارع من كلية البنات بحيث لا أضيع أي وقت في الانتقال ، ولم أشغل قط أي منصب إداري من أي نوع طيلة حياتي ، فلم أعمل رئيساً للجنة أو لقسم أو وكيلاً أو عميداً لكلية . وقد عملت مستشاراً ثقافياً للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة في نيويورك ، ولكن وظيفتي مرة أخرى أصبحت مجرد إطار لتحقيق مشروعي المعرفي ( بداية تحديث موسوعة 1975 ) وحينما عرض عليّ أن أعمل في هيئة الأمم المتحدة براتب ضخم ، آثرت البقاء في وظيفتي والتضحية بالراتب الضخم لأن الوظيفة الجديدة كانت ستستوعب كل وقتي ، كما أنها كانت تتعارض كلية مع مشروعي الفكري .

هذا لا يعني أنني لم أعرف شظف العيش . فحينما ذهبنا إلى الولايات المتحدة عام 1963 اضطررنا – كما أسلفت – إلى أن نعيش أنا وزوجتي في فندق رخيص قذر . وفي الشتاء اضطررنا إلى شراء معاطف مستعملة لاتقاء برد نيويورك ، فلم يكن معنا ثمن المعاطف الجديدة . وحينما انتقلنا إلى جامعة رتجرز كنا نضطر للسير مسافات طويلة في البرد القارس ، بل في الثلج ، للوصول إلى الأتوبيس ( فلم يكن معنا ثمن السيارة ) . وقد اضطرت زوجتي أن تعمل لتقدم لنا بعض العون المالي . كما اضطرت إلى أن تعود من المستشفى بعد أن وضعت نور بأربعة أيام في مترو الأنفاق في نيويورك ( وكان طريقة للمواصلات متوحشة في الستينيات ) . كما أنها كانت تحمل ابنتنا في المواصلات العامة وتذهب بها من نيوجرسي إلى نيويورك للتمتع بالخدمة المجانية بعد الولادة .

ولم أترفع قط عن القيام بأي عمل ، ولم أمانع على سبيل المثال في أن أعمل عضواً في فرقة مكافحة الحريق بمصنع الكابلات في نيو برونزويك . وقد استأجرنا هذا المصنع لا لمكافحة الحريق وإنما ليخبر شركة التأمين بذلك ، لتخفيض أقساط التأمين . فالعمل الذي أوكل لنا لم يكن عملاً حقيقياً ولا يستنفد أي وقت ، فقد كان يتخلص في أن نمر على المصنع كل ساعة ، ثم نكتب في كراس عبارة ” كل شيء على ما يرام ” . وكانت هذه العملية تستغرق حوالي خمس دقائق . أما بقية وقتنا فكنا نقضيه في القراءة والكتابة يومي السبت والأحد ، حينما يكون المصنع مغلقاً ، ونربح فيه بضعة دولارات ننفقها في المتاحف والمسارح . وقد رقيت إلى أن أصبحت رئيساً للفرقة . فاستأجرت كل أصدقائي من طلبة الدكتوراه ليعملوا أعضاء فيها ، وكان من بينهم كافين رايلي بطبيعة الحال . وكان مدير المصنع يتباهى بأن فرقة مكافحة الحريق في مصنعه تتمتع بأعلى مستوى تعليمي في العالم ، وكان محقاً في تباهيه هذا .

ولم يكن الأمر يخلو من مصاعب . فمرة ألقيت محاضرة في ذكرى مالكوم إكس في الجامعة ، فنشرتها الصحف المحلية وذكرت اسمي . فاستوقفني مدير المصنع ( وكان رجلاً رجعياً من ولاية تكساس ) وسألني : ” ألست أنت الشخص الذي كان يثير القلاقل في الجامعة بالأمس ؟ ” ومثل هذه التهمة كفيلة بإقصائي من منصبي المريح المربح . فأنكرت بطبيعة الحال . فسألني عن اسمي ، فهداني الله إلى أن أخبره عن اسمي الرباعي وبمخارج الحروف العربية وبسرعة ، فاضطرب الرجل وفقد اتزانه ، وقال إنه لابد أن يكون شخصاً آخر .

ومما ساعد على ترويض ذئب الثروة بل تدجينه تماماً ، أن زوجتي لحسن الظن ، لم تراودها أحلام الثروة ولم تعان من أي نزعات استهلاكية . ( من الأمور المضحكة ، أنها مصابة بحساسية من نوع فريد ، إذ يصفر وجهها وتعطس حينما تمكث مدة طويلة داخل أحد المحلات ، وهي حساسية يحسدني عليها كثير من الأزواج المصريين . واقترح على أحدهم أن أقرضه الفايروس العظيم الذي يتسبب في هذه الحساسية المباركة ) . اكتشفنا ، على سبيل المثال ، حينما انتهيت من الموسوعة أننا لم نتناقش قط فيما كنت أدفعه من تكاليف . كما أنني حين قررت الاستقالة من الجامعة لإتمام الموسوعة ، وافقت على قراري بعد مناقشة دامت خمس دقائق ، برغم ما كان يعنيه ذلك من أن الأسرة ستصبح دون دخل ثابت . وبعد حرب الخليج حينما أصبح من ” حقي ” العودة لوظيفتي ( باعتبار أنني كنت أعمل في الخليج ) ناقشنا الأمر لبضع دقائق أخرى ووجدت أنه لابد من الاستمرار في التفرغ لأنهي الموسوعة ( وأسمي هذا ضرباً من الجنون المقدس الذي أصابني وأصاب زوجتي ، ولولاه ما انتهيت من الموسوعة ) . ولم يكن من الصعب أن تقنع زوجتي طفلينا برؤيتها غير الاستهلاكية . ولعل تحييد النقود بهذه الطريقة قد جعلني أتفرغ ذهنياً للبحث والتأمل ، إذ لم أعد مشغولاً بأمور الدنيا مباشرة .

وقد هزمت ذئب الثروة تماماً إلى درجة أن ” حمل ” الإحساس بالذنب من الثروة قد أمسك بتلابيبي بعض الوقت . فبرغم حدودي المالية ، فإنني أشعر بالذنب من أجل أصدقائي الذين دخلوا طاحونة المحاضرات الإضافية لتحسين دخلهم . وكان الإحساس بالذنب قوياً إلى درجة أنني لم أتمكن من أن أخط حرفاً واحداً لمدة عام تقريباً . ولم يشفني من هذا ” الحمل ” إلا اكتشافي أن هناك من أقراني من هم أكثر مني ثروة ، ومع هذا يتكالبون على المال بشكل مقزز ولا يخطون حرفاً . حينئذ اكتشفت أن التأليف والثروة أمران منفصلان ، وأن الثروة قد تكون عنصراً مهماً ولكنه لا يؤدي بالضرورة إلى التأليف . وعلى كل ظل حمل العداء للثروة معي بعض الوقت ، وكنت أمول كل أعمالي الفكرية تقريباً ، والعائد المالي لمثل هذه الأعمال ، كما هو معروف ، ضئيل للغاية . وكما قال أحد الناشرين لصديق أفنى عمره في إعداد موسوعة عن الموسيقى ، قال له وهو يعرض عليه ألف جنيه لا أكثر ولا أقل : ” لكم المجد ولنا الثروة ” !

أما الذئب الثاني ، فهو أقل بَرَّانية ومادية ، وهو ذئب الشهرة الذي يعبِّر عن نفسه في الرغبة العارمة في أن أصبح من المشاهير . وحينما عدت للمرة الأولى من الولايات المتحدة الأمريكية لم أواجه ذئب الشهرة ، إذ إنني وجدت نفسي أكتب في الأهرام وأتحدث في الإذاعة والتلفزيون ومسئولاً عن وحدة الفكر الصهيوني في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية . وأصبحت أحد كتَّاب الأهرام المنتظمين ، وكل ما كنت أكتبه كان يجد طريقه للنشر في إحدى المجلات ، وكلما شُكلت لجنة ما ( مثل لجنة إصلاح تدريس اللغة الإنجليزية ، على سبيل المثال ، أو حتى إصلاح العالم ) ، كنت أجد نفسي عضواً فيها ؛ وإذا عُقد مؤتمر لمناقشة الكتب الدراسية في الأرض المحتلة أو لأي موضوع آخر ، كنت أُدعى له . ولذا كان عليّ ، في كثير من الأحيان ، أن أرفض التعيين في بعض هذه اللجان أو الذهاب لبعض هذه المؤتمرات ( إن كانت لا تصب في مشروعي المعرفي ) . ولذا فذئب الشهرة داخلي كان منتشياً ، نائماً سكران من النشوة .

ولكنه استيقظ وبكل ضراوة عام 1979 حينما عدت للمرة الثانية من الولايات المتحدة الأمريكية . وكان جو التطبيع سائداً في القاهرة ، وبطبيعة الحال لم أسترد مكاني في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية في الأهرام ( وكما قال لي مدير المركز آنذاك إن عودتي له تعني القيام بالهارا كيري [ أي الانتحار على الطريقة اليابانية ] . فكان ردي عليه أن الحياة حسب الشروط المهينة التي قد يضعها الآخرون ليست أمراً عظيماً على أي حال ، وقد يكون الانتحار هو أحسن اختيار . والانتحار في هذه الحالة ليس انتحاراً وإنما استشهاد في سبيل رسالة ) . وبطبيعة الحال لم أُدع للحديث في الإذاعة والتلفزيون ، وبدأ بعض المذيعين ، ممن كنت ضيفاً دائماً على برامجهم ، يخافون حتى من الحديث معي . بل إنني كنت أجد صعوبة بالغة في دخول مبنى الأهرام ، وكان عليّ الاتصال بمساعدتي السابقة للتوسط لي . باختصار شديد وجدت نفسي نكرة ، ومن ثم بدأ جوع ذئب الشهرة ونهمه يتزايدان . وقد أخذ رد فعلي بهذه الصدمة الحضارية شكلاً فريداً ، إذ بدأت في الاهتمام بالعمارة الداخلية لمنزلي ، وبدأ في اقتناء الأشياء القديمة ، إلى درجة الهوس . ثم دارت المعركة بيني وبين هذا الذئب . فجلست مع نفسي لأكتشف أنني أحب الشهرة نعم ، ولكن رغبتي في الشهرة نابعة من رغبتي في حماية نفسي حتى يمكنني الانتهاء من مشروعاتي المعرفية . والمشاهير ، كما كنت أظن واهماً آنذاك ، لا يمكن أن يزج بهم في السجن ببساطة . كما أن الشهرة ستكون وسيلة ناجعة لإشاعة وتوصيل ما عندي من أفكار أعتقد أن لها قيمة ما . ولذا إن حاولت أن أشبع ذئب الشهرة داخلي حسب الشروط التي يفرضها العالم الخارجي ، فأكون كمن كسب المعركة وفَقَد الحرب . و ويل للمرء الذي يربح كل شيء ويخسر نفسه . حينئذ أخبرت ذئب الشهرة داخلي أنني لا أمانع في الشهرة حسب شروطي ، تماماً كما أنني أحب الثروة بمقدار ما تخدمني . وهكذا صرعت ذئب الشهرة داخلي ، وقبلت أن أعيش بعيداً عن الأضواء ، خاصة حين بدأت في كتابة الموسوعة بما كانت تتطلبه من عزلة شبه كاملة أحياناً .

بقي بعد ذلك أهم الذئاب وأكثرها خطورة و ضراوة وجوانية ، وهو الذئب الهيجلي المعلوماتي ، وهو ذئب خاص جداً ، جواني لأقصى درجة ، يعبِر عن نفسه في الرغبة العارمة في أن أكتب كتاباً نظرياً ، إطاره النظري واسع وشامل للغاية ولكنه في الوقت نفسه يتعامل مع أكبر قدر ممكن من المعلومات والتفاصيل ، إن لم يكن كلها . أي أنني كنت أمع في كتابة عمل يصل إلى أعلى مستويات التعميم والتجريد والشمول ، وفي الوقت نفسه تصل إلى أقصى درجات التخصيص والدقة . وهذه صيغة مستحيلة لأنه إن اتسعت الرؤية ضاقت العبارة ، فما بالك برؤية بانورامية متسعة في غاية الاتساع وتفاصيل دقيقة في غاية الدقة . ويبدو أن هذا الذئب الهيجلي المعلوماتي كان يطاردني منذ طفولتي ، فقد كنت أنوي أن أحصر كل ما تبقى من كتب لم أقرأها في مكتبة البلدية بدمنهور ( بحُسبان أنها تحوي كل المعرفة الإنسانية ) حتى يمكنني أن أعرف كل ما خطته يد البشرية ! وأذكر في شبابي أنني بدأت في كتابة تاريخ الشعر الإنجليزي منذ البداية حتى النهاية من منظور ماركسي . أقول ” بدأت ” لأنني لم أنته منه قط ، بل لم أجاوز الصفحة الثالثة ! وقد أصبت بصدمة عميقة ، في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب في جامعة الإسكندرية ، حين عرفت أن أحد أساتذتي لم يكن قد قرأ الأعمال الكاملة لشكسبير ! وحين بدأت كتابة رسالتي للماجستير مع الدكتور محمد مصطفى بدوي عن أثر الشعر الرومانتيكي الإنجليزي وبودلير على جماعة أو للو وبخاصة إبراهيم ناجي ، ظهرت نزعتي الهيجلية المعلوماتية بشراسة ، فكنت أريد أن أقرأ كل شيء كمقدمة لكتابة الماجستير . فقرأت المعلقات وكثيراً من عيون الشعر العربي ، وبخاصة شعر المتنبي ، وكتبت دراسة عن الانقطاع في الشعر العربي . ثم قرأت كثيراً من الأعمال النقدية للعقاد والمازني وطه حسين وإبراهيم المصري ، وكتبت دراسة مطولة في الموضوع ، وقرأت بعض عيون التراث آنذاك . وبدأت في كتابة دراسة في شعر خليل مطران ، وأنهيت دراسة عن ترجمة ناجي لديوان أزهار الشر لبودلير وأثرها عليه . كما كتبت الدراسة التي قدمتها لبروفسير إيان جاك عن ” الانتقال من الكلاسيكية الجديدة إلى الرومانسية ” . وكان الدكتور بدوي يتركني أكتب ما أريد ، ولم ينقذني مؤقتاً من براثن الذئب سوى ذهابي إلى الولايات المتحدة .

وقد صرع هذا الذئب مجموعة من أعز أصدقائي أمام ناظري ، مات بعضهم دون أن ينبس ببنت شفة ، رغبةً منه في أن يحقق هذه الصيغة المستحيلة : عمل نظري شامل مجرد ينتظم كل المعلومات الممكنة . ولعل صديقي الأستاذ علي زيد – رحمه الله – مثل فريد على ذلك . كان – رحمه الله – يعرف كل شيء تقريباً ، ولا يعرفه كمعلومة ، وإنما في إطار نظري شامل كان يزداد اتساعاً على مر الأيام . كما أنه كان يعرف الكثير من اللغات الأوربية ( الإنجليزية – الفرنسية – الإسبانية – الإيطالية ) وكان تملكه لناصية اللغة العربية شيئاً مذهلاً . كنت كلما أطلب منه كتابة مقالة يجلس ليتحدث عن موضوعها ساعات طوالاً ، ويأتي بأطروحات مذهلة . ثم يذهب لكتابة المقال ، فيأتي بعشرات الكتب ويبدأ في البحث وتتسع الرؤى إلى ما لا نهاية ، فيلتهمه الذئب . وهذه إشكالية لا يواجهها متوسطو الذكاء ، فبعضهم يحشد التعميمات التي لا يربطها رابط ( أسميهاً ” أفكاراً ” في مقابل الفكر ) ، والبعض الآخر يحشد المعلومات التي لا يربطها رابط أيضاً . وأمثال هؤلاء يخطون بضعة كتب ( ” ويرص كلاماً فوق كلام تحت كلام ” على رأي صلاح عبد الصبور ) تُنشر مع مئات الكتب الأخرى التي تصدر ويقرؤها البعض ثم تموت . وهم يعيشون حياتهم في سعادة بالغة ورضا تام ! لكن أن يحاول المرء الجمع بين أعلى مستوى التعميمات وأدنى مستويات التخصيص فهذا مستحيل ، والمصير هو الفشل النبيل والصمت الدائم .

استمر الذئب الهيجلي المعلوماتي متربصاً بي ، وإن كان والحق يقال قد تم ترويضه قليلاً في الولايات المتحدة حيث كان علي أن أكتب أبحاثاً قصيرة لمقررات الدراسة العليا تقدم في نهاية كل فصل دراسي ، تعلمت من خلالها أنني لابد أن أكبح جماح ذاتي وإلا لما انتهيت من شيء . كما أن أستاذي المشرف على رسالة الدكتوراه كان لا يسمح لي بالانطلاق في أي اتجاه . فبعد أن كتبت دراسة مطولة عن وردزورث وويتمان وأصولهما التاريخية والدينية والفكرية ، أخبرني أن هذه ” الخلفية ” لا علاقة لها بالرسالة ذاتها ، وأنني بوسعي أن أقرأ ما يحلو لي بخصوص ” الخلفية ” ، طالما أن ما أقرأ له علاقة بموضوعي الأساسي ( الوجدان التاريخي و الوجدان المعادي للتاريخ ) ، ولكن على ألا أكتب سوى النزر اليسير عن هذه الخلفية ، لأنها ليست موضوع اختصاصي . كما أنني لاحظت أنني لو قرأت كل ما كتب عن موضوع تخصصي ( من مقالات ورسائل دكتوراه وكتب ) لقضيت سحابة أيامي أقرأ وأستوعب وأقرأ دون أن أنتج شيئاً .

ويظهر ترويض الذئب الهيجلي المعلوماتي في النصيحة التي أسديتها لصديقي كافين رايلي . فقد كان يكتب كتابه الغرب والعالم ، والذي استغرق معظم حياته الفكرية ، وكان لا يكف عن الإضافة والتعديل ولا يجرؤ على نشره . فأخبرته : ” كافين ، يحين وقت في حياة الإنسان ، يكون الكتاب الوحيد الذي يستحق القراءة هو الكتاب الذي يؤلفه ” . وهي عبارة تهدف إلى أن أبين له أن المعرفة لا حدود لها وأن المعلومات بحر يمكن أن يبتلع المرء ، ومن هنا يجب أن يتوقف المرء عند نقطة ما . وقد كان ، إذ توقف كافين ونشر كتابه ، وحقق نجاحاً كبيراً وذيوعاً منقطع النظير .

وفي هذه الآونة ، قرأت قصة قصيرة لكاتب أمريكي ( اسمه ألان سيجر Allan Seager ) بعنوان ” عن هذه المدينة وسلامنكا This Town and Salamanca ” وتدور أحداث القصة حول رهط من الشباب ينشئون في نفس المدينة ، ولكن أحدهم كان بوهيميّا ، لا يتردد في الانتقال من بلده إلى مدن وموانئ بعيدة ( سلامنكا هنا هي رمز هذا العالم البعيد الذي يرتاده صاحبنا ) . وكان صاحبنا يعود من آونة لأخرى ليقص على رفاقه قصص المغامرات المختلفة التي خاضها . أما هم فيبقون في مدينتهم ليعلموا أبناءها وليبنوا بيوتاً وجسوراً . وتدعونا القصة للإعجاب بالبطل البوهيمي ، ولكن تعاطفنا الحقيقي يتوجه لهؤلاء الذين بقوا وعلموا وبنوا . وقد تعلمت من هذه القصة أن التحليق البانورامي ليس دائماً صفة إيجابية ، وأنه يمكن أن يقنع المرء بالقليل وينجزه . ولذا حين عدت من الولايات المتحدة كان عندي ثلاث متتاليات : أن أكون ناقداً أديباً جامعياً وأباً وزوجاً متميزاً ، فإن أخفقت فلأكن أستاذاً جامعياً وأباً وزوجاً متميزاً ، فإن أخفقت فلأكن أباً وزوجاً متميزاً . وغني عن القول أن متتالية حياتي كانت مختلفة عن ” خطتي ” ( فلم أصبح ناقداً أديباً ولم أستمر في التدريس في الجامعة ، ولا أدري هل كنت أباً وزوجاً متميزاً أم لا ، ولأترك الحكم لأولادي وزوجتي ) . ولكن المهم أنني روضت الذئب الهيجلي ، والنزعة النيتشوية الفاوستية : أن أجوب كل الآفاق وأن أجر كل التجارب وأن أجاوز كل الحدود ، وبدلاً من ذلك ، قبلت الحدود الإنسانية واحتمالات الانتصار والانكسار .

وبرغم إدراكي لمخاطر الذئب الهيجلي ، وبرغم نجاحي في ترويضه ( ومن هنا نجحت في نشر بعض الكتب التي لا تحتوي على دراسات ” شاملة كاملة ضخمة ” … إلخ ) ، فإنه ظل رابضاً داخلي ، فكنت كلما انتهيت من إحدى دراساتي عن الصهيونية ، أعلن أن هذه آخر دراسة ، أملاً في أن أبدأ دراستي النظرية الشاملة والتطبيقية في ذات الوقت . ومع هذا ظلت الصهيونية ( كموضوع للدراسة ) تلاحقني ، وكلما انتهيت من كتابة دراسة ما عن الصهيونية كنت أجد نفسي مضطراً لكتابة الثانية ثم الثالثة وهكذا ( كنت أشعر أحياناً أن من يدفعني إلى ذلك هو الله سبحانه وتعالى ، وأن هذه مشيئته ) . وقد قررت عام 1984 أن أذبح الذئب الهيجلي المعلوماتي تماماً ، فقبلت الاستمرار في الكتابة في حقل الصهيونية وحسب ، أي أنني تخليت عن المشروع النظري التطبيقي الطموح . والطريف أنني حينما فعلت ذلك ، تداخلت كل الأطروحات الأيديولوجية والفلسفية ( وهي على كلٍّ كانت متداخلة منذ البداية ) وتبلورت النماذج التحليلية ، وبدأت أحاول الإجابة عن التساؤلات التي تطرح نفسها عليّ من خلال دراساتي في اليهودية واليهود والصهيونية التي تحولت تدريجياً من الموضوع الأساسي للموسوعة إلى مجرد ” دراسة حالة ” ، أي أنني أتصور أنني كتبت دراسة تتسم بقدر معقول من التجريد والشمول ومن التعيُّن والتخصيص ، وأن الحلم الهيجلي ( أو بعض جوانبه ) قد تحقق دون أن ينهشني الذئب . ولهذا فمعظم كتبي القادمة – بإذن الله – ستكون عن موضوعات نظرية عامة مثل العلمانية الشاملة والحلولية وما بعد الحداثة ، وتتعامل في الوقت ذاته مع نصوص وحالات معينة .

ومع هذا ، لاشك في أن هناك بقايا ” هيجلية ” تتبدى في إعجابي الشديد بالفلسفة الألمانية ومقولاتها التحليلية . كما يتبدى في كثير من مقولاتي التحليلية مثل نهاية التاريخ والفردوس الأرضي والثالوث الحلولي واهتمامي بالبعد المعرفي الكلي والنهائي للظواهر . واهتمامي بالصهيونية لم يكن قط سياسياً بل أتناولها من خلال مقولات مثل : إشكالية الإنسان وعلاقته بالطبيعة والتاريخ – الغنوصية – الواحدية المادية – الأسطورة المنفصلة عن التاريخ – الداروينية – العلم المنفصل عن القيمة والغاية … إلخ . ولكن هذه المقولات التحليلية الكبرى ليست مجرد مقولات نظرية ساكنة عامة ، وإنما لها تجلياتها المتعينة في تفاصيل التاريخ والواقع الكثيرة . ومن هنا قولي إنها مجرد ” بقايا هيجلية ” لأنني أرفض الواحدية الهيجلية ، أرفض كلاً من المثالية الخالصة والمادية الخالصة ، فكلاهما بمفرده واحدي اختزالي ولكن حينما يتقاطعان فإننا ندخل عالماً مركبة أبعاده ، عالم الإنسان والأسرار .

ك : رحلتي الفكرية

لـ عبد الوهاب المسيري – رحمه الله –

ص 166- 176 .

” .

استضافه المذيع البريطاني اللامع تيم سباستيان في برنامجه الشهير ” هاردت توك ” Hard Talk في حوار ساخن بثته قناة BBC في 27 فبراير 2002 . وسباستيان مذيع محترف وعنيد من الطراز الاول ، وقد فاز بجائزة أفضل مذيع تلفزيوني في بريطانيا عامي 2001 و 2002 . كما أنه محاور شرس ويتفوق كثيرا على نظرائه الأمريكان مثل سام دونالدسون وتيم روسرت وكريس ماثيوز ولاري كينغ ، فهو يتميز بالاستعداد الممتاز وسرعة البديهة والمباغتة في طرح الأسئلة . ولكن في هه الحلقة انقلب الوضع ! حيث استطاع تشومسكي بقوة منطقه وحججه الدامغة – على الرغم من مقاطعات سباستيان المتكررة – أن يسيطر تماماً على هذا الحوار المثير ويحرج محاوره كثيراً ، بل إنه جعله يعترف ” ضمنياً ” بإزدواجية الولايات المتحدة وبريطانيا وعدم قانونية أفعالهما .

الحقيقة التي لا جدال فيها هي أن تشومسكي قدَّم في هذه المواجهة محاضرة في فلسفة الأخلاق ، حيث رفض – بقوة وحزم – نسبية القيم الأخلاقية الجائرة المعمول بها دولياً ( والتي أصبحت سائدة كالعرف ! ) ، وخاصة فيما يتعلق بالعدالة .

وعلى الرغم من مضي بضع سنوات على هذا الحوار / المناظرة إلا أن التحليل الفلسفي العميق والمنطق العلمي الصارم ، اللذين استخدمهما تشومسكي فيه ، صالحان لكل عصر يوجد فيه أناس يقدمون ذرائع تدافع عن غطرسة قوة دولية كبرى تتلاعب بالقانون الدولي كيف شاءت ، وتستهين بحقوق الإنسان كلَّ استهانة .

إن الاستماع إلى تشومسكي وهو ” يتحدث ” متعة عقلية لا تكاد تعادلها أية متعة ؛ لأنه – باختصار شديد – يقول الحقيقة الكاملة . نعم … إنه ينشِّط خلايا العقول الصدئة ويجعلها تفكر في زمن أصبح التفكير فيه مقصوراً على ” الأخ الأكبر ” فقط الحريص على تجنيب ” الشعوب السعيدة ” في كل مكان مشقة التفكير في مصائرها … ويالها من مشقة !

وأود أن ألفت نظر القارئ إلى ملاحظتين حول هذا الحوار :

أولاً : تشومسكي صاحب أسلوب شديد السخرية في حديثه ، ويستعمل أحياناً كلمات معينة للتعبير عن تهكمه ( مثل : حقاً ، جميل ، حسناً ، عفواً ) ، ولذلك قمت باستخدام علامات تعجب للتدليل على ذلك في الأماكن المناسبة .

ثانياً : يدور معظم الحوار حول كتاب تشومسكي ” 11-9 ” ، أي ” 11 سبتمبر ” ، الذي صدر في نوفمبر 2001 عن دار سفن ستوريز الأمريكية ، والذي طُبع ، حتى عام 2002 فقط ، في عشرين دولة .

هارد توك

( في منظر خارجي على ضفاف نهر تشارلز مقابل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في مدينة كامبريدج .

تيم سباستيان يقول : ضيفي اليوم هو أهم مفكر أمريكي . يعتبره البعض مفكراً حراً ، ويعتبره البعض الآخر منشقاً راديكالياً ! لماذا رفض ضرب أمريكا لأفغانستان ؟ ولماذا يشارك ابن لادن وجهة النظر بخصوص الجرائم التي ارتكبتها أمريكا ؟

ينتقل المنظر إلى مكتب نعوم تشومسكي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا )

سباستيان : نعوم تشومسكي … تحية حارة جداً لمشاركتك في البرنامج .

تشومسكي : أنا سعيد بوجودي هنا .

سباستيان : لماذا تظن أنه كان غير قانوني للولايات المتحدة أن تدافع عن نفسها ضد مهاجم أجنبي ؟

تشومسكي : الدفاع عن النفس ليس غير قانوني ، ولكن من غير القانوني شن عمليات انتقامية و … [ مقاطعة ]

سباستيان : ولكنه – مع ذلك – كان دفاعاً عن النفس ضد تنظيم القاعدة .

تشومسكي : حسناً ! أولاً : لم يكن قد تم تعيين تنظيم القاعدة مصدراً للهجمات آنذاك . ثانياً : القانون الدولي لا يسمح بذلك … لا يسمح بأعمال انتقامية . الأمر واضح جداً في الحقيقة … الميثاق الخاص بالأمم المتحدة ، الذي هو أساس القانون الدولي ، يسمح باستعمال القوة العسكرية عندما يكون هناك تفويض محدد من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة … وهذا لم يحدث ! أو كما في المادة 51 [ من ميثاق الأمم المتحدة ] في حالة الدفاع عن النفس بمواجهة هجوم مسلح حتى يقوم مجلس الأمن بإصدار قرار … [ مقاطعة ]

سباستيان : ولكن ما الفارق بين الدفاع عن النفس وبين الانتقام إذا كنت تتوقع حدوث هجوم آخر ؟

تشومسكي : إذا أردت أن تنفذ المادة 51 مثلاً : إذا هُوجمت الولايات المتحدة ، فيمكنها الدفاع عن نفسها ، ويجب أن تبلغ مجلس الأمن فوراً ، وتطلب منه إصدار قرار ، وتواصل الدفاع عن نفسها حتى يصدر مجلس الأمن قراره … [ مقاطعة ]

سباستيان : إنها هوجمت !

تشومسكي : إنها لم تتصل بمجلس الأمن ! السبب هو … لاحظ أن هذا لا ينطبق على الانتقام ضد الهجوم … ولذلك على سبيل المثال عندما تهاجم الولايات المتحدة نيكاراجوا … فإن نيكاراجوا ليست مخولة أن تقصف واشنطن و … [ مقاطعة ] .

سباستيان : لو كان الروس هم الذين أرسلوا صاروخين إلى نيويورك بدلاً من القاعدة وطالبان فهل يمكن للولايات المتحدة الانتقام ؟!

تشومسكي : يمكن الانتقام

سباستيان : ما الفرق ؟

تشومسكي : لأنك عرفت أن الصاروخين أرسلا من روسيا ! و … [ مقاطعة ]

سباستيان : والولايات المتحدة قالت إنها تعلم أن الهجمات قام بها القاعدة وطالبان !

تشومسكي : لقد خَمّنوا ! لقد خَمّنوا !

سباستيان : ولكنه تخمين صحيح ، أليس كذلك ؟

تشومسكي : نحن لم نعرف وقتها أنه تخمين صحيح … وهذا لا يغير من الأمر شيئاً !

سباستيان : ابن لادن قال إنه فعلها !

تشومسكي : كونه قال – فيما بعد – إنه عرفه عنها … لا يعني شيئاً ، وهذا القول أيضاً غير متصل بالموضوع !

سباستيان : لقد قال : ” لقد حسبنا مقدماً عدد القتلى من العدو بناء على موقع ضرب البرجين ! ”

تشومسكي : جميل ! وهذا يعني أنه نسب الأمر إلى نفسه بعد شهور عدة . إذا نسب شخص ما عملاً ما لنفسه بعد شهور عدة ؛ فإن هذا لا يجيز الهجوم قبل تقديم الدليل ! انظر … كل هذه المناقشة غير متصلة بالموضوع . لو أرادت الولايات المتحدة أن تتقيد بالقانون الدولي ، فقد كانت هناك طريقة سهلة جداً لعمل ذلك ، وهي أن تذهب إلى مجلس الأمن ، وتحصل على قرار يجيز استعمال القوة ، وهذا ما كان بإمكانها عمله بكل تأكيد ، و … [ مقاطعة ]

سباستيان : لقد حصلت على قرار من مجلس الأمن في 12 من سبتمبر ، الذي عبر عن ” الاستعداد ” لأخذ كل الخطوات الضرورية للرد !

تشومسكي : الاستعداد ! الاستعداد ! ولكنه لم يجز استعمال القوة ! ولذلك يمكننا الاستمرار في هذه المناقشات الأكاديمية [ العقيمة ] حول تفسير المادة 51 ! والواقع أن الجواب – كما أعتقد – هو أن المادة لا تنطبق على هذه الحالة ! ولكن هذا الأمر غير متصل بالموضوع ؛ لأن من الممكن تجاوز كل هذه المناقشات واختصارها بكل سهولة بطلب الحصول على قرار واضح وغير غامض يجيز استعمال القوة . وكما يمكن أن تتخيل سهولة هذا الإجراء و وضوحه ، إلا أننا لا نريد أن نتبع القانون الدولي .. نحن نقول للعالم إننا لا نذعن إلى أية سلطة ! وهذا هو الواقع بالفعل !

سباستيان : الولايات المتحدة تعتقد أنها كانت في موقف شخص يستيقظ في منتصف الليل ويجد رجلا يحاول مهاجمته ومعه مطرقة . أنت تريد من هذا الشخص أن يتصل بالشرطة ويطلب من المجرم الذي يحمل المطرقة أن ينتظر ؟!

تشومسكي : كلا! كلا! كلا! أرجو المعذرة! ليست هذه هي الطريقة الصحيحة ! يجب أن تدافع عن نفسك ضد الرجل الذي يحمل المطرقة ، وتتصل بالشرطة ، وتطلب التدخل والحماية ، وتواصل الدفاع عن نفسك ضد الرجل الذي يحمل المطرقة . وإذا كنت تظن أنك تعرف المهاجم ؛ فيجب الحصول على الدليل ، ومن ثَم تطلب تسليم المتهم للعدالة . كل هذه الأمور رفضت تماماً أن تفعلها الولايات المتحدة وبريطانيا ؛ لأنهما يقولان للعالم بصوت عالٍ و واضح : إننا لا نذعن لأية سلطة ! ولا … [ مقاطعة ]

سباستيان : ولكن العالم لم يعترض على هذا!

تشومسكي : إذا كان رئيس المافيا في المدينة يريد التخلص من شخص ما ، فإنه لا يذهب إلى المحكمة للحصول على حُكم ! إنه يرسل بلطجيته مباشرة للقضاء على هذا الشخص ، ولا يستطيع أحد من الناس أن يعترض لأنهم يخافون !

سباستيان : ما الخطأ الفاحش الذي فعله بوش ؟! لقد تمهل ، ثم فكر ، ثم تشاور ، ثم حاول بناء إجماع دولي … ما الخطأ في هذا ؟!

تشومسكي : لقد سألتَ سؤالاً مختلفاً من قبل : هل تصرف بوش حسب حدود القانون … [ مقاطعة ]

سباستيان : كلا! كلا! ما الخطأ الذي فعله ؟

تشومسكي : هل كان من الجائز أن يتصرف بوش مخالفاً للقانون لكي يُهاجم وحسب ؟ حسناً أعتقد أنه كان على خطأ لأنه … [ مقاطعة ]

سباستيان : الهجوم للدفاع عن النفس … هذا هو تبريرهم الذي لا تقبله أنت !

تشومسكي : [ بتهكم ] ولا أنت !

سباستيان : [ يضحك ] كيف تعرف ؟

تشومسكي : [ بتهكم ] حسناً ! دعنا نختبره !

سباستيان : [ يضحك ] ليس من المهم ما أظنه أنا !

تشومسكي : دعنا نختبره ! لنأخذ قضية غير خلافية ؛ لأن هناك قرارات من المحكمة الدولية ومجلس الأمن . الولايات المتحدة هاجمت نيكاراجوا لسنوات ، ودمرت البلد عملياً ، ونتج عن ذلك عشرات الآلآف من الأشخاص و … [ مقاطعة ]

سباستيان : هذه ليست حالة مشابهة .

تشومسكي : كلا … إنها أسوأ بكثير !

سباستيان : [ بتهكم ] إذن … لماذا تتحدث عنها إذا كانت حالة غير مشابهة ؟

تشومسكي : [ بتهكم ] إنها مشابهة بالرغم أنها أسوأ كثيرا ! الآن السؤال هو : هل تعتقد أن نيكاراجوا … وهنا هجوم مسلح مستمر [ من قِبل أمريكا ] .. هل كان يحق لنيكارجوا أن تقصف واشنطن ؟

سباستيان : [ بعصبية ] ليس المهم ما أعتقده … نحن نطلب وجهة نظرك ! أعداد كافية من الناس اعتقدت أن ما حصل كان سليماً !

تشومسكي : كلا! كلا! لم يعتقد أحد أن نيكاراجوا لها الحق في أن تقصف واشنطن بما فيهم أنا ! والسبب هو أننا لا نقبل مبدأ أن الدولة ، حتى الدولة التي تتعرض لهجوم مسلح مستمر ، لها الحق بالرد الانتقامي المسلح ، ما نعتقده هو أن نيكاراجوا كان عليها الذهاب إلى السلطة الدولية المناسبة – وهي في هذه الحالة المحكمة الدولية – والحصول على حكم يأمر الولايات المتحدة بإنهاء الهجوم ، وفي حال رفضت الولايات المتحدة أمر المحكمة تذهب نيكاراجوا إلى مجلس الأمن وتطلب الحصول على قرار يجبر الولايات المتحدة للإذعان للقانون الدولي ، وعندما تمارس الولايات المتحدة حق الفيتو .. تذهب نيكارجوا إلى الجمعية العامة وتحصل على تفويض – وهذا ما فعلت – ، وعندما تُعيق الولايات المتحدة ذلك يكون قد قُضي على نيكاراجوا ! القانون الدولي مستحيل التطبيق ! لأن أمريكا لا تذعن لأية سلطة !

سباستيان : أنت قلت إنه لم يكن هناك نقاش فعلي حول خيار الالتزام بدور القانون … لماذا تقول إنه لم يكن هناك نقاش ؟ لقد كان هناك نقاش هائل !

تشومسكي : حقا ؟!

سباستيان : بواسطة جماعات حقوق الإنسان في أوروبا وأجهزة الإعلام ومنظمات كثيرة !

تشومسكي : حول مسألة تكتيكية محدودة ، مهمة ، ولكن محدودة . في البداية ، في منتصف سبتمبر ، كانت التصريحات الطنّانة تدل على أن الولايات المتحدة تخطط لهجوم عسكري ضخم ، وكانت هناك نقاشات هائلة حول هذه المسألة واعتراضات كبيرة من بعض دول حلف شمال الأطلسي و … [ مقاطعة ] .

سباستيان : هذا هو قصدي .

تشومسكي : ولكن هذا النقاش كان حول مسألة تكتيكية ! بمعنى : هل يشن هجوم ضخم … [ مقاطعة ]

سباستيان : تعني أن النقاش لم يكن حول الصواب والخطأ ؟

تشومسكي : كلا ! كـ … [ مقاطعة ] .

سباستيان : ولكن هكذا كان النقاش في أوروبا .

تشومسكي : كلا ! هذا النقاش لم يكن في أوروبا … كان هناك نقاش قليل جداً … [ مقاطعة ] .

سباستيان : [ بتهكم ] أجهزة الإعلام كانت ملية ببرامج النقاشات !

تشومسكي : عفواً ! عفواً ! النقاش لم يكن حول السؤال الآتي : هل نذهب إلى مجلس الأمن ، ونحصل على قرار واضح يجيز القيام بعمل ما ، ويحدد المجرمين غير المعروفين ، ثم الحصول على الدليل ، ثم طلب تسليمهم ، وإذا لم يتم تسليمهم ؛ تستعمل القوة للقبض عليهم ؟ لم يكن هناك أي نقاش تقريباً حول هذا الموضوع … وأنت تعرف ذلك تماماً !

سباستيان : أنا في حيرة بسبب أحد تشبيهاتك ! أنت تقول إنه عندما فَجَّر الجيش الأيرلندي الجمهوري قنابل في لندن لم تكن هناك مطالبة بقصف بلفاست الغربية ؟

تشومسكي : نعم … أو بوسطن !

سباستيان : لماذا تهاجم أية دولة نفسها ؟ لماذا تهاجم بريطانيا جزءاً من بريطانيا … جزءاً من المملكة المتحدة ؟!

تشومسكي : عفواً ! لأن بلفاست الغربية كانت المكان الذي صدرت منه أوامر التفجير … [ مقاطعة ]

سباستيان : ولكنها جزء من المملكة المتحدة !

تشومسكي : هذا لا يغير من الأمر شيئاً و … [ مقاطعة ]

سباستيان : هل هذا معقول ؟!

تشومسكي : في الواقع ، وحتى أكون واضحاً ، ما قلته هو ” لم تكن هناك مطالبة بقصف بوسطن وبلفاست الغربية ” ، والسبب هو أن بوسطن هي مصدر التمويل الرئيسي [ للجيش الجمهوري الأيرلندي ] الذي لا شكَ حوله ، وبلفاست الغربية هي المكان الذي وضعت فيه الخطط وخرج منه المهاجمون !

سباستيان : ولكنك وافقت على اعتبار 11 سبتمبر هجوماً خارجياً … الفرق هو أن الهجوم على لندن – مثلاً – أتى من داخل المملكة المتحدة ؟!

تشومسكي : جميل ! جميل ! إذا لم تعجبك حالة بلفاست الغربية دعنا نأخذ الحالة الأخرى التي ذكرتها : بوسطن … لم تكن هناك مطالبة بقصف بوسطن بالرغم من كونها مصدر التمويل !

سباستيان : لم تكن هناك مطالبة بقصف أماكن كثيرة كانت مصادر للتمويل … لم تكن هناك مطالبة بقصف العربية السعودية ، إذا قبلنا أن العربية السعودية مولت القاعدة .

تشومسكي : دعنا نفترض أن بريطانيا اكتشفت – كما حدث بالفعل – أن بعض الأشخاص من الجيش الجمهوري الأيرلندي الذين دبروا انفجارات [ لندن ] موجودون في الولايات المتحدة الأمريكية ، وطلبت تسليمهم ، ولكن الولايات المتحدة الأمريكية رفضت ! هل يحق لبريطانيا آنذاك أن تقصف الولايات المتحدة ؟

سباستيان : [ بذهول ودهشة ] أنت تعتقد … أنهم … آه … كلا … بالطبع كلا ؟! [1]

تشومسكي : [ بتهكم ] حسناً ! هذا جميل ! إذن أنت لا تعتقد أن الولايات المتحدة يجوز لها أن تقصف أفغانستان لأنها مثل حالة بريطانيا تماماً !

سباستيان : بروفسور تشومسكي … في كتابك ” 11/9″ الذي ذهب للطبع في 15 أكتوبر [ 2001 ] ، ولذلك لم يأخذ في الحسبان التطورات اللاحقة … تكلمت عن دوافع ابن لادن لما فعله ، وقلت أن هناك أسباباً وجيهة لتصديق أقواله ! لماذا تصدق أقواله ؟! أنت لا تصدق مطلقاً أقوال أي شخص !

تشومسكي : سببان : أولاً : أنا كثيراً ما أصدق أقوال الأشخاص بما في ذلك الحكومات … أنا معتاد أن أصدق الحكومات عندما … [ مقاطعة ]

سباستيان : ولكن ليس الحكومة الأمريكية !

تشومسكي : الحكومة الأمريكية على وجه التخصيص كثيراً ما أصدق أقوالها … ولذلك على سبيل المثال عندما يقول بيل كلينتون في الأمم المتحدة : إننا سوف نعمل ” جماعياً ” عندما نستطيع [ أي لا يوجد تعارض مع مصالح أمريكا ] ، وبـ ” مفردنا ” عندما نشعر أن ذلك ضروري … أنا أصدق قوله ! عندما قدمت حكومة الولايات المتحدة أسبابها الرسمية لقصف صربيا وهي الحفاظ على الاستقرار وترسيخ المصداقية … أنا أصدق أقوالها ! و … [ مقاطعة ]

سباستيان : وماذا عن ابن لادن ؟

تشومسكي : أنت تصدق أقوال الناس عندما تكون أقوالهم متسقة وأفعالهم دائماً . وبالمثل … ابن لادن .. تصريحاته متسقة دائماً ومطابقة جداً لأفعاله منذ مدة طويلة ، ولذلك … [ مقاطعة ]

سباستيان : أنت قلت إنه من المحتمل تماماً أنه كان يقول الحقيقة عندما قال إنه لم يعرف عن العملية !

تشومسكي : محتمل تماماً … الحقيقة أن هذا لا يزال حتى الآن محتملاً تماماً … [ مقاطعة ]

سباستيان : حتى بعد شريط الفيديو الذي بُثَ في ديسمبر ، وقال فيه : ” لقد حسبنا مقدَّمَّاً عدد القتلى من العدو وكان لدينا علم منذ الخميس السابق ” ؟!

تشومسكي : جميل ! أنا أعامله بمثل الطريقة التي أعامل فيها زبيغنيو بريجينسكي [2] . عندما يقول بريجينسكي ” نحن استدرجنا الروس إلى الفخ الأفغاني عندما ساندنا المجاهدين [ الأفغان ] “ . وهذا إنجاز عظيم [ يتهكم ] ؛ لأننا الآن دمرنا أفغانستان وأسسنا شبكة إرهابية ! ويا له من إنجاز رائع ! إذا قلت في كتابي إننا يجب أن نكون حذرين بهذا الخصوص ؛ لأنه [ بريجينسكي ] قد يكون متباهياً ما لم يعطنا دليلاً . كونه يقول لاحقاً : ” نعم ، لقد أوقعنا بهم في الفخ الأفغاني ” لا يثبت الواقعة . وعندما ينسب [ ابن لادن ] شرف العملية لنفسه ، فإنه يجب علينا أن نعامل تصريح ابن لادن كما نعامل تصريح مستشار الأمن القومي للولايات المتحدة ! هل هو يتباهى بخصوص شيء ما ؟ أم أنه يقدم دليلاً ؟ في هذه الحالة أنا لا أرى أنه دليل جيد في حالتي بريجينسكي وابن لادن ! و … [ مقاطعة ]

سباستيان : عندما أسألك سؤالا عن ابن لادن تأخذه ثم تقوم بمقارنته بالولايات المتحدة … وتقارنه ببريجينسكي ؟!

تشومسكي : نعم … لسبب بسيط : أنا أؤمن بـ ” المبدأ الأخلاقي الأساسي ” الذي يوجب علينا إذا طبقنا معياراً معيناً على الآخرين ، أن نطبقه على أنفسنا ، و … [ مقاطعة ] .

سباستيان : المثل بالمثل ! هل هذا ما تقصد ؟

تشومسكي :نعم … المثل بالمثل .

سباستيان : ابن لادن متكافئ وبريجينسكي ؟

تشومسكي :كلا ! كلا! هذا استنتاج لا يتفق أبداً والمقدمات التي شرحتها لك ! في هذه الحالة كل من هذين الشخصين نسب لنفسه ” شرف ” عمل حدث في الماضي ، ولا يوجد لدينا دليل على أنهما وراء تنفيذ هذا العمل في الماضي ، وفي كلتا الحالتين هما يتباهيان بهذا الادعاء . ولذلك … نستعمل المعيار نفسه . أستطيع أن أقول الشيء نفسه عن طفلين يلعبان في الحديقة … هذا لا يعني أنهما متكافئان وابن لادن ! هذا هو المبدأ الأخلاقي … [ مقاطعة ]

سباستيان : ولكنك تقبل دوافع ابن لادن !

تشومسكي :دوافع من ؟!

سباستيان : دوافع ابن لادن التي أعلنتها !

تشومسكي :أنا أتقبل ؟! [ بتهكم لاذع ] نعم … أنا أوافق مع ما تزعمه المخابرات المركزية الأمريكية والاستخبارات البريطانية وأيضاً … [ مقاطعة ] .

سباستيان : [ يقرأ نصا من كتاب تشومسكي ] ” ابن لادن وعملاؤه يخططون لمساعدة المسلمين للدفاع عن أنفسهم ضد الكفار في أي مكان مثل البوسنة والشيشان ” !

تشومسكي :عفواً ! عفوا ! أنت تسيء الفهم [ لكتابي ] . أنت تسيء الفهم بشكل خطير ! أنا أقول إن ابن لادن ، كأي ” رجل عصابة ” في التاريخ ، يسمي أي عمل يقوم به دفاعاً مشروعاً … ولهذا يصف نفسه بالمدافع عن بلاد الإسلام ! تماماً كما وصف هتلر نفسه بالمدافع عن الشعب الآريِّ ضد اليهود ! هذا لا يعني أن هذه الأعمال دفاعية … ولكن يعني أن كل استعمال للعنف ، يمكن أن تفكر فيه على مدى التاريخ ، يُبَرَّر على أساس الدفاع .

سباستيان : أنت تقول : ” لا شيء يمكن أن يبرر الجرائم التي حدثت في 11 سبتمبر ” ، ولكن تقول فيما بعد : ” ولكن يمكن أن نعتبر الولايات المتحدة ضحية بريئة فقط إذا اتبعنا العرف السائد الذي يدعو إلى التغاضي عن سجل أفعالها وأفعال حلفائها ” .

إذن الولايات المتحدة ليست ضحية بريئة كما تقول في كتابك ؟

تشومسكي : الولايات المتحدة ليست ضحية بريئة !

سباستيان : إذن … هي ضحية مذنبة ؟!

تشومسكي :ليست ضحية بريئة !

سباستيان : إذن … هي تستحق ما حدث ؟

تشومسكي :كلا! كلا! هذا هو استنتاجك !

سباستيان : [ بعصبية ] هذا هو الاستنتاج الذي يخرج به الناس الذين يقرأون كتابك !

تشومسكي : [ بتهكم ] إذا كانوا غير منطقيين تماماً !

سباستيان : [ بعصبية ] هناك كثير من الناس غير المنطقيين في الخارج !

تشومسكي : [ بتهكم ] هذا خارج عن إرادتي ! إذا كنا منطقيين سوف نعترف أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا – ويمكنني أن أستمر ؛ لأن القائمة طويلة ! – لديها سجلٌّ مخيف من الجرائم الوحشية ، ولكن هذا لا يبرر القيام بعمليات عنيفة ضدهم ، ولذلك … [ مقاطعة ]

سباستيان : ولكنك ترى أن هناك تكافؤاً أخلاقياً بين ابن لادن و بوش ! أليس كذلك ؟

تشومسكي :التكافؤ الأخلاقي هو مصطلح دعائي تم اختراعه لمحاولة منعنا من النظر إلى نتائج الأعمال التي نحن مسئولون عنها … أنا أرفضه ، ولا … [ مقاطعة ]

سباستيان : أنت تقول إن هناك الكثير من أمثال ابن لادن في كلا الطرفين !

تشومسكي :عفواً !

سباستيان : أنت تقول إن هناك الكثير من ابن لادن في كلا الطرفين !

تشومسكي :هناك الكثير من أمثال ابن لادن في كل أنحاء العالم .

سباستيان : هذا هو التكافؤ الأخلاقي .

تشومسكي :إنه ليس تكافؤاً أخلاقياً ! هذه الفكرة غير صحيحة . هناك العديد من الأبعاد والمعايير . وعلى سبيل المثال : لا يوجد تكافؤ أخلاقي بين الهجوم على مركز التجارة العالمي وتدمير نيكاراجوا أو السلفادور ! لأن الأخير [ تدمير نيكاراجوا والسلفادور ] أسوأ بكثير بأي معيار استخدمناه ! ولذلك … لا يوجد تكافؤ أخلاقي ! بالإضافة إلى ذلك … هذه الأعمال حدثت لأسباب مختلفة ، وبطرق متنوعة . ولذلك … هناك العديد من الأبعاد ، كما … [ مقاطعة ]

سباستيان : ولكن لماذا عندما تقوم الولايات المتحدة بعمل ما تعود أنت دائماً إلى الماضي ؟

تشومسكي :ليس الماضي ! بل هو الحاضر … الحاضر !

سباستيان : أنت ذكرت نيكاراجوا .

تشومسكي :ذكرت نيكاراجوا لأنها [ حالة ] غير خلافية لوجود قرارات من المحكمة الدولية ومجلس الأمن ، ويمكنني إعطاؤك أمثلة … [ مقاطعة ]

سباستيان : هل تشمت بالولايات المتحدة وهي جريحة ؟

تشومسكي :كلا . أنا أطلب أن نقبل بتعريف ” المنافق ” الموجود في الكتب الدينية ! أعتقد أنه صحيح . ” المنافق : هو الشخص الذي يرفض أن يطبق على نفسه المعايير التي يطبقها هو على الآخرين ” . أنا لا أعتقد أننا يجب … [ مقاطعة ]

سباستيان : ما قصدك من هذا الكلام ؟ وما هدفك من إثارة هذه النقطة الآن ؟

تشومسكي :هدفي هو أننا يجب أن نحاول أن نرقي إلى الحد الأدنى من الاستقامة الأخلاقية . عندما نرقى إلى هذا الحد الأدنى من الاستقامة الأخلاقية … آنذاك يمكننا أن نناقش هذه القضايا بجدية ! [ بتهكم ] إذا لم نتمكن من الوصول إلى ذلك الحد الأدنى فلا فائدة إطلاقاً من النقاش ! الحد الأدنى من الاستقامة الأخلاقية يوجب علينا إذا اعتقدنا أن عمل شيء ما بواسطة الآخرين هو خطأ ، فهو أيضاً خطأ عندما نعمله نحن .

سباستيان : فرد هاليداي [3] يقول إنك ” تضخم من قوة الولايات المتحدة ، وتقلل من شأن التحول الشعبي في المواقف ونقاشات حقوق الإنسان في العشر سنوات الأخيرة ” . هل تقبل هذا ؟

تشومسكي :حسناً ! لقد قرأت المقال ، ولكنه لم يقدم أي دليل ! لا أستطيع أن أعلق عليه ! ولكنني أكدت تكراراً تطور الوعي بحقوق الإنسان خلال الثلاثين سنة الماضية ، وأعتقد أنها واحدة من أهم التطورات في الثلاثين سنة الأخيرة ، ولا … [ مقاطعة ]

سباستيان : ولكنك تضخم مسؤولية الولايات المتحدة عن كل خطأ يحدث في العالم … خاصة الأنظمة المستبدة !

تشومسكي :أين … مثلاً ؟

سباستيان : هناك أنظمة مستبدة في العالم الثالث لا تسيطر عليها الولايات المتحدة ! ألا يوجد ؟

تشومسكي : [ بتهكم ] حسناً ! دعنا نفترض أنني قلت لك ” أنت تضخم من مسؤولية بريطانيا ” ! لن تستطيع أن تجيب عن هذا الإدعاء ! أين الدليل ؟! أنا قد أكون ضخمت ، ولكن أين ؟ ومتى ؟ هذا النوع من الإدعاء لا يقوله شخص جاد .

سباستيان : [ بغضب ] فرد هاليداي شخص غير جاد ؟!

تشومسكي :لو قُلتُ إن فرد هاليداي يقلل من مسؤولية الولايات المتحدة بخصوص الأحداث العالمية ؛ سيكون كلامي غير مسئول تماماً إذا لم أقدم الدليل . الشخص الجادّ لا يلقي اتهامات كهذه ! إذا أردت اتهام شخص ما ؛ فقدم الدليل ، وآنذاك نستطيع تقييم الإدعاء .

سباستيان : بروفسور تشومسكي ، هل تظن أنك ضخمت الأزمة الإنسانية في أفغانستان ؟

تشومسكي : [ بدهشة ] أنا فعلت هذا ؟!

سباستيان : نعم … وكالة الأنباء الباكستانية نقلت عنك في رحلتك إلى باكستان في نوفمبر قولك إن ” منظمة الأغذية والزراعة حذرت العالم ، قبل الهجوم بعشرة أيام ، أن سبعة ملايين شخص سوف يواجهون مجاعة في أفغانستان إذا حدث هجوم عسكري ” .

تشومسكي : [ بدهشة ] أنا لم أكن أضخِّم الأمر ! لقد اقتبست كلام منظمة الأغذية والزراعة !

سباستيان : ولكنك أعطيت الانطباع أن الهجوم وحده هو ما سوف يعرِّض حياة سبعة ملايين شخص للخطر .

تشومسكي :آسف ! أنا لم أعط هذا الانطباع إطلاقاً ! ما قلته هو أنه قبل الهجوم كان هناك خمسة ملايين شخص يواجهون المجاعة بناء على تقدير الأمم المتحدة . و وفقاً لتعليق جريدة نيويورك تايمز … فإن حوالي مليونين ونصف المليون شخص سيتعرضون للخطر نتيجة لتأثير القصف . وأنا اقتبست منهم … فإذا كان هناك تضخيم للأمر ؛ فإنه ليس بسببي ، بل هو تضخيم نيويورك تايمز والأمم المتحدة ومنظمة الأغذية والزراعة وغيرهم . ولكن هناك سؤال مستقل : هل حدث هذا ؟ سؤال مستقل تماماً … سؤال مهم ومثير ، ولكن ليس الأساس الذي يجعلنا … [ مقاطعة ]

سباستيان : إذن تعتقد أنك كنت محقاً في إصدار التحذير الذي فعلته ؟

تشومسكي :لقد كنت محقاً عندما اقتبست تحذيرات كل المنظمات الدولية المعنيّة على أساس الأعمال التي نُفِّذت والتعليقات التي قيلت . علاوة على ذلك … كنت محقاً عندما أشرت إلى الحقيقة البدهيّة الأساسية ، وهي أننا نقوِّم الأفعال والتعليقات عليها على أساس التوقعات التي بنيت عليها الأفعال . والآن … هذا سؤال مستقل … سؤال مستقل ومهم : ما الآثار الناتجة ؟ حسناً ! الذي قلته في الموضوع نفسه : إننا لن نعرف أبداً !

سباستيان : البعض يقول إن الأخطار ليست سيئة ، والبعض يرى العكس … إنها صورة مشوشة ومعقدة !

تشومسكي :دعنا نرسخ الحقيقة الأساسية التالية : مهما كانت النتائج – وهي مهمة – إلا أنها غير ذات صلة بها الموضوع تماماً . حسناً … الآن – بعد أن رسخنا هذه الحقيقة – دعنا ننظر إلى النتائج . النتائج … أولاً : مشوشة . وثانياً : النقطة التي أثرتها في الكتاب في أكتوبر الماضي هي – كما أعتقد – صحيحة … النتائج لن يتم التحقيق فيها أبداً … أرجو أن أكون مخطئاً في هذا الاستنتاج ! كما قلت في الكتاب : أرجو أن نكسر النمط التاريخي المعتاد ، المنط التاريخي الراسخ جداً ، وننظر فعلياً إلى نتائج أعمالنا ، وهذا – تقريباً – لم يحدث مطلقاً . ما يفعلونه هو … [ مقاطعة ]

سباستيان : حدث ذلك كثيراً … في كوسوفو والبلقان …

تشومسكي :عفواً ! هذه جرائم أشخاص آخرين ! أنتم تحققون في جرائم الآخرين الواضحة كأشعة الليزر ! ولكنكم لا تحققون في جرائمكم ! حالة كوسوفو كانت دراماتيكية … تَذَكَّر أن … [ مقاطعة ]

سباستيان : المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي نظرت إلى الحاجة للتحقيق في أعمال حلف شمال الأطلسي في كوسوفو .

تشومسكي : [ بتهكم ] أياماً قليلة ! هل لاحظت ماذا حدث ؟! كارلا ديل بونتي [4] أثارت الحاجة للتحقيق أياماً قليلة … ثم أبلغت فوراً ، بأقوى العبارات ، أنه ينبغي عليهم عدم البدء في ذلك التحقيق … ولذلك تراجعوا فوراً وقالوا … [ مقاطعة ]

سباستيان : لماذا تقول إنهن تراجعوا فوراً ؟! لقد قالت كارلا إنه لم تكن هناك قضية من الأساس ليتم التحقيق فيها . وهذا لا يعني أنهم استسلموا للضغوط !

تشومسكي : [ بتهكم ] حقاً ؟! ليس هذا ما حدث بالضرورة ! ولكن سياق الأحداث هو أنهم [ المحكمة الجنائية الدولية ] أعلنوا أنهم يفكرون بالنظر في جرائم حلف شمال الأطلسي … وكان هناك تصريح من جيمي شي [5] – كما أعتقد – عندما سل عن الموضوع ، قال فيه مهدداً : ” نحن نمول المحكمة لتنظر في جرائمنا ؟! ” . وكذلك عضو كونغرس أمريكي سأل في كندا عن هذا الموضوع فقال مهدداً : ” إذا بدأوا بالنظر في حلف شمال الأطلسي ، فسوف نهدم مبنى الأمم المتحدة قطعة قطعة ! ” . وبعد أيام قليلة قالت [ المحكمة الجنائية الدولية ] إنه لا توجد أية جرائم ارتكبها حلف شمال الأطلسي ! ولكن أعود إلى سؤالك … إنهم لم يحققوا في جرائم حلف شمال الأطلسي ! آه … كوسوفو … [ مقاطعة ]

سباستيان : لم يحققوا بالمستوى الذي يرضيك !

تشومسكي :لم يفعلوها وانتهى الأمر ! قالوا إنهم لن يفعلوها !

سباستيان : لأننا استنفدنا الوقت … أريد أن أسألك : ماذا حقق – في اعتقادك – نشاطك السياسي … خاصة حول 11 سبتمبر ؟

تشومسكي :حسناً … أنظر …أنا لا أنسب ذلك لنفسي بالطبع ولكن في الولايات المتحدة … هناك مستوى من الشك … التنوير … الاحتجاج … والقلق بخصوص هذه الأعمال [ المخالفة حقوق الإنسان والقانون الدولي ] ، وهذا لا يضاهيه أي شيء في ذاكرتي خلال أية مرحلة مشابهة – ولو عن بُعد – لأي نزاع عسكري .

سباستيان : أنت تجد هذا مشجعاً ؟!

تشومسكي :نعم … أعتقد أنها علامة على زيادة تحضر الشعب الأمريكي . تماماً مثل ثقافة حقوق الإنسان التي … [ مقاطعة ]

سباستيان : إذن … [ الصورة ] ليست كئيبة كما كنت تعتقد سابقاً ؟!

تشومسكي :إنها ليست كئيبة كما كنت أعتقد منذ أربعين سنة ! في الحقيقة … ما أكَّدتُ عليه مرة بعد أخرى تكراراً – وأعتقد أنه صحيح – هو أن النشاط السياسي الشعبي في الأربعين سنة الأخيرة نتج عنه جَعْلُ هذا البلد [ الولايات المتحدة ] أكثر تحضراً .

سباستيان : نعوم تشومسكي … استضافتك في ها البرنامج كانت متعة عظيمة .

تشومسكي :شكراً لك . )) [6]


[1] هنا ، وفي هذه اللحظة على وجه الخصوص – وبسبب قوة منطق تشومسكي – ، فقد المحاور الشرس سباستيان توازنه تماماً ، وخانته خبرته الكبيرة ، واعترف ” ضمنياً ” بعدم قانونية وازدواجية أفعال الولايات المتحدة وبريطانيا . ثم قام بتغيير دفة الحوار بصورة مفاجئة إلى موضوع آخر !

[2] مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي جيمي كارتر من 1977 إلى 1980 .

[3] أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد ، وخبير في شئون الشرق الأوسط .

[4] رئيسة المحكمة الجنائية الدولية – التابعة للأمم المتحدة – الخاصة بجرائم الحرب في يوغوسلافيا .

[5] المتحدث الرسمي باسم حلف شمال الأطلسي .

[6] النصوص المحرمة ونصوص أخرى ، ترجمة وتعليق : حمد العيسى . المؤسسة العربية للدراسات والنشر .

الصفحة التالية «