ترايبيكا وأزمة العلاقات العامة!

2009-11-10
علي الحمدان*

بعد أن أسدل الستار على «مهرجان الدوحة ترايبيكا السينمائي» قبل أيام، دار حوار طويل بيني وبين أحد الأصدقاء القطريين. ورغم عدم حضوري لإقامتي في الخارج، فإنني ذكرت له انبهاري بالمهرجان، خصوصا أن الإدارة قد أبدت رغبتها في توسيع نطاق الجهود التدريبية والتأهيلية، وأعلنت عن برامج لكتابة السيناريوهات السينمائية والإخراج، وبرامج لتبادل المخرجين بين الدوحة ونيويورك على مدار العام، وهو ما يوفر فرصا لدعم صناع الأفلام الناشئين من الشباب القطري الواعد. ورغم كلامي هذا، فإن صاحبي القطري لم يكن متحمسا، وقد ذكر لي من خلال مشاهداته عدم حضور شرائح واسعة من المجتمع رغم أهمية الحدث.
وفي حقيقة الأمر، فإن هذه الشكاوى ليست مختصة بمهرجان ترايبيكا وحده، بحيث يمكن اعتبارها حالة شاذة، وإنما أصبحت هذه السلبية دارجة مع أكثر من نشاط من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار من دون استثناء تقريبا. وفي الغالب، لا يكون العيب في طبيعة النشاط نفسه، ولا في المجتمع نفسه، ولكن الخلل من وجهة نظري قد نشأ بسبب ضعف واضح في برامج العلاقات العامة (Public Relations) المصاحبة لمثل هذه الأنشطة والمهرجانات، وهي برامج لم يعد وجودها هامشيا في زماننا هذا، بل إن النظر في مجموعة من المشاريع والأنشطة المماثلة في الدول الكبرى يدل على أنها غدت ضرورة من ضرورات نجاح المشروع. ولعلها فرصة لنقل اليسير من تجربة أميركا في هذا الجانب لكي نستفيد منها.
في الثلاثينيات من القرن الماضي، مرت الولايات المتحدة الأميركية بأزمة اقتصادية كبيرة دُرج على تسميتها بالكساد العظيم، وقد كان لهذه الأزمة آثارها النفسية العميقة، لدرجة أنها خلفت الكثير من التوجس في نفوس الأميركيين من كل ما له علاقة بالنشاطات التجارية بعد انفراج الأزمة. ولا شك أن هذا وضع خطير، وهو ما دفع الشركات إلى زيادة الاهتمام أكثر بكل ما يخص صناعة الرأي العام، وحينها حصل «Bernays» وكتابه المعنون بـ «بلورة الرأي العام» (Crystallizing Public Opinion) على رواج كبير لم يحصل له حينما ظهر في بدايات الأزمة الاقتصادية. وقد كان الاهتمام بصناعة الرأي العام قبل ذلك الوقت منحصرا في السياسيين، ولم يدخل بعد إلى ثقافة الشركات التجارية بشكل كبير.
هذا الاهتمام زاد بشكل ضخم في النصف الثاني من القرن العشرين، بسبب عوامل عديدة، لعل من أبرز ما يهمنا منها في مقالنا هذا هو استشعار الشركات التجارية بأن على عاتقها مسؤوليات اجتماعية يجب عليها أداؤها. وقد نقل جوزيف دومينك عن أكثر من شخص وصْفَهم للنصف الثاني من القرن العشرين، بأنه «عصر العلاقات العامة». وهذا لا مبالغة فيه، ففي أميركا وحدها، قفز عدد العاملين المتخصصين في العلاقات العامة من 19 ألفاً في عام 1950 إلى أكثر من 200 ألف في عام 2006، ولذلك يوجد اليوم أكثر من 400 جامعة تقوم بتدريس العلاقات العامة.
ولم تعد العلاقات العامة مجرد إدارة فرعية في شركة من الشركات يمكن أن يقوم بها أي أحد، بل إن أغلب الشركات الكبرى تستعين بشركات متخصصة في العلاقات العامة لتقوم بهذا الدور بدلا عنها رغم التكاليف الباهظة. ويكفي أن نعلم أن أكبر خمسين شركة علاقات عامة مستقلة في أميركا قد حصلت على 1.1 مليار دولار في عام 2006، بزيادة قدرها %14 عن عام 2005، وهو رقم مرشح للارتفاع كثيرا في السنوات القادمة، وتشير الإحصاءات إلى أن %90 من نشاطاتها خلال عام 2006 قد حقق الأهداف المرجوة منها بامتياز.
هذا الأمر يجب أن نأخذه في الاعتبار جيدا عندما نبني تصوراتنا وتوقعاتنا لنتائج هذه المشاريع والأنشطة التي نقرأ عنها كل يوم في دبي وقطر وبقية دول الخليج حتى نكون واقعيين. فالقائمون على هذه الأنشطة ما زالت أساليبهم تقليدية جدا في مجال العلاقات العامة مقارنة بغيرهم، والشركات المتخصصة غير موجودة تقريبا رغم الحاجة الملحة لها خلال هذه الفترة التنموية الحساسة، ولذلك فإن أغلب القائمين على الأنشطة نجدهم يحصرون التواصل مع الجمهور في الصحف الورقية أحيانا وبأساليب غير إبداعية.
لكن أخطر ما في الموضوع هو الغفلة الكبيرة عن عالم الإنترنت، وعن بناء البرامج الجذابة في التواصل مع الجمهور من خلاله رغم ثورة الشبكة الثانية والمواقع الاجتماعية خلال السنوات الخمس الأخيرة. وقد صدمت خلال الأيام الماضية، حينما أردت متابعة التغطيات الإعلامية لمعرض «الإعلام والتسويق» في دبي والذي شاركت فيه أكبر المؤسسات الإعلامية على مستوى العالم، فوجدت أن الحصول على تغطية جيدة صعب جدا، والنتيجة أن هذا جعلني أزهد في متابعة المعرض في السنة القادمة، وليس العيب فيما يقدمه المعرض نفسه، ولكن العيب في باب العلاقات العامة على نحو يقطع العلاقة بين الجمهور وبين المعرض ليبقى في النهاية مفتوحا للحضور النخبوي وأصحاب الدعوات الخاصة فقط!
هذا الانتقاد الذي أكتبه اليوم على جريدة رسمية مهمة، قد يصل القائمين على مثل هذا النشاط، وقد لا يصل، لكنني لو كتبت في أي مكان هامشي على الإنترنت انتقادا تجاه نشاط كبير مماثل حصل في أميركا مثلا، فإنه سيصل بالضرورة إلى القائمين عليه، وربما أرسلوا لي اعتذارا وتذكرة لحضور النشاط في المرة القادمة، ولن يترددوا في فتح نافذة لاستقبال كل الاقتراحات الممكنة. والسبب في هذا، أن الشركات الكبرى توكل شركات متخصصة -في العلاقات العامة على الإنترنت- برصد كل الأخبار عنها مثل شركة eWatch التي تقدمها «PR Newswire». وليس هذا فحسب، بل اليوم يوجد موقع «Technorati» ليتخصص في عالم المدونات بعد طفرتها، وترصد الشركات المتخصصة كل ما يكتب عن عملائها من الشركات والمنظمات بدقة واحترافية شديدة. ومن خلال عملية الرصد، يمكن الانطلاق لبناء برامج تصحيحية تطور من ارتباط الجمهور بمنتجات وبرامج أي شركة كانت.
هذا هو الفرق بيننا وبينهم!