هل يمكن أن يقوم الإعلام في زماننا بمسؤوليته الاجتماعية؟

علي الحمدان2009-11-02


عندما أصبحت الرأسمالية المتأخرة هي النظام الاقتصادي السائد في أغلب دول العالم، وبدأت ملامح الأنظمة الاقتصادية القديمة تسير في طريقها إلى الزوال، تغيرت في الوقت نفسه علاقات السلطة (Power relations) في المجتمعات تبعاً لذلك، فأصبح للشركات التجارية نفوذ كبير على حياة الناس لم يكن لها في أي وقت مضى، فقرارٌ واحد من شركة من هذه الشركات الكبرى يتأثر به اليوم آلاف من العاملين فيها، فضلا عن أعداد ضخمة من البشر خارجها ممن يرتبطون بمنتجاتها ونشاطاتها التجارية بشكل أو بآخر, وبما أننا جزء من هذا العالم وتسري علينا هذه المتغيرات، يجب علينا دراستها بدقة وإعطاؤها الاهتمام المطلوب حتى نطور من عملية تفاعلنا مع التحديات التي نواجهها لتكون في صالحها أكثر من أن تكون في صالح غيرنا.
ولأن أهداف هذه الشركات ربحية بالدرجة الأولى من جهة، ولأن نفوذها الاجتماعي متصاعد من جهة أخرى، كان من الخطورة بمكان أن يكون الحراك الاجتماعي كله مرتبطا بتحقيق غاية اقتصادية مادية صرفة، ومهمشا في الوقت نفسه لمجموعة من الأبعاد الإنسانية التي لا قوام للمجتمع إلا بها؛ ولذلك، بدأ الاهتمام المعرفي يزداد أكثر بما يعرف بأخلاقيات النشاطات التجارية (Business ethics)، وهي محاولات تهدف إلى تحقيق شيء من التوازن الضروري بين المسؤوليات الاقتصادية التي يفرضها النجاح في النظام الرأسمالي، وبين المسؤوليات الاجتماعية التي يتطلبها الاستمرار الطبيعي في النظام الإنساني حتى لا ينقرض البشر!.
ولعل هذه الحاجات الملحة هي واحدة من الأسباب التي قادت مؤخرا إلى تطوير مفهوم إشكالي يعرف بالمسؤولية الاجتماعية للشركة «CSR», ولا تكاد تدخل اليوم موقعا إلكترونيا لإحدى الشركات الكبرى في بلد كأميركا مثلا، إلا وتجد رابطا توضح فيه الشركة برامجها الخاصة المتعلقة بالمسؤولية الاجتماعية والتغطيات الإعلامية المتعلقة بها، وربما فتحت الشركة نافذة تفاعلية ليقترح الناس أنفسهم البرنامج الذي يناسبهم. وهذا يفرض من الناحية النظرية على الأقل تحولا في النشاط الإداري وعمليات اتخاذ القرار على نحو تراعى فيه المصلحة العامة (Public interest) كما تراعى فيه المصلحة الخاصة للمساهمين الماليين (Shareholders), ومع الوقت تتطور الممارسة الديمقراطية من خلال إشراك رجل الشارع، لتكون له طلباته في دائرة المسؤوليات الاجتماعية, كما أن للمساهم المالي طلباته أيضا في دائرة الأرباح التجارية.
لكن مما تنبغي الإشارة إليه أن ما ذكرناه من دخول «المسؤولية الاجتماعية» إلى نشاط بعض القطاعات التجارية لأول مرة مؤخرا، لا يعني هذا أنه مفهوم جديد تماما في قطاعات أخرى، فبعض الباحثين يرصد مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركة منذ عام 1916 في كتابات موريس كلارك في دورية «Journal of Political Economy» الشهيرة, ولعل قطاع الإعلام الجماهيري (Mass media)، كان من أهم القطاعات التجارية التي كانت لها نظريات متقدمة تفترض أن نشاطه يدور أصلا حول تحقيق المسؤولية الاجتماعية بالدرجة الأولى، مما دفع إلى تسميته بالسلطة الرابعة فعلا, وهي تجربة تستدعي الوقوف عندها فيما تبقى من المقال.
في الولايات المتحدة الأميركية، تبرز أهمية الديمقراطية كنظام سياسي للحكم لأنها أهم وسيلة تهدف إلى تحقيق واحدة من القيم الأساسية في الثقافة الأميركية وهي قيمة الحرية الفردية, وهذا أمر لا مداهنة فيه، ولذلك فإن وسائل الإعلام الحديث عندما بدأت بالتشكل فإنها لا تتحرك بشكل عشوائي، بل إنها تتطور داخل إطار نظرية المسؤولية الاجتماعية «Social Responsibility of Press»، وهي في حال الإعلام تبحث في مدى حفاظه على الديمقراطية «Preserve Democracy» من خلال توعية الناس وإخبارهم بكل ما يهمهم وما يمس مصالحهم ويكفل لهم حريتهم واستقلالهم عن أي تسلط متجاوز للحد.
فإذا جاءت قضية عامة مهمة، فإن على الإعلام مسؤولية إظهارها على السطح أولا، ثم عرض وجهات النظر المتباينة حولها بدون أي تحيز، وذلك حتى يستطيع كل مواطن أن يبني الرأي المناسب, هذا يعني لزاما ظهور مجموعة من الأفكار الخاطئة على السطح التي قد يدعمها البعض، لكن المتحمسين لهذا الخيار يؤمنون بما يعرف بفلسفة سوق الأفكار «The Marketplace of Ideas»، وهي رؤية تم اقتباسها من فلسفة السوق الحر في النظام الرأسمالي، حيث لا تتدخل الدولة والسلطة في عرض الأفكار، وإنما تضمن لها حريتها، فتجعلها تتضارب فيما بينها ثم يقوم السوق تلقائيا بتصحيح نفسه بنفسه «Self-Righting» ومن ثم يضمن حينها اتجاه القرار العام في مسار صحيح.
هذا الكلام جميل جدا من الناحية النظرية، لكن الإشكالية هي أنه إن استطعنا تحييد رغبة السلطة السياسية الحاكمة في سوق الأفكار، فإن هذا لا يعني بالضرورة تحييد قوى وتكتلات أخرى مؤثرة من الممكن أن توجه الحوار ليكون في صالحها أكثر من كونها في صالح المواطن العادي, فنحن لا نتكلم عن ديمقراطية في عالم ومكان تنفصل فيه عن المؤثرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، بل نتحدث عنها في عصر ما بعد الحداثة الذي زادت فيه اهتمامات الشركات الكبرى والقوى الرأسمالية في كل أنحاء ما يعرف بالدائرة العامة «Public Sphere» مثل الإعلام وغيره, بل إن هذه الشركات أصلا تملك الإعلام وتملك الدائرة العامة التقليدية مثل المقاهي والتي تحدث عنها الفيلسوف الألماني هابرماس قديما, فالمقهى الذي يفترض أن يتيح المجال لجدل حر حول القضايا العامة أصبح اليوم هو ملك شركة متعددة الجنسية هي ستاربكس!.
هذه مسألة بالغة الحساسية، ومن أبرز الأسماء التي كان لها إسهامات مهمة في نقد الخطاب الإعلامي المفكر الشهير نعوم تشومسكي, فقد قام بدراسة الخطاب الإعلامي الأميركي بعناية شديدة في أكثر من مؤلف ومع أكثر من تحدٍ وظرف سياسي داخلي وخارجي، واستطاع بناء أكثر من نموذج تحليلي يساعد على قراءة الخطاب بشكل دقيق ليكشف آليات التحكم بالرأي العام وتوجيهه في المجتمع الديمقراطي، ففي الحالات التي تكون هناك مصالح عليا للقوى الأساسية مثل الشركات متعددة الجنسية التي تملك المؤسسات الإعلامية غالبا، فإن «سوق الأفكار» تقل فيها البضاعة وتنشأ حالة من الانكماش تساهم في صناعة الإجماع «Manufacturing of Consent» إلى حد كبير لصالح إرادة القوى الرأسمالية، ويظل المواطن البسيط يعتقد أن ليس له من الأمر شيء، ويتهرب من أي شيء يشككه فيها، ولذلك يسمي تشومسكي هذه القناعة بالأوهام الضرورية «Necessary illusions»!
وقد استطاع تشومسكي إثبات رؤيته هذه من خلال كشف القدرات التنبؤية لنماذجه التحليلية أكثر من مرة، فمثلا بعد أن انتهت حرب الخليج تهكم -كما يحب أن يفعل دائماً- بمصطلح «النظام العالمي الجديد» وعقد فصلاً عام 1992 بعنوان «الحرب القادمة» ليتحدث عن طبيعتها بدقة قبل أن يحدث تصويت حولها، وهو ما يعني أن التصويت حولها فيما بعد سيكون أمرا عبثيا سيتجه بالضرورة في الوقت المناسب وعند توافر الحيثيات المطلوبة إلى رأي محدد يخدم مصالح القوى الرأسمالية في الغالب, وهذا إن حدث فإنه يمثل اختلالا حادا في الوظيفة الإعلامية «dysfunction» في المجتمع الديمقراطي لتكون ضد المواطن البسيط ولصالح القوى التي تستنزفه على عكس ما كان يفترض منها! ولذلك، يمكن أن نقول إن الوظيفة الإعلامية لا تتحقق بمجرد وصول الرسالة من المرسل إلى المرسل إليه، ولكن يشترط أن تكون نتيجة مشاركة جميع الأفكار المؤهلة بدون تحيز مهما كانت مخالفة لأصحاب المصالح.
هذا يحدث في أميركا، لكن لا ينبغي أن يفهم القارئ بأي حال من الأحوال أن الإعلام العربي إجمالا لا علاقة له بهذه الأخطاء والثغرات من قريب أو بعيد, وقد كنت أنوي أن أكتب مقالا آخر أتحدث فيه عن مدى التزام الإعلام العربي بأدائه لمسؤوليته الاجتماعية، لأني وجدت أن الذي فتح شهية تشومسكي طوال هذه السنوات هي قدرته على تحديد المسؤولية الاجتماعية التي يقرها الجميع أولاً، ثم الانطلاق منها لكتابة قراءات نقدية ترصد مدى الالتزام بها بشكل علمي متين, ولكن الصدمة، هي أنني بعد أن قمت باستقراء مجموعة من النشاطات والتجارب الإعلامية سألت نفسي لأول مرة: ما أهمية الإعلام العربي؟ وهل توجد مسؤولية اجتماعية يمكن الانطلاق منها فعلا في العملية النقدية؟!.
صدمة!


والله أعلم..

• كاتب سعودي مقيم بأميركا