لماذا نكره صندوق النقد الدولي أيضاً؟ (2/2)

علي الحمدان

2009-10-19

في شهر أغسطس من عام 1982 أبلغت المكسيك الولايات المتحدة الأميركية ثم صندوق النقد الدولي رسمياً بأن الخطوات التي اتبعتها لتسديد دينها قد أسهمت في تزايد الأمر سوءاً، وأنها لن تكون قادرة على تسديد ديونها, وأعلنت عن حالة «default». وفي ذلك الوقت، لم تعطِ وسائل الإعلام هذا الخبر اهتماما كبيرا، وذلك على اعتبار أنها قضية داخلية يمكن حلها من خلال بعض الإجراءات أو تسهيل بعض القروض الجديدة, ولكن لم تمض فترة بسيطة، حتى انفجرت الأزمة، وبدأت مجموعة كبيرة من دول العالم الثالث من أميركا الجنوبية وإفريقيا وآسيا الإعلان تدريجيا عن عجزها التام عن إيجاد طريقة لتسديد الديون التي عليها، والتي زاد تراكمها من 650 مليار دولار في عام 1980، إلى 1035 مليار دولار في عام 1986 كما تفيد الإحصائيات. وهذا يعني أنها أزمة عالمية حقيقية، من إفرازات النظام الاقتصادي العالمي وتحتاج تدخلا دوليا سريعا وحاسما, وقد اشتهرت تسميتها بأزمة ديون العالم الثالث (third-world debt crisis).
وفي مقابل هذا، لا يعني ظهور هذه الأزمة في دول العالم الثالث أن الدول الكبرى وأولها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والصين كانت في مرحلة استقرار اقتصادي بأي حال من الأحوال, فأميركا وبريطانيا مع ريغان وتاتشر، كما يفيد ديفيد هارفي في تاريخ الليبرالية الجديدة، كانتا تمران بتقلبات كثيرة فترة السبعينيات، وقد وجدتا بعدها أن «الطريقة الأمثل لتحسين الوضع الإنساني تكمن في إطلاق الحريات والمهارات التجارية الإبداعية للفرد، ضمن إطار مؤسساتي عام يتصف بحمايته الشديدة لحقوق الملكية الخاصة، وحرية التجارة، وحرية الأسواق الاقتصادية».
لكن الليبراليين الجدد انطلاقاً مما يعرف بـ «معضلة السجين» (Prisoner>s Dilemma) يرون أن نجاح هذه الاستراتيجية رهين فقط بقبول بقية دول العالم بها، ولا يمكن أن تكون قرارات فردية منعزلة لأن ضررها سيكون عكسياً، ولذلك لم تتشجع لتبني الليبرالية الجديدة بقوة إلا بعد عام 1978 عندما اتخذ دينغ جياو بينغ أولى الخطوات الحاسمة لتحرير اقتصاد تحكمه الشيوعية ليهدف إلى تحويل الصين خلال عقدين من دولة متخلفة منغلقة على ذاتها إلى مركز مفتوح للرأسمالية، بمعدلات نمو مطرد لا نظير لها في التاريخ الإنساني, وبحكم أن فرض مثل هذه السياسات بالقوة على مستوى العالم مستحيل، كان رهان الليبراليين الجدد كبيرا في أميركا على المنظمات الدولية «International Organizations» بعكس الواقعيين، وهم يرون أنه من الممكن أن تحقق الدولة مصالحها على نحو ضخم -وأن انضمام الآخرين لا يؤثر على هذا سلبا- إذا فهمت الدولة كيف تستغل مثل هذه المنظمات.
هذه الجزئية في غاية الأهمية، لأن الدول المتأثرة بأزمة ديون العالم الثالث عندما تسلم قضيتها إلى صندوق النقد الدولي كما سبق، فإنها ترفعها إلى منظمة دولية, نظام التصويت فيها ليس بالتساوي، ولكن لكل دولة فيها حق التصويت بناءً على ثقلها في الاقتصاد العالمي وبناء على حجم الودائع التي تأتي إلى الصندوق من كل دولة، وهو ما يعرف بـ «weighted voting system». وهذا الصندوق كانت قد أنشأته الولايات المتحدة الأميركية في عام 1944 لإعطاء بعض الامتيازات للدولار عالميا, كإحدى الخطوات الاستراتيجية التي كانت تهدف إلى رسم ملامح القرن العشرين ليكون قرن الهيمنة الأميركية.
ومن نافلة القول أن نشير إلى أن الدول المتضررة من أزمة الديون لا يوجد لها أي ثقل يذكر في صندوق النقد الدولي في مقابل امتلاك الولايات المتحدة الأميركية وحدها حينذاك %23 من مجموع الأصوات على مستوى دول العالم, وهذا يعني أنها ستكون مضطرة إلى الاستجابة لحلول تفرضها أميركا في اللحظة المتزامنة تماماً لحماسها لاختبار أجندة وأطروحات الليبرالية الجديدة وإثبات صحتها على أرض الواقع من خلال تكتل مؤسسي مثل صندوق النقد الدولي, وهذه ظروف سيكون من اللافت متابعة ما ينتج عنه.
في هذه الظروف، كانت نقطة التحول المركزية مع ولادة ما يعرف ببرنامج التكييف البنيوي أو الإصلاح البنيوي «Structural Adjustment Program» وهو البرنامج الذي استحدثه صندوق النقد الدولي للتعامل مع أزمة ديون العالم الثالث ولتمويل الدول النامية والفقيرة, وفي هذا البرنامج بالذات، يتخلى صندوق النقد الدولي عن دوره كمصرف تقليدي بعد أن استغلت الولايات المتحدة الأميركية حالة تخلف الدول في سداد ديونها. ولذلك، فإن الفرصة جعلت صندوق النقد الدولي يتحول مباشرة إلى مركز سياسي متحيز لترويج العقيدة الليبرالية الجديدة وأصولية السوق الحرة «free market fundamentalism» كما سماها العالم الاقتصادي الأميركي الحاصل على جائزة نوبل عام 2001 جوزيف ستيغليتز في كتابه المهم جداً «Globalization and its Discontents».
ففي هذا البرنامج، يقوم صندوق النقد الدولي بالاشتراط على الدول التي تطلب التمويل تنفيذ مجموعة من الإصلاحات المؤسساتية كي تحظى بالاستحقاق, ومن ذلك الاتجاه الإجباري نحو الخصخصة «Privatization»، وهو ما يعني أن تقوم الدولة ببيع أصولها وممتلكاتها في مشاريع تحتكرها مثل الكهرباء والاتصالات وغيرها للقطاع الخاص, وبما أن الدولة فقيرة ولا تملك الشركات المحلية القدرة على تغطية هذا، فإن الصندوق يلزم مع الخصخصة بفتح باب التجارة الحرة على مصراعيه، وهو ما يعني أن الشركات الأجنبية متعددة الجنسية «MNCs» هي التي ستقوم بامتلاك الكثير من هذه المشاريع, وبالتالي فإن على الحكومة أن تهيئ الظروف كاملة حتى تكون البيئة مناسبة للاستثمار الأجنبي قبل أن تحصل على التمويل كاملا، كما أن عليها أن تحد من تضخم قيمة العملة المحلية مقارنة بغيرها من العملات الأجنبية الرئيسية؛ ولذلك، لا عجب أن يتحول صندوق النقد الدولي أيضاً إلى مركز استشاري للشركات متعددة الجنسية قبل إقدامها على الاستثمار في بلد معين.
وفي حقيقة الأمر، فإن صندوق النقد الدولي يريد من كل فائض «Surplus» تكسبه الدولة أن يتجه مباشرة إلى تسديد الديون المتراكمة عليها من جهة، وإلى زيادة تكييف البيئة لتكون أكثر استقطابا وجاذبية للاستثمار الأجنبي طويل المدى من جهة أخرى, وبالتالي لكي تستطيع الدولة القيام بهذه الإصلاحات المؤسساتية الكبرى التي يفرضها الصندوق فإنه يترتب عليها أن تقلص الكثير من المخصصات المتعلقة بالرعاية الاجتماعية والصحية التي تقدمها لمواطنيها، بالإضافة إلى أنه يجب عليها أن تتخلى عن كل ما يخص مسألة التحكم في الأسعار الخاصة ببعض السلع الأساسية وغيرها. وهذه مسألة حساسة، لأنه إذا لم تستطع الشعوب تفهم هذه القضية جيدا، فإن هذا يعني أن العلاقة مع الحكومة تصل إلى مستويات سلبية جدا وتكثر فيها المصادمات, وبطبيعة الحال، فإن الحكومات تتخذ هذه القرارات مضطرة على أمل أن تحقق نمواً اقتصادياً وتراكماً رأسمالياً على المدى البعيد.
لكن الأمر المحزن، أنه رغم قيام عشرات الدول مضطرة بقبول برنامج «التكييف البنيوي»، فإن نسبة قليلة منها قد نجحت في تحقيق الأهداف المرجوة منه لصالحها, وأما الأغلبية الساحقة، فإنها ازدادت فقرا وتضاعفت عليها الديون وكان أثره عليها عكسيا, وللأسف بلغ مجموع الديون الأجنبية على دول الجنوب أكثر من تريليوني دولار بعد أن كان قرابة تريليون واحد عام 1986 كما أشرنا سابقا، وأغلب هذا الدين قد جاء بسبب تضخم الفوائد، وكل ما يمكن تسديده منها لا يكاد يصل إلى 300 مليار دولار كما تقول إحدى الإحصائيات, وقد بدأ بعض الباحثين بالحديث جديا عن أزمة ديون العالم الثالث الثانية، وهو ما يجعلنا نتخوف بشدة من الاستراتيجية التي سيتم التفاعل بها, فالفجوة الاقتصادية بين دول الشمال والجنوب تزداد، وكل حل جديد في الماضي كان في حقيقته أسوأ من الذي قبله.
هذا الأمر له انعكاساته وآثاره الخطيرة على الناس وحياتهم, ومن أبرز أسماء الذين قاموا بدراستها بشكل علمي الدكتور رضوان أبوحرب أستاذ علم السياسة في جامعة لويزيانا الأميركية في كتابه حقوق الإنسان والتكييف البنيوي (Human Rights and Structural Adjustment) وهو من منشورات جامعة كامبريدج, وقد أشار الدكتور رضوان إلى امتلاك الشركات متعددة الجنسية لرأسمال ضخم في هذه الدول جعل منها قوة سياسية تؤثر على قراراتها وتوجهاتها، وهذا ما جعل الدولة تفقد الكثير من استقلاليتها الفعلية، كما أن فتح المجال للشركات الأجنبية قد أسهم في إغلاق الشركات المحلية الصغيرة لضعف قدرتها التنافسية، وهو ما زاد أيضا من مستوى البطالة.
وبما أن الحكومة قامت بتقليص حاد لمعونات الرعاية الاجتماعية والصحية والغذائية الأساسية، فإنها لا تحظى بشعبية كبيرة بين المواطنين، بل تجعلهم في صدام مستمر معها من حين لآخر, ولأن هذه الحكومات المدينة بحاجة للبقاء في السلطة مهما كلف الأمر، فإن هذه الظروف تجعل المناخ مهيأ للفساد، إذ إن الحكومات تجد نفسها بحاجة إلى التكافل أكثر مع الشركات المتعددة الجنسية على حساب مواطنيها، والوقوف ضد أي حركة للعمال تطالب برفع الأجور أو تحسين الأوضاع، وهو في النهاية ما يزيد من نسبة الفائض الذي يذهب ليتراكم في الدول الأصلية لهذه الشركات في شمال الكرة الأرضية.
آثار هذا كله تجلت بشكل كاشف يوم الأربعاء الماضي، عندما أعلنت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) أن عدد الذين يعانون من الجوع هذا العام يقدر بنحو 1.02 مليار إنسان، وهو ما يعني زيادة 100 مليون شخص هذا العام، ولعله أكبر رقم في تاريخ البشرية, وقد علق جاك ضيوف مدير عام الفاو بعد صدور التقرير السنوي الجديد مشيرا إلى أن «ارتفاع عدد الجياع في العالم لا يحتمل» و»أن زيادة عدد الجياع ليس بسبب ضعف المحاصيل أبدا، وإنما بسبب ارتفاع أسعار الغذاء، وأنه لدينا الوسائل الكاملة لجعل الجوع يختفي تماما وللأبد، ولكن هذا يحتاج إلى إرادة سياسية مختلفة!».
وبعد هذا كله: هل يحق لنا أن نكره صندوق النقد الدولي كما كرهنا الاستعمار من قبله؟!
والله أعلم.

*كاتب سعودي مقيم بأميركا