لماذا نكره صندوق النقد الدولي أيضاً؟ (1/2)


علي الحمدان

2009-10-12


كان من أبرز أحداث الأسبوع الماضي، والتي لم تأخذ حقها من التحليل والمتابعة، هو الاجتماع المهم الذي كان في تركيا للبنك الدولي «World Bank» وصندوق النقد الدولي «IMF». وقد شاهدنا في الأخبار مظاهرات واسعة واعتراضات كبيرة نزلت إلى الشارع منددة بالصندوق وبسياساته التي لم تخدم دول العالم الثالث، وزادت من نسبة الفقر في العالم، وقد حملت مواقعهم الإلكترونية وصحفهم إحصاءات دقيقة تؤيد وجهة نظرهم. وقد يكون هذا غريبا بحكم أن الصندوق لا يبدو كجهة سياسية مثل زيارة رئيس دولة ذات سمعة سيئة لكي يستحق من المتظاهرين كل هذا الاعتراض.


لكن في الحقيقة أن هذه المظاهرات الصاخبة التي تعترض على وجود فجوة اقتصادية كبيرة بين دول الشمال وبين دول الجنوب (أو العالم الثالث) لم تكن مفاجئة، بل إن موضوع الفجوة ذاته يعرف بـ «North South Relations» وهو من صلب الاهتمامات الرئيسية لأي باحث سياسي في حقل العلاقات الدولية. وفي واقع الأمر، فإن هذه الفجوة الحالية التي اعترض عليها المتظاهرون في تركيا، وقبلهم في سياتل، ليست وليدة اللحظة، بل لها سياق تاريخي طويل وإنتاج معرفي كبير نحتاج إلى فهمه وإلقاء ضوء عليه أولاً باختصار شديد قبل مباشرة تحليلها؛ فإن كل ما نراه اليوم هو من إفرازات ذلك السياق التاريخي الذي بدأ تحديدا مع احتلال جيوش الاستعمار لدول الجنوب متسترة بشعار جميل عنوانه «المهمات الحضارية لأوروبا». في ذلك الوقت، لم تكن دول الجنوب تعاني أبداً من مشكلة في إنتاج الوفرة نتيجة لوجود الكثير من الموارد الطبيعية، ولكنها كانت تعاني من تخلفها الشديد الذي كان يقف ضد تحولها إلى مجتمعات صناعية، وهذا يعني أن إنتاجها كان يذهب أغلبه في عمليات الاستهلاك السريع والاستثمار قصير المدى. وبالتالي، فإنها لم تكن قادرة حينذاك على إحداث تراكم في رأس المال قابل للتراكم والاستثمار «accumulation of capital» وتحقيق فائض حقيقي «surplus». ويجب أن نعلم أن أي استثمار في التصنيع، يحتاج أولا إلى بنية اقتصادية قادرة على تركيز الفائض وتوجيهه لتحقيق تراكم في رأس المال على شكل مبانٍ وسكك ونحوها لتكون قابلة للاستثمار طويل المدى. ولكن حينما وصلت جيوش الاستعمار تغيرت الأمور، فقد قاموا ببناء البنية التحية من طرق وسكك حديد ومعدات لاستنزاف الموارد الطبيعية لصالحهم. وهذا الواقع السياسي قد استمر فترة طويلة، وهو ما أسهم في تراكم الثروة في الدول الاستعمارية وأنتج الفجوة الاقتصادية الهائلة لصالح دول الشمال على دول الجنوب، وفي الوقت نفسه أنتج مشاعر سلبية تجاه الاستعمار بسبب حق أهل البلاد في أن يكون هذا الفائض لصالحهم، ولذلك كافح الكثيرون من أجل تحقيق استقلال دولهم في القرن العشرين، وبدؤوا ببث مشاعر الوطنية في نفوس الناس، والآمال التي من الممكن أن تتحقق بعد خروج المستعمر. ولكن، ورغم خروج المستعمر بعد ذلك، فإن أغلب الدول المستقلة لم تستطع تحقيق التراكم الاقتصادي المنشود، بل إن الفجوة الاقتصادية في بعض الأماكن قد زادت بعد الاستقلال عن الفترة التي قبله بكثير. وليس السبب راجعاً إلى عيب فطري في دول الجنوب كما أراد المؤيدون للمهمات الحضارية لأوروبا، ولكن لأن الدولة المستقلة قد ولدت في ظروف جديدة ومعقدة تختلف جذريا عن الظروف التي ولدت فيها الدول المستقلة في أوروبا بعد معاهدة «وستفاليا» عام 1648. وبالتالي، كان قياس التجربتين وصناعة التوقعات في ظل ظروف مختلفة جذريا خطأ كبيرا، وقد كان حينها مفهوم استقلال الدولة أو سياديتها «Sovereignty of state» قد بدأ بالتغير جذريا نتيجة ظروف جديدة دون وعي كافٍ يسمح لنا بالتفاعل الإيجابي.


لكن في الوقت الذي لا تجوز فيه الاستهانة بجهود المخلصين الأبطال من أبناء حركات التحرير في طرد المستعمر، فإننا يجب أيضا أن لا نغفل عن ربط تفكك القوى الاستعمارية بالحروب العالمية، وظهور نجم أميركا كلاعب دولي رئيسي وقوى عظمى منتصرة لا تقل أطماعها عن أطماع غيرها. وبالتالي، فإنها ترفض بأي حال من الأحوال استمرار الوضع على ما كان عليه فترة الاستعمار التقليدي. وهذا ما قادها بشكل عام إلى تأييد ظاهرة الاستقلال ودعم مجموعة من الإجراءات قبل أن تنتهي الحرب العالمية الثانية، وقد قامت بتأسيس هيئة الأمم المتحدة، وظلت تتباهى كثيرا بدورها في تحقيق حلم الاستقلال في أنحاء المعمورة، وهي ذات اللهجة التي كان يتحدث بها جورج بوش الأب عن دور أميركا في تحقيق حلم الاستقلال لـ 43 دولة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي في سياق حديثه عن نظامه العالمي الجديد.


وفي ذلك الوقت الذي كانت فيه أميركا تدعم استقلال الدول، كانت تروج لليبرالية الاقتصادية كمصطلح جذاب ويبدو في ظاهره إنسانياً ومحايداً، وبأنها إن سادت فإن المنفعة ستكون متبادلة بين الدول، كل هذا بناءً على افتراض أن الليبرالية غير متحيزة لأنها تتيح الفرص للجميع ولا تكترث بكون هذه الدولة أو تلك تحقق مكاسب أكثر في النشاط الاقتصادي. ولأجل تحقيق هذا الغرض، وضعت أميركا، كما يقول ديفيد هارفي، إطارا دوليا للتجارة والتنمية الاقتصادية فيما بين تلك الدول المستقلة وداخلها، من خلال اتفاقية «بريتون وودز» الهادفة إلى ضمان استقرار النظام المالي العالمي، وترافقت هذه الاتفاقية مع إحداث مجموعة من المؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتسويات في بازل وغيرها مهمتها تنسيق النمو الاقتصادي بين القوى الرأسمالية المتقدمة وتحقيق تنمية اقتصادية على النمط الرأسمالي في باقي دول العالم غير الشيوعي.


هذه الخطوات الدقيقة تدل على أن الطموحات الإمبريالية الأميركية عميقة جدا، ولها وسائلها الفعالة التي تختلف عن وسائل الإمبريالية التقليدية المتعجرفة. فأميركا هي أميركا، منذ تلك الأيام وحتى خطابات أوباما، ظاهرها الرحمة وباطنها فيه العذاب، فلم تكن بحاجة لأن تقوم بما قامت به الإمبراطوريات الأوروبية، ولم تقف عقبة أمام استقلال الدول إلا في الحالة الفلسطينية كحالة خاصة جدا يتصادم وجودها مع الدولة الوظيفية الصهيونية التي تحقق لأميركا مصالحها في الشرق الأوسط. وكل ما فعلته أميركا هو أنها مع دعمها لاستقلال الدول، فرضت أيضا نظاما اقتصاديا رأسماليا عالميا يهدف إلى توسيع مساحة الأسواق لأبعد درجة ممكنة. بهذه الخطوة استطاعت أميركا أن تبني علاقات متميزة أيضا وغير متصادمة مع حلفائها من دول الشمال في أوروبا، لأن هذا النظام الاقتصادي العالمي نشأ بعد أن كانت هذه الدول قد استنزفت غيرها وحققت تراكما اقتصاديا لا يجعلها في نفس نقطة البداية مع دول الجنوب. وفي الوقت نفسه، عندما بدأت دول الجنوب تحقق الاستقلال، وجدت أن فرصها في تحقيق تراكم اقتصادي صعبة جدا في ظل منافسة عالمية، كما أن استقلالها جاء في ظروف جديدة لا تملك معها خيار العزلة في بناء اقتصاد خاص يحقق التراكم المطلوب حتى تدخل في المنافسة على السوق العالمية. وبالتالي فوجئت بأن استقلالها لا يعني الكثير فعلاً.


في مثل هذه الظروف الجديدة، وفي ظل عدم إمكانية على الاعتماد على الاكتفاء الذاتي في تحقيق تراكم اقتصادي، لم يبقَ حينها لدول العالم الثالث خيار إلا أن تأخذ قروضا من الدول الثرية في الشمال غالبا أو من المؤسسات المالية فيها، وهي قروض عادة ما تكون نسبة الفوائد فيها عالية. فإذا استطاعت من خلال هذه القروض المالية أن تحقق تراكما اقتصاديا، فإنها حينها ستكون قادرة على إنتاج فائض تكفي نسبة منه كل عام لتسديد الدين الذي عليها من جهة، والنسبة المتبقية في تحقيق تراكم اقتصادي يؤدي إلى استثمار رأسمالي حقيقي، وهو ما يساعد هذه الدول على تجاوز عجزها طالما أن لديها خطةً اقتصاديةً متينة واستشرافاً جيداً للمستقبل.


وأما في حالة عدم قدرة الدولة المدينة على تحقيق فائض في عملية الاستثمار، فإنها ستجد نفسها مضطرة لأخذ قرض جديد من أجل تسديد القرض السابق، وقد يتكرر الأمر كثيرا لتجد نفسها تأخذ قرضا من أجل تسديد قرض سابق، وفي كل مرة تقل فيها إمكانية تحقيق فائض حتى تضمحل الفرصة تماما. وفي هذه الحالة تكون الدولة قد خسرت أوراقها، ومن الصعب أن تجد من يعطيها قرضا، وهو ما يجعلها تفشل في تسديد أكثر من قرض وتعلن عن حالة «default». ونحن هنا نرى أن خيار القروض يساهم في النهاية في امتصاص الفائض من دول الجنوب إلى دول الشمال من خلال استثمار سهل وفوائده مرتفعة دون أن تستفيد الدول المدينة شيئا منه، وهو ما يزيد الفجوة الاقتصادية في الوقت الذي كان يراد منه عكس هذا تماما.


وللأسف، فإن الحالة الثانية هي التي سادت إلا في حالات نادرة، ففي السبعينيات قام عدد كبير من الدول بأخذ قروض ضخمة من بنوك ودول الشمال التي حفزتها أيضا على ذلك. ولكن التوقعات بالنمو الاقتصادي لم تكن دقيقة. فمثلا، قامت بعض الدول المصدرة للنفط مثل المكسيك وفنزويلا بأخذ قروض مليارية، على اعتبار أن أسعار النفط ستصل إلى مستوى معين، وحينها تكون قادرة على تسديد الدين من قيمة المبيعات بأسعار مرتفعة كانت تتوقعها. وعندما لم يحدث هذا، دخلت في عملية اقتراض متكررة لسداد قروض سابقة ولم تصل أسعار النفط طيلة مدة الاستقراض المتكررة إلى حجم التوقعات التي من الممكن أن تخرجها من هذه الورطة. وهذا ما جعل بعض دول الشمال تستهلك النفط بسعر منخفض عن التوقعات العامة، وفي الوقت نفسه تحصل على فوائد كبيرة من القروض تقلل أكثر وأكثر من القيمة الحقيقية لما يدفع على النفط حتى يكاد يكون استهلاكا بلا مقابل!


ولذلك، لم يدخل عقد الثمانينيات من القرن الماضي، إلا وقد ظهرت ملامح أزمة قروض عالمية تمر بها دول العالم الثالث وتعرف بـ «third world debt crisis»، وقد بدأت في أميركا اللاتينية أول الأمر ومن المكسيك تحديدا عام 1982 قبل أن تنتشر في كثير من دول الجنوب التي أخفقت في استثمار القرض لتحقيق فائض يكفي لتسديده ولتأسيس تنمية اقتصادية. وهذا واقع جديد تماما فرض نفسه فجأة على مستوى العالم، ولا تقل خطورته وحساسيته كنقطة تحول عن كل الأحداث السابقة التي تحدثنا عنها ابتداءً من الاستعمار وحتى أزمة ديون العالم الثالث.


فإذا كان حديثنا في المقال عن السياق التاريخي للفجوة الاقتصادية بين دول الشمال والجنوب، وعن التحولات المفصلية التي تبشر بالحلول السحرية في الوقت الذي وجدنا فيه أنها تزيد من حجم هذه الفجوة كثيرا، فهل نتصور حينئذ أن التفاعل العالمي مع أزمة ديون العالم الثالث ستكون مختلفة؟ وكيف ظهر صندوق النقد الدولي كلاعب استراتيجي ومهم؟ أليس من المفترض أن يؤدي تدخل المنظمات الدولية «International Organizations» في مثل هذه الحالات إلى وضع حلول توقف هذا الاستنزاف وتطمح إلى تحقيق المصلحة العامة؟

هذا ما سنحاول الإجابة عليه في المقال القادم إن شاء الله.