وحيد القرن والعرب والقدر السياسي المشترك!

علي الحمدان

قبل أيام قليلة، بثت قناة الجزيرة تقريرا مهما من جنوب إفريقيا بعنوان «القنص غير المشروع.. بوابة الانقراض» أعده الأستاذ أحمد فال ولد الدين. وقد جاء في التقرير أن حيوان وحيد القرن «الكركدن» يتعرض لأكبر حملة قنص منذ 15 سنة، وهي حملة يقوم بها مجموعة من الصيادين بطريقة غير نظامية. ورغم وجود بعض الاستعدادات الأمنية ومنظمات حقوق الحيوان من أجل الحد من تفاقم هذه الظاهرة، فإن الصيادين يستخدمون تقنيات متطورة ويمتلكون القدرة على الاختفاء والتحايل على الأنظمة، وهذا ما ساعدهم في العام الماضي وحده من قنص أكثر من 160 رأسا من وحيد القرن!
وحول البواعث التي أدت إلى هذه الزيادة المجنونة، ذكر التقرير أن هذا يرجع إلى وجود زيادة حادة في الطلب أوصلت سعر القرن الواحد للكركدن إلى أكثر من 20 ألف دولار. والأمر في بداياته يرجع إلى إشاعة انطلقت من بعض دول جنوب آسيا تفيد أن مسحوق قرن هذا الحيوان المهدد بالانقراض يشفي من الحمّى وكثير من الأمراض المستعصية. ولأن حياة الحيوان ليس لها قيمة عند بني البشر، لم ينتظروا تأكّد الأمر علميا وتقريره طبيا، بل بدؤوا مباشرة مهمة القتل بسرعة شديدة.
ولأن «رزق الهبل على المجانين» كما تقول المسلّمة الأولى في علم الاقتصاد الحديث، ولأن المجانين في هذا الزمان كثر، كما لا يخفى على كل لبيب، يبدو أن الصيادين قد فكروا جيدا في الوسائل التي تعين على رفع السعر عن طريق زيادة الطلب والتنافس على هذه البضاعة النادرة، فالإشاعة لا يضمن صمودها على المدى الطويل على الأقل وقد يحدث انهيار مفاجئ في السوق في حال أن فقدت مصداقيتها. ولذلك، لم أستغرب أبداً عندما أشار التقرير إلى أن التنافس الآخر في الطلب قد جاء من بعض الدول العربية، مع ظهور موضة امتلاك خناجر عربية تصنع من قرن الكركدن، فهؤلاء فقط هم الذين من الممكن أن يدخلوا منافسة تزيد من السعر فعلا ويدفعوا في شيء مثل هذا ما يدفعه من يريد الشفاء من مرضٍ مستعصٍ في إحدى دول شرق آسيا. ولأن الجنون في عرف الفقهاء من الأمراض التي لا يُرجى بُرؤها، فموضة الخناجر تنتقل إلى السيوف ومنها إلى الأحذية، كان دخول مثل هذا النوع من المستهلكين منذرا بخطر قد يُلحق وحيد القرن بالديناصورات قريبا.
وفي الحقيقة فإني بدأت في الآونة الأخيرة ألحظ زيادة التقارير الصحافية التي تشير إلى احتمال انقراض مجموعة من الحيوانات على نحو أوسع بكثير من بضع مئات من وحيد القرن. ففي يوم 10 سبتمبر، نشرت صحيفة النيويورك تايمز تقريرا كشفت فيه أن هناك نقصا حادا في أعداد أسماك الهوكي (hoki) والتي كانت في يوم من الأيام تكثر جدا في المياه القريبة من نيوزيلندا. ومن أهم أسباب هذا هو ارتفاع نسبة صيدها على نحو تسبب في مشاكل على الأنظمة الإيكولوجية البحرية بسبب مغريات كثيرة تقدمها شركات كبرى، أهمها سلسلة مطاعم ماكدونالدز والتي تشتري وحدها أكثر من 15 مليون باوند سنوياً. وإن استمرت الأزمة، فإن هذا يعني أن شطيرة «Filet-O-Fish» الشهيرة مهددة بالانقراض. وهذه لا شك أنها أزمة كونية سيلاحظها المجتمع الاستهلاكي في كل مكان في العالم، وستكون الشطيرة المثال الأبرز للانقراض تنسخ كل ما له علاقة بالديناصورات. ولأن مسألة المحافظة على التنوع البيولوجي والأنظمة الإيكولوجية من الأهمية بمكان، حاولت بعض القوى المهتمة بالبيئة من مختلف أرجاء العالم أن تستخدم بعض الأوراق السياسية من أجل سن قوانين دولية تلزم الدول بتمويل مشاريع ضخمة للحفاظ عن التنوع البيولوجي. وقد تكللت هذه الجهود بالنجاح عندما استطاعت المساهمة في دفع الأمم المتحدة إلى عقد مؤتمر «قمة الأرض» الأول حول التنمية والبيئة عام 1992 في البرازيل. وقد لقي المؤتمر ترحيبا عالميا، وأبدت الدول استعدادها بالالتزام بإجراءات إيجابية، وأن تقوم الدول الغنية بدفع مبالغ مالية إلى الفقيرة حتى تساهم هي الأخرى في تحقيق الهدف المشترك والذي يتعلق بوحدة المصير.
لكن يبدو أن كل ما له علاقة بالأمم المتحدة يبقى في دائرة الشعارات، ولا يخرج عن الحبر الذي على الورق، ما لم يكن يحظى بتأييد أميركا. ففي الوقت الذي أقدمت فيه كل دول العالم على توقيع الاتفاقية «طنشتها» أميركا لأنها قد رأت في هذا تقييدا لامتيازاتها الخاصة في مجال التقنية الحيوية (Biotechnology). فأميركا متفوقة جدا في مجال التقنية الحيوية مقارنة بدول العالم أجمع، ولذلك فإنه مجال تضعه كخيار استراتيجي مهم تعوّل عليه في كسب مزيد من الثقل السياسي في القرن الـ 21. وإذا فهمنا هذه الجزئية جيدا، سندرك خطأ عدم استقطاب الاسم الأبرز اليوم في مجال التقنية الحيوية العالمة السعودية حياة سندي إلى جامعة الملك عبدالله في الوقت الذي تحاول فيه كل مراكز البحث في أميركا وروسيا وغيرها استقطابها ابتداء من ناسا حتى جامعة موسكو. لكن هناك إشاعة قوية، تقول إن جامعة الملك عبدالله قد أجلت توقيع الاتفاقية مع هارفارد لمدة خمس سنوات حتى تكتمل بعض مشاريع الدكتورة حياة التي يمكن توطينها مستقبلا خصوصا أنها تم اختيارها قبل أيام كواحدة من 15 عالما سيغيّرون وجه الأرض. والسعودية من وجهة نظري مبهرة سياسيا، وهي أوعى من أن تخسر ثروة استراتيجية مثل الدكتورة حياة سندي، قيمة ما في رأسها اليوم لا تقل عن قيمة النفط، وهناك مؤشرات تقول إن نوبل باتت قاب قوسين أو أدنى.
ولذلك كانت أميركا عن طريق انتقائيتها في التعامل مع الملفات الدولية بناء على مصالحها الخاصة فقط سببا في عدم تحقيق الكثير من المصالح العامة المتعلقة بالحفاظ على البيئة والتنوع البيولوجي فضلا عن غيرها. والتاريخ القريب مليء بالشواهد التي تستخدم فيها أميركا ملف البيئة بشكل متقلب بناء على هواها. فمثلا، من المعروف أن أميركا تستهلك نصف ما يستهلكه العالم من أسماك التونا. وخوفا، من وقوع خسارة كبيرة لبعض الشركات الأميركية المرتبطة بهذه التجارة، استخدمت قانونا داخليا (Marine Mammal Protection Act) لتمنع في عام 1990 من استيراد التونا من فنزويلا والمكسيك بحكم أن عملية الصيد هناك فيها ضرر على التنوع البيولوجي. وقد نقلت المكسيك وفنزويلا القضية إلى منظمة «GATT» قبل تأسيس منظمة التجارة العالمية. ورغم أنهما فازا بالقضية، فإن أميركا لم تكترث إطلاقا، وأوضحت أن الحفاظ على البيئة له أولوية فوق اعتبار المصالح. وعندما خسرت فنزويلا ثلثي حجم قوتها في التحكم في التجارة نتيجة لهذا، وازدادت حصيلة الشركات الأميركية، تنازلت أميركا عن القانون وأوضحت أنها مرتبطة بالتزامات كثيرة تجاه قوانين منظمة التجارة العالمية!
هذا التحول السياسي كان حساسا جدا في توليد خلافات قوية وصراعات حادة بين الناشطين في مجال البيئة، وبين أنصار التجارة الحرة. فالناشطون في مجال البيئة ظلوا لعقود من الزمان في بلادهم يكافحون من أجل سن قوانين داخلية تضبط الكثير من الأمور، ولكن الليبرالية الجديدة «Neoliberalism» نسفت كل هذه الجهود في أغلب المناطق في العالم. ونحن نتذكر جيدا قبل 10 سنوات، تلك المظاهرة الهائلة المعارِضة لاجتماع منظمة التجارة العالمية في سياتل، حيث اتخذ المقاومون شعار السلحفاة، ليرمزوا إلى كمية ما يقتل منها بسبب أنها تعلق في شبكات الجمبري الذي يتم اصطياده بكميات هائلة وباختراقات بيئية. ولذلك، تم اعتبار المجتمعين في سياتل بأنهم مجرد عملاء لمصالح الشركات المتعددة الجنسية «MNCs» قد باعوا عشرات السنوات من تضحيات الحقوقيين الذين أسهموا في سن قوانين داخلية إنسانية في أميركا قبل غيرها.
قد يظن البعض أن هذا الكلام فيه بعض المبالغة، لكننا إذا استدعينا تقرير النيويورك تايمز سابق الذكر في أول المقال عن سلسلة ماكدونالدز، لن نشك حينها أن اتهامهم في محله. ولا عجب حينها أن سيئ الذكر توماس فريدمان طرح في كتابه «The Lexus and the Olive Tree» نظريته من أنه لم يسبق لدولتين فيهما سلسلة مطاعم ماكدونالدز أن دخلتا في حرب ضد بعضهما. وهذا صحيح تماما. فالدول أصبحت لها جغرافيا وحدود مختلفة جدا عن الوضع التقليدي، وكأن العالم قد غدا خريطته هلامية وفيها سيولة كبيرة تتشكل بناء على حدود ونفوذ الشركات المتعددة الجنسية، وهو مبحث في غاية الأهمية في تجليات ما بعد الحداثة وانهيار النظريات التقليدية في العلاقات الدولية، لعلنا ننشره مستقبلا إن شاء الله إذا توافرت الهمة ووفق المولى عز وجل.
إذا فهمنا كل هذا، نعرف أنه كان من المفترض من كل المتضررين من هذا الواقع، أن يتحدوا جميعا لمواجهته تحت غطاء المصالح المشتركة مهما كانت أجناسهم وألوانهم قبل أن يقوم بابتلاعهم جميعاً. وكان من المفترض أن يكون العرب ووحيد القرن في صف واحد، إلا أن الصيادين قد أغروهم عن طريق الدعايات الاستهلاكية بأن خصوصيتهم تتحقق في حصولهم على هذه الخناجر الفاخرة وأن الحاجة إليها ملحة. وعندما حدثت ممانعة من قبل العربي بحكم أن ثقافته علمته بأن الإنسان يدخل الجنة أو النار في كلبٍ وهرّة، أشاع الصيادون أن قرن الكركدن قادر على استئصالهم جميعا. والمشكلة أن بعض أفراد الكركدن صدقوا هذا الأمر فعلا وأعلنوا التهديد على نحو مشابه بتهديدات الديناصور في البلاد المجاورة قبل انقراضه.
وقد ثبت أن هؤلاء جميعا لا يعوّل عليهم، وحينها لم يبق أمامنا إلا الاتجاه إلى مثل جمعيات الحقوق التي جاءت في تقرير الجزيرة، فكانت المفاجأة أن موقفهم قد تغير تماما بعد أن اكتشفوا أن الكركدن الإفريقي يختلف عن الآسيوي، فالأول له قرن صغير خلف قرنه الكبير لم يكن ظاهرا لهم بعكس الآسيوي صاحب القرن الواحد. وهذا غير موقفهم تماما، فقد ظهرت إشاعة أخرى في أوروبا أن مسحوق القرن الصغير له قدرة فائقة على حل الأزمات المالية التي يواجهها أي بنك عالمي. ولم تمض البارحة، حتى أعلن كبير الصيادين أن الكل متحدٌ اليوم للمساهمة في تسريع وتيرة انقراض وحيد القرن!
والله أعلم..