نحو حياة وظيفية فذة!

علي الحمدان

2009-09-21

في استبيان أعدته شركة «Kepner Tregoe» الاستشارية في ولاية نيوجيرسي، وشارك فيه أكثر من 1300 شخص يتولى منصبا إداريا في شركات أميركية متنوعة، أعلن %69 منهم أن شركاتهم بدأت تتعرض لتحديات صعبة بسبب ترك الكثير من الموظفين المميزين لها في أوقات حرجة، وأن هذا الأمر قد أصبح ظاهرة جلية منذ العام 1996 تقريبا أكثر من أي وقت قبله. ولأجل هذا، بدأت هذه الشركات في إعادة ترتيب نفسها وأصبحت تولي عناية كبيرة فيما يخص نظام المكافآت ونحوه لعلها تصل إلى البيئة المناسبة التي تخفف من مستوى هذه الظاهرة ذات الأبعاد الخطيرة أحياناً. ولا يعني هذا أنها ضد انتقال الموظفين، ولكنها تتعامل معهم كموارد تتوقع أن تحتفظ بملكيتها لفترة زمنية محددة وترسم خططها المستقبلية بناء على ذلك.
هذه المؤشرات المتزايدة دفعت شركة «Hay Group»، وهي واحدة من كبريات الشركات الاستشارية في مجال إدارة الموارد البشرية على مستوى العالم، إلى عمل استبيان ضخم جدا شمل 500 ألف موظف في أكثر من 300 شركة أميركية ويهدف إلى كشف الأسباب التي تقود الموظف إلى ترك عمله. وقد أعدت الشركة الاستشارية استبيانها بعناية شديدة ووضعت فيه قائمة من 50 عاملاً مؤثراً. وقد جاءت المفاجأة عندما وجدت أن الدخل المالي المتدني نسبيا يقع في مرتبة متأخرة جدا مقارنة بغيره من العوامل على غير ما هو متوقَّع. وفي مقابل هذا، جاءت قدرة الشركة وبيئة العمل على توفير فرص لتعلم واكتساب مهارات جديدة على رأس القائمة التي تحفز الموظف على البقاء أو الرحيل، كما أن قابلية المدير على إعطاء توجيهات تطويرية مفيدة بعد إنجاز العمل جاءت في المرتبة الثانية.
وهذا ما دفع الشركة الاستشارية إلى وضع توصيات مقترحة وبرامج تخص معالجة العوامل الـ20 الأكثر أهمية، ومن ذلك قيامها عن طريق مؤسساتها الفرعية بصياغة دورات تطويرية للمديرين في كيفية كتابة تقارير دورية مميزة «Periodical Feedbacks» تضاف إلى مسؤولياتهم الإدارية، ولا تقل أهمية عن مسؤولياتهم بضمان وصول الأجر المالي إلى الموظف في نهاية الشهر أو توفير البضاعة في السوق في الوقت المحدد، وقد أثبتت هذه الدورات نجاحها فيما بعد على نحو عزَّز من قوة نتائج الاستبيان. وقد ذكرت شريحة واسعة من الموظفين المشاركين في الاستبيان، والذين عملوا في أكثر من مكان، ولسنوات طويلة، أنه لا يوجد أهم من العمل مع مدير يعلمك في كل مرة تقابله شيئا جديدا.
وإذا أردنا أن نجتهد في إيجاد تفسير لمثل هذه النتيجة اللافتة، فإننا يجب أن نشير ابتداءً إلى أن قرار انتقال الموظف من مكان إلى آخر هو قرار طبيعي وشائع. وقد ذكرت إحدى الدراسات الحديثة أن أي موظفٍ اليوم في بداية حياته العملية يتوقع أصلاً أن يكون فيها على الأقل 4 مراحل انتقالية رئيسة، ويطمح أن تكون كل واحدة منها أفضل من التي قبلها. وبالتالي، فمن كانت هذه حاله فلا عجب حينها أنه يعوّل كثيراً على المرحلة الأخيرة في تحقيق أغلب أهدافه وأحلامه وغاياته الكبرى، ولا يكون متطلباً لتحقيقها في المراحل الأولية. ولذلك فإن غايته الأساسية في المراحل الأولية أن تكون مرحلة استثمارية صرفة ووسيلة للوصول إلى المرحلة النهائية التي تتفق مع طموحاته وأحلامه وأهدافه. ولذلك نجد أنه يقوم بتهميش كل عامل لا يساعده في نهاية الأمر للوصول إلى المرحلة النهائية ولو كان ماديا.
هذه مسألة مركبة، وليست تلقائية. ولأجل هذا، وتفاعلا مع احتمالية الانتقالات ومع الرغبة في أن تكون إلى الأفضل دائما، تبلور في علم الإدارة مبحث متخصص في «Self-Directed Career Management» وهو مجال يعنى بالإجراءات والمعالجات والخطوات والقرارات التي تؤهل الفرد في إدارة مستقبل حياته العملية، وتساعده المعرفة فيها إما بالارتقاء داخل المؤسسة التي يعمل فيها، وإما في اختيار اللحظة المناسبة التي ينتقل فيها إلى مكان آخر.
ومن أهم الأمور التي يشار إليها فيما يخص بناء الحياة العملية المستقبلية، أن الموظف يجب أن يدرك أننا نعيش اليوم في عالم يتغير بسرعة مذهلة جدا وغير مسبوقة. ولذلك، فإن علماء الإدارة ينقلون كثيرا أن «Alvin Toffler» في حديثه عن صدمة المستقبل «future shock» قبل سنوات ذكر أن الـ50 ألف سنة الماضية التي عاشها البشر، يمكن تقسيمها إلى 800 دورة حياتية «life span»، كل دورة منها مدتها 60 سنة. وهذه الـ800 دورة حياتية، 650 منها كان الناس فيها يعيشون حياة بدائية في الكهوف، ولم تنتشر الكلمة المطبوعة إلا في آخر 6 دورات منها، وآخر 4 منها شهدت قدرة الإنسان على تحديد الوقت بدقة كبيرة، وآخر اثنتين منها شهدتا ظهور الموتور الكهربائي. وأما النسبة العظمى مما نشاهده حولنا اليوم من أشياء أصبح حضورها طبيعيا وبديهيا، فإنها لم يكن لها أي وجود إلا في الدورة الحياتية الأخيرة فقط!
وهذه النقطة تنبه لها أبو علم الإدارة بلا منازع «Peter Drucker» قبل أكثر من 4 عقود، فقد كان يهوّن من شأن التخطيط طويل المدى، ويرى أن كثيرا من الأمور مرشحة للتغير بشكل متسارع وباتجاهات غير متوقَّعة غالبا. ولذلك، فإنه يقول ما معناه: «إن الحياة العملية الفذة لا يحصل عليها أولئك الذين يحرصون على التخطيط طويل المدى، وإنما يحصل عليها أولئك الذين يفهمون أنفسهم جيدا ويؤهلونها بشكل مميز لتكون قادرة على اقتناص فرصة مفاجئة ومناسبة لهم قد لا تتكرر مرة أخرى». وهذا كلام نفيس، ويعني أن أفضل ما يمكن أن يحصل عليه الموظف في بداياته هو الانضمام لشركة يكون جزءٌ من نظام المكافآت فيها هو تقديم التأهيل الذاتي العالي الذي يجعله كفؤا فعلا لاقتناص الفرص الذهبية في الوقت المناسب. وقد كشفت لنا الإحصاءات في الأعلى، وبعد 40 سنة من كلامه هذا، عن أنها قراءة صحيحة تماما وتزداد متانتها كلما زادت المتغيرات.
الشركات المميزة بطبيعة الحال تقوم بتوظيف موظفين مميزين، وبالتالي فإنها تدرك جيدا أن موظفيها لديهم وعي حاد بكل ما طرحناه في الأعلى وأكثر، وأنها إذا أرادت تطوير أداء الموظف فليس أمامها إلا أن تقدم له كل ما يقنعه فعلا بأنه سيوصله إلى مرحلة نهائية جيدة ومستقبل مشرق حتى لو كان خارجها. ومن أعجب الأمثلة التي عثرت عليها، أن شركة «Amoco» قبل أن تندمج مع «BP»، كانت أصلاً تقدم برامج لموظفيها في التنمية العملية أو الوظيفية «career development» وفيها مميزات تتعلق بالتطوير الذاتي، وقامت بتخصيص إدارة استشارية تقدم ساعات محددة كل سنة لكل موظف على حسب مرتبته لإطلاعه على سوق العمل والفرص الوظيفية المتاحة له، كما أنها أسست لهم مواقع إلكترونية يستعرضون فيها نشاطاتهم وإنجازاتهم وتوثيقها من قِبَل الشركة. ورغم أن مثل هذه البرامج قد تكشف عن القيمة السوقية للموظفين أمام الشركات المنافسة الأخرى، فإن المفاجأة أن هذا يؤدي إلى بقاء الكثير من المميزين في الشركة لأطول فترة ممكنة. وزيادة على هذا، فإن الشركة أصلا تكون بهذه الاستراتيجية عندها قدرة أكبر على اكتشاف إمكانات موظفيهم حتى تضمن وصول الشخص المناسب إلى المكان المناسب. وبهذا تكون قادرة على أن تضرب أكثر من هدف بحجر واحد.
وبناء على ما سبق: ما قصتك التي ترويها عن نفسك وعن الشركة العربية التي تعمل فيها؟!
والله أعلم.