يعيشون بدون تلفزيون!

علي الحمدان

2009-09-07


يحكي الروائي العالمي غابرييل ماركيز، في أحد حواراته، قصة عجيبة وذات دلالة عميقة، عن الطريقة التي تعاملت بها جدته مع جهاز التلفزيون عندما بدأ بالانتشار في بلدته حتى اقتحم أسوار منزلهم. ففي ذلك الوقت، لم تستطع هذه الجدة أن تفهم الآلية التي يعمل بها، وإنما ظنت أن الشياطين من أبناء إبليس هم الذين يظهرون على شاشة هذا الصندوق الأسود، وهو ما كان يدفعها إلى الخوف من الاقتراب منه. وإذا أرادت أن تنام فإنها لا يمكن أن تخلع شيئا من ملابسها، بل إنها قد تبالغ في لبس أكبر قدر من الملابس حتى لا يتجرأ هذا الشيطان على الاعتداء عليها والتحرش بها عندما يرى ولو شيئا يسيرا من البقية الباقية من مواضع فتنتها.
وفي واقع الأمر، فإن قصة جدة ماركيز هذه ليست فريدة في بابها، بل هي متكررة. فإنه لا يكاد يظهر جهاز جديد أو تقنية حديثة مثل التلفزيون والمذياع والإنترنت وغيرها إلا ونجد أن القصور في التصور يقود شريحة من الناس إلى التخوف منها ومن ثم رفضها جملة وتفصيلا، وغالبا ما يحدث ذلك تحت دوافع دينية أو اجتماعية أو اقتصادية مختلفة. ولكن لا تمضي فترة إلا ونجد أن التصور يتصحح تدريجيا على نحو يقود هؤلاء إلى التفاعل معها بطريقة أكثر إيجابية مما سبق على الأقل. ولذلك، لا ينبغي أن نستغرب فيما بعد إن قرأنا أن جدة ماركيز قد تخلت تماما عن تخوفها، وأنها أصبحت من أكثر المدمنات لمتابعة التلفزيون والعاشقات لنجومه أو شياطينه!
كل هذا من وجهة نظري يدور في إطار ردود الأفعال الطبيعية ما دام مؤقتا، لكن الأمر الذي من الممكن أن يكون غريبا فعلا، هو أن تكتشف أن هناك شريحة من الناس اليوم لا يوجد في منزلها تلفزيون، ولا علاقة لها به من قريب أو بعيد إلا في حدود ضيقة جدا. وقد يتبادر إلى ذهن الإنسان أن الحديث حينئذ ينبغي أن يكون عن أقوام في أدغال إفريقيا الوسطى تمنعهم الظروف الاقتصادية القاهرة والانفصال عن ركب الحضارة من مثل هذا النوع من الترف نسبيا. لكن هذا الظن في غير محله، فالمفاجئ في الموضوع أن هؤلاء موجودون في الولايات المتحدة الأميركية، بل وفي ولاياتها الغنية مثل كاليفورنيا ونيويورك وكارولاينا، وليس في أطراف بادية الروم نبراسكا!
هذا ما تبين لي وأنا أقرأ هذه الأيام كتابا لأستاذة متخصصة في الإعلام والاتصالات، وهي الدكتورة مارينا كرتشمار بعنوان «Living without the screen» أي المعيشة بدون شاشة، وهو كتاب حديث من إصدار Routledge عام 2009، وهي كما هو معروف دار نشر لا تصدر إلا الكتب التي تلتزم بشروط أكاديمية صارمة في الغالب. وفي هذا الكتاب، تحاول الدكتورة كرتشمار، من خلال دراسة ميدانية مميزة في أميركا لـ 62 أسرة، تغطية الأسباب التي قادت هذه الفئة من الناس لاختيار الحياة بدون تلفزيون، محاولة اكتشاف انطباعاتهم الخاصة حول أنفسهم، ومن ثم قراءة مآلات مثل هذا النوع من الاختيارات الشاذة عليهم، إلى جانب أمور أخرى من هذا القبيل.
وعلى كل حال، لا يمكن أن نعرض في هذه المساحة المحدودة كل أو حتى أغلب الأنماط والدوافع المختلفة للموقف الرافض، ولكننا نستطيع أن نقول إن الحرص على تربية الأطفال يأتي بالدرجة الأولى كأحد أهم الأسباب التي تدفع العائلات إلى اتخاذ مثل هذا الموقف. وأكثر ما أثار دهشة الكاتبة أن هذه العائلات إما أن تكون محافظة جدا، ولها منطلقات دينية متشددة، أو أنها قد تكون ليبرالية جدا. فالعائلات المحافظة قد تخاف على أبنائها من إدمان مشاهدة مواد مسرفة في تركيزها على العنف والجنس، وتخاف من آثارها النفسية والدينية عليهم، وأما العائلات المتحررة فإنها قد تخشى على أبنائها من أي مادة قد تجعلهم يميلون إلى أن يكونوا نسخة طبق الأصل من غيرهم ممن يستقبل نفس المادة، وهو ما قد يعطل فردانيتهم وينقص من قابليتهم للإبداع ومن مخالفة السائد إن لزم مستقبلا.
لا يعني هذا أن الأمور تجري بكل سلاسة، أو دون آثار سلبية أو عقبات، فكما هو معلوم أن الطفل حينما يكون بعيدا عن متابعة المحتوى الذي يعرضه التلفزيون فإنه يخسر رأس مال اجتماعياً «social capital» كان من الممكن أن يستثمره بشكل إيجابي في تفاعله مع أصدقائه وحواراته معهم في المدرسة مثلا، وهي خسارة قد تجعله يشعر بالنقص مع الوقت والاتجاه نحو العزلة منذ وقت مبكر. ولكن بعض هذه العائلات استطاعت تجاوز هذه العقبة، فكان لها نشاطات مميزة لأطفالها تزيد من قيمة وتنوع «رأس المال الاجتماعي» أكثر بكثير أحيانا من أي محتوى تلفزيوني، مما جعلهم شخصيات قيادية وجذابة في مدارسهم.
هذه الجزئية هي أبرز ما أسر اهتمامي في البحث، لكن قيمتها الثقافية لا يمكن أن تتضح إلا إذا قرأناها من زاوية أنثروبولوجية بحتة؛ فمن الناحية التقليدية، وبشكل مبسط، نجد مثلا أن علماء الأنثروبولوجيا في الدول المتقدمة قد يدرسون الإنسان وأنماط سلوكه وعاداته وتقاليده وآلية تفاعله في تلبية حاجياته في البيئات البدائية المعاصرة أو حتى القديمة، وقد يصلون حينها إلى مجموعة من النتائج المهمة والمعالجات الإبداعية التي لم يكن بالإمكان الوصول إليها إلا من خلال الاستفادة من ثقافة الآخر.
ولعل هذا أمر يعرفه الكثيرون، لكننا إذا أردنا أن نوسع من مداركنا فعلا، ونأخذ في اعتبارنا حجم الاستقبال الهائل للصورة التلفزيونية، فإنني أقترح أن ننظر إلى الأمر من زاوية أنثروبولوجية غير تقليدية. وبدلا من أن نكون محصورين بتقسيم المجتمعات إلى بدائية وغير بدائية، أو قديمة وحديثة، أو غربية وشرقية… إلخ، فإننا يمكن أن نقسم المجتمعات اليوم تقسيما معتبرا إلى مجتمعات مستهلكة للتلفزيون وأخرى تعيش بدونه، ثم ندرس الفئة الأخيرة لنخرج بعدها بتصورات قد تساهم في إعادة التوجيه للثقافة السائدة وتطوير تجربة المشاهدة للتلفزيون.
وهذا أمر طبيعي، فالشريحة التي درستها الدكتورة كرتشمار نجد منهم أصحاب موقف واعٍ وناتج عن تصور دقيق أحيانا لطبيعة الجهاز، وهي بهذا تختلف جذريا عن الشريحة التي تمثلها جدة ماركيز، أو أمثالها ممن يعارض نتيجة قصور في التصور، وهم يكثرون في عالمنا رغم أن عقليتهم لا تختلف كثيرا عن عقلية جدة ماركيز وإن كانت معهم أرفع الشهادات!