هل الانسحاب من التعليم أفضل؟

 

 

 

 

 

علي الحمدان
 

 

 

 2009-08-31

في عامه الخامس على التوالي، يأخذ برنامج خواطر الذي يقدمه أحمد الشقيري على الـ mbc منحى آخر هذه السنة يختلف عما سبق وألفناه. فبعد أن قضى أربع سنوات يحاول من خلالها في كل موسم تصحيح الكثير من المفاهيم والسلوكيات الخاطئة والشائعة في عالمنا العربي، قرر هذه السنة أن يتجه إلى اليابان، ليثبت لنا أن كل ما كان يقوله ليس نوعا من المثالية الحالمة، وإنما توجد له الكثير من التطبيقات الواقعية في مكان آخر مثل اليابان.
كنت حريصاً على متابعة البرنامج، ولكن حلقة يوم السبت الثامن من رمضان قد لفتت نظري أكثر من غيرها، وكانت بعنوان «مدارس غير». وقد حاول فيها الشقيري أن يوضح جوانب متعددة في البيئة التعليمية اليابانية، مركزا على المظاهر التي تبدو غير مألوفة للمشاهدين في العالم العربي: فالطفل الصغير سيجد أن معلميه يتوزعون في كل تقاطعات الشوارع المحيطة بالمدرسة وربما الحي كي يسهلوا عبوره الطريق، وإذا وصل إلى البوابة فإنه سيجد مدير المدرسة على الباب ليحيه ويبتسم في وجهه. وإذا أراد المعلم أن ينادي اسم الطفل داخل الفصل، فإنه يناديه باسمه وقبله كلمة «أستاذ»!… إلخ.
قد يظن الواحد منا لأول وهلة أن هذه المظاهر التي بثتها الحلقة فيها الكثير من التكلف من قبل المدرسة، أو أنها مبالغة تفرضها الضرورة البرامجية، ولعل السبب في مثل هذا الموقف السلبي يرجع إلى عدم القدرة على ربطها بقيمة واضحة أو حاجة مهمة يتم تحقيقها من خلال هذه الإجراءات المكثفة. ولكن في واقع الأمر، فإن اهتمام المدرسة بمثل هذا ليس من باب الترف، ولكنه يرجع إلى ارتباط هذه الإجراءات بتحقيق نقاط إيجابية فيما يسمى بتقدير الذات «Self-esteem»، والذي يمكن تعريفه بأنه الانطباع الذي يكونه الإنسان عن نفسه سواء كان إيجابيا أم سلبيا. وهذا التقدير قد ينشأ من عوامل داخلية تتعلق بعالم أفكار الشخص مثلا، لكنه في الغالب يتأثر بالعوامل الخارجية، وبانطباعات الآخرين تجاهه لتكون هي ذاتها انطباعاته عن نفسه بوعي أحيانا، وبدون وعي غالبا.
ومنذ أن اشتهر استخدامه في كتابات «William James» عام 1890، شق مصطلح تقدير الذات «Self-esteem» طريقه بقوة في علم النفس حتى أصبح ثالث أكثر المصطلحات استخداما في هذا الحقل. وفي عام 1969، كتب «Abraham Maslow» بحثه الشهير عن السلم الهرمي لحاجات الإنسان، وأكد فيه أن حاجة الإنسان لتقدير ذاته بشكل إيجابي لا تقل عن حاجته للأكل وتغذية نفسه بشكل صحي. ولأن هذه الحاجات من الأهمية بمكان، تسنّ الدول المتقدمة الإجراءات والقوانين التي توفرها لأكبر شريحة من المواطنين عموما ولصغار السن خصوصا.
فمثلا، في الولايات المتحدة يباع الحليب والبيض بأجر رمزي حتى يحصل الطفل كل يوم على كل العناصر الغذائية التي يحتاجها وينمو نموا طبيعيا. وفي اليابان، ولأن تقدير الذات يرتقي كحاجةٍ إلى مرتبة التغذية الصحية في غيرها من جهة، ولأن حساسية الطفل شديدة جدا تجاه انطباعات الآخرين تجاهه على نحو يعتمد عليها اعتمادا جذريا في تقدير ذاته في كل شيء من جهة أخرى، فإن المدرسة وهي المكان الذي يقضي فيه الطفل أغلب ساعات يومه يجب أن يكون مشبعا بالعناصر التي تشعره في كل لحظة بأنه شخص مهم جدا ينبغي أن يكون تقديره لذاته إيجابيا.
هذه التنشئة الاجتماعية «Socialization» لم يكن لها أن تنجح لولا ترادفها مع وجود قناعة راسخة عند أصحاب القرار السياسي وعند القائمين على المدارس أنفسهم بأن التحديات التي تواجهها اليابان وموقعها المتقدم بين دول العالم وكمية الفرص الموجودة تفرض عليها أن يكون بناء الإنسان بهذه الطريقة. فالمعلم الذي ينادي الطالب بالأستاذ، ويساعده على عبور الشارع، يعرف تماما أن أثر هذا على تقدير الذات سيكون إيجابيا، وحينها فقط ستكون عملية احترام الطالب لمعلمه تلقائية جدا. والمدرسة لا تخشى أبداً من أن يفسد هذا التعامل الطالب، بل إنها قد وجدت أن ولاء الطالب لمدرسته وعنايته وحفاظه على الممتلكات العامة يزيد كلما استطاع الطالب استكشاف العلاقة بينها وبين دورها في تقديره الإيجابي لذاته.
وفي العالم العربي، أو في «الكوكب الآخر» كما هو تعبير أحمد الشقيري الساخر، لا ينبغي أن نفهم أن تأخره يعني أن الاهتمام بالتنشئة الاجتماعية غير موجود بأي حال من الأحوال، فبرامج وآليات التنشئة الاجتماعية موجودة في كل المجتمعات، ولا علاقة لها بالتأخر أو التقدم. ولذلك لا عجب أن تكون نسبة الإنفاق على مجال التعليم من الدخل القومي لبعض الدول كبيرة مقارنة بغيرها من المجالات.
بل إني أذهب إلى أبعد من هذا، وأزعم أن اهتمام بعض الدول العربية بالمدارس أكثر من اهتمام اليابان وأميركا والعالم أجمع وبدون مقارنة أيضا. ولكن إذا أردنا أن نفهم هذه الجزئية بدقة، ينبغي أن نربطها بحديثنا في عن علاقة المدرسة بتقدير الذات، وفي أثر مخرجات هذه العلاقة في نهاية الأمر على صناعة طموحات وأحلام الطالب لتكون خصبة وثرية على نحو يتلاءم مع حجم الفرص الموجودة والتحديات التنموية التي تواجه الدولة. ولذلك، وفي مقابل هذا، فإن الدولة المتأخرة والتي لا توجد فيها خطة واضحة للتقدم، ولا قابلية لخلق فرص متنوعة للجميع، فإن اهتمامها بالتدخل في كل ما يخص التعليم يتزايد جدا لتحقيق هدف من نوع آخر، وهو أن تساهم المدرسة في تقليل مستوى تقدير الطالب لذاته وتخلق في داخله الكثير من عدم الثقة بنفسه حتى لا تخرج الشريحة الكبرى من المرحلة التعليمية إلا ومستوى طموحاتها وتطلعاتها ضعيفة حتى تقبل الواقع كما هو.
وهذا يتحقق عن طريق آليات وإجراءات كثيرة تسير بطريقة متعارضة تماما مع ما وجدناه في اليابان. فعلى سبيل المثال، في بلد مثل مصر، نجد أن المناهج الدراسية بعضها صعب جدا مقارنة بأي دولة في العالم، ونجد أن النظام التعليمي إلى وقت قريب فيه الكثير من الشدة فيما يخص علاقة المدرس مع الطالب. وبالتالي فإن الشريحة العظمى من التلاميذ تشعر في كل يوم ولمدة 12 سنة متواصلة على الأقل بانطباعات سلبية حول ذاتهم. فهذا النظام قادر على تعزيز تقدير الذات بشكل إيجابي لشريحة بسيطة يستطيع استيعاب طموحات بعضها، وتصدير بعضها الآخر ليقيم في أميركا وأوروبا! ولذلك قد اشتكى الكاتب القدير فهمي هويدي في أكثر من مقال خلال الفترة الماضية من انعدام فعالية السواد الأعظم من المصريين فيما يخص الكثير من القضايا العامة والإصلاحية، ولعل هذا أحد الأسباب التي تفسر مثل هذه النتيجة.
والأمر نفسه تماما نجده فيما يخص تعليم المرأة في بعض الدول الخليجية، فالاهتمام الكبير عند البعض يتزامن في الوقت نفسه مع قلة فرص استيعاب مخرجات هذا التعليم في المشاريع التنموية. وبعض المناهج تكرس أن الغاية الوحيدة من خلقها أن تتزوج فقط بغض النظر عن أي ظرف. وهذا من الممكن أن يتحقق بشكل فعال في الحالة التي تبخس فيها المرأة نفسها تماما عندما يكون تقديرها لذاتها سلبيا. ولذلك، من المهم أن تكون هناك شدة كبيرة في نظام المدرسة، وعقوبة وتوبيخ على كل خطأ وتجاوز من الفتاة سواء كان يتعلق بالناحية الأكاديمية أو السلوكية. وتكون النقطة الأهم والفاصلة عندما تنتهي من الجامعة، بعد أكثر من 15 سنة من التعليم، ثم يقال لها إن الحصول على وظيفة من أبعد المستحيلات، وهذه لحظة الإحباط المنشودة ثقافيا والتي من خلالها تعرف تماما دورها الوحيد. وبالتالي فإن التعليم الطويل على هذا النحو أكثر قدرة على استيعابها -على المدى القصير على الأقل- لأداء دورها الوحيد من عدمه. ويا للغرابة!.
في القصص العربي القديم قصة ذات ارتباط وثيق بكل ما سبق، وهي قصة عنترة بن شداد العبسي مع أبيه الذي تنكّر له وتنصّل منه لسواد بشرته، فلما اجتاحت إحدى القبائل مضارب عبس طلب الأب من ابنه عنترة أن يحمل سيفه قائلا «كُرَّ يا عنترة»، لكن عنترة أجاب «إن العبد لا يحسن الكر والفر، وإنما يحسن الحلب والصر»، فقال الأب «كر وأنت حر».. فكرّ عنترة وهزم الأعداء وتحول إلى بطل أسطوري. واللبيب بالإشارة يفهم.
والله أعلم.