” سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ”

 

 

تكلم اليوم الشيخ ” صالح بن عواد المغامسي ” حفظه الله عن قصة ابن نوح عليه السلام وكالعادة الكلام مؤثر جدا ، وينفذ للقلوب بقوة ، إلا أنه أرسل رسالة لاستشكلات قديمة في نفسي ، عندما قال أن ابن نوح عليه السلام ظن أن ما حصل من انهمار الماء وتفجره في الأرض أمرا طبيعيا اعتياديا فقال ” سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ” ، فكان جواب نوح  -عليه السلام ” لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم … ” .

 

هذه الآية قد توحي في النفس بمعنيين عميقين :

الأول : أن الأمور الاعتيادية رحمة من الله ، والسنن الكونية رحمة من الله حتى يعرف الناس كيف النجاة من المهالك ، وكيفية استجلاب المنافع ودفع المضار .

الثاني : أن الأمور الاعتيادية ليست إلا من أمر الله ولا يغيرها إلا أمر الله ، وفي هذا درس عميق لنا في هذه الحياة ، قد نقيس مشاريعنا عند التخطيط على نتائج مشاريع غيرنا ، فمن أراد مثلا خط طريقا صعبا لنفسه فهو يستجمع كل النماذج التي تعطيه إما دافعا أو مثبطا ، وقد لا يكون جمعه صحيحا وسليما ، ولكنه يأخذ الأقرب لنفسه من ناحية تكوينه النفسي إما ” تفاؤلا ” أو ” تشاؤما ” !

هذا الشخص يرضى بأن يكون تبعا لغيره في التجربة ، لا أن يكون هو نموذجا مستقلا ناجحا فيفتح على نفسه بابا من الخير بفضل من الله وتوفيق بعد قوة التوكل على الله وقوة الأخذ بالأسباب ، ويفتح لمن بعده بابا لسلوك مسلكه ، لأن النماذج المستقلة قليلة لكن النماذج المكررة هي التي تتكاثر دائما .

 

من كانت لديه عقبات وصعوبات مهما بلغت ومهما كلفت من وقت وجهد وكان باستطاعته أن يرتقي بنفسه كنموذجا قاهرا بفضل من الله وعون للصعاب والعقبات فهو مجاهد في صدر التاريخ يستحق التخليد ، وأن تكون حياته ثمرة كفاح يستحق الخلود ، ذلك أن الأمور الاعتيادية ليست دائما سننا ثابتة لا يمكن تغيرها ، فالنماذج من النجاح والاخفاق هي نماذج تجارب وليست نماذج ثبات كـ ( سنة الموت مثلا ) .

 

لذلك أقوى تحدٍ ممكن أن يحفزنا هو أن نكون نموذجا للاقتداء لم يتكرر من قبل ليشق طريقا لم يشق من قبل ، وأن يسهل الصعاب بعد استعانة بالله وقوة في الكفاح ، فيرد أمرا اعتيادا هو من أمر الله بسبيل سلكه مجاهدا فهداه الله اليه ” والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ” .

 

الله خلقنا مختلفين ، زمانا ومكانا وجسدا وروحا ولغة وثقافة ودينا بحيث لا نتكرر ويشق كل منا الطريق الذي أمامه وإن لم يسلكه لن يسلكه غيره بل سيتراجع ليخطو في إثر خطى غيره ككثير مثله فيكونون عيالا على غيرهم إما خيرا أو شرا ، وأن يتخذ كل منا شعاره في الاقتداء وهو الاقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم – وبكل حسن يحيط بنا يمكننا الاقتداء به ، لكن ليس المماثلة ، فالأول محال وإلا كنا خيرا من النبي – صلى الله عليه وسلم – وحاشا ذلك ، والثاني هناك كثير من الناس قد يوفقنا الله لأن نكون خيرا منهم فلماذا نرتضي الكسل والخنوع ؟

 

وبإمكاننا الجمع بين النماذج المتكررة وبين النماذج الجديدة في أنفسنا من خلال انتخاب الأفضل ، فلم تكن لغة قريش الأفضل إلا لانتخابها أفضل ما تجده في لغات العرب الأخرى فكانت لغة القرآن التي هيأها الله لأن تكون هي لغة قوم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – .

 …

 

… … … تتبع بإذن الله عندما يتسع الذهن ويصفو .

الخميس  6 / 9 / 1430هـ