سِخْرِيّا أو سُخْريا

 

عندما علّق الله التفاضل بالتقوى أرسى معنى العدالة ، علّقه بمقياس غيبي لايستطيع أي أحد أن يبصره ولا أن يزن فيه ، لذلك فالكل سواسية لافرق بينهم اطلاقا ، ولا يملك أحدا أن يفاضل بين الناس بمقياس يعممه بناء على ذوقه أو هواه .

 

كل المقاييس تحمل معها قدرا كبيرا من الظلم ليس للخاسرين من خلالها فقط بل حتى الرابحين من خلالها ، فهي تحمل معهم ظلم المفاخرة والمباهاة ، رؤية نعم الله وكأنها أملاك مُستحقة يورثونها من شاءوا ، بابها مغلق لا يدخلها إلا من يشاءون بزعمهم !

 

تبسط هذه المقاييس بظلالها على المجتمع فتعطل الاجتهاد والتطلع لتقديم النماذج الأكمل ، لأنها حصرت النموذج الأكمل في عرق ما ، في جنس ما ، في طبقة ما ، في قِطر ما … لم يعد مقياس الإصلاح والكد من أجل ذلك هو الأعلى بل صار تبعا لميزان آخر !

 

أما الفئة المغلوبة على أمرها ممن لم ينخرطوا تحت الفئة الرابحة دائما لا بعملها بل بما أورثه لها الآباء والأجداد فهذه فئة لا طريق للخلاص إلا بالتبعية للأسياد وقد تحصل لهم المساواة أو التفوق عندما يتم تحصيل القيمة التي فرضها الميزان كالثراء مثلا في عالم الأثرياء ، والبعض لا يمكن أن يتحصل على نطف من ربح لأن الميزان لا يسمح له بذلك كـ النسب مثلاً .

 

كل تلك التصنيفات لاتثبت للأبد بل هي في قدر التاريخ يغلي بها الزمن تارة فترتفع ، ويغلي تارة فتنخفض ، ولا يبقى شيء من أهل الميزان الرابحين أو حتى الخاسرين ، والخاسرين بفعل المقياس وأيضا بفعل رضاهم بالمقياس الذي ظلمهم ولم يكن ثم مدافعة ، كل شيء سيذهب ويبقى الأثر الممتد الذي لا يحصله إلا القلة – نسأل الله من فضله – ، فإن بقي فقط النسيان لهم فنعمة والحمد لله ، وإن امتد معهم خيط من ظلم رؤي أو لم يرى فنسأل الله أن يغفر للمسلمين والمسلمات جميعا .

 

كل تلك المفاضلات بـ المقاييس الأرضية هي ليست اصلاحا إنما اظهارا للناس مردها كلها حب الظهور ، حب التعالي على الخلق ، ونسيان نعمة الله ، فيه الحس الشيطاني الذي وعد به ابناء آدم ” أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين … ” !

 

لو نتأمل أكثر نجد أن أكثر الناس وأكثر الفئات لديهم مميزات ، منهم من لديه ميزة في النسب ، ومنهم من لديه ميزة في المال ، ومنهم من لديه ميزة في الطبع ، ومنهم من لديه ميزة في الخلقة ، ومنهم من لديه ميزة – حاليا – في البلد ، ومنهم من لديه ميزة في العلم ، سنجد أن الأكثرية لديهم ما يتميزون به حقا . لذلك لو أتخذ كل منهم ما يتميز به سبيلا للتفاخر فمن سيبقى ليُعمر الأرض ويحفظ الأمانة !!!

 

كل منا لديه ما يفتخر به – إن رغب – من الخصال التي تكون لدى الناس ربحا ، نلجأ لها عندما نكون ضعفاء ، عندما يسيطر علينا الحس العام المحيط بنا فنكون عبيدا له ، لا نستطيع أن نتكلم بالحق ونصدع به في وجه من ننتمي إليهم لأننا نضع أنفسنا جزءاً لايمكن انفصاله عنهم حتى في الباطل !

 

أتذكر الآن هجاء حسان بن ثابت – رضي الله عنه – وعندما قال سأخرج النبي – صلى الله عليه وسلم – من الهجاء كما تخرج الشعرة من العجينة – أو بنحوها – ! لم يخرجه بنسبه فالنبي – صلى الله عليه وسلم – منهم بل أخرجه بما أكرمه الله به من الحق وذمهم على باطلهم ، فكان هجاءه صوابا عندما قصد الهدف الصحيح .

 

يالعظمة القرآن كلما رأيت شيئا ازعجك كلما وجدت في القرآن ما يشفي الغليل ” قال إنما أوتيته على علم عندي … ” ! فالتجبر على نعمة الله بالتفاخر ظلم ” ويكأنه لا يفلح الظالمون ” ، والتواضع والخضوع لله وأن كل نعمة من الله ليس بالقول فقط بل بالفعل أيضا هو سبيل الفلاح ، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – حاز المجد والفضل وكل المميزات ومع ذلك لم يقل أنا ما أحب التفاخر قولا ، ولا أحب التمييز بين الناس قولا ، بل مارسه عملا حقيقيا ، كان حِبُّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – زيد بن الحارثة وابنه أسامه – رضي الله عنهما – والمرأة التي ذهب خليفتي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لها بعد وفاته – صلى الله عليه وسلم – لتذكره هي أم أيمن الأمة السوداء !

 

كان زاهر من البادية رجلا دميما ، يأتيه النبي – صلى الله عليه وسلم – من الخلف فيضمه ويعرضه للبيع مداعبة ، فينطلق زاهر – رضي الله عنه – ذاما نفسه ، لكن الرسول – صلى الله عليه وسلم – ينبئه بالبشرى ” ولكنك عند الله لست بكاسد … ” أو كما قال – صلى الله عليه وسلم – . والمشاهد أعظم وأكثر من ذلك بكثير .

 

ان مطالعة النتائج المترتبة على المقياس الحقيقي وهو ( التقوى ) الخفية وبناء على ذلك المساوة بين الخلق ، والتفضيل بناء على ما يظهر من صلاح في الدين والخُلق هو الباعث الحقيقي لإعمار الأرض وإصلاحها ، و هو مجلب الخيرات و النعم وهو المسلك الحقيقي للعدل ، ولكن المقاييس الأخرى متى سادت فإنها أسس ودعائم الظلم !

 

النعم وضعت للشكر ومن شكرها التعامل معها مثلما أراد الله ” ليتخذ بعضكم بعضا سخريا … ” و لكن الانسان حقا يطغى ، لذلك ما ألذ الفقر وأعذبه – أعني فقر النفس – إلى الله والتنزه من الغنى الوهمي فهو يقسي القلب ويزرع الكِبر ، وكم من شخص حاز الأموال لكنها لم تُعبده فكان أفقر الناس إلى الله وأغناهم عن خلقه وأكثر أداء لشكر النعمة ، وكم من فقير لا يملك شيئا قد امتلئت نفسه بالطغيان والتجبر والتكبر . فالأمر كله يعود إلى المضغة – اللهم أصلح قلوبنا – ، والدنيا فيها عوارض قد تخرج هذا المكنون وقد يحفظنا الله من الافتتان من هذه العوارض لعدة أسباب لعل من ضمنها دفع الفتن والمصائب بالصدقات ، وهي يسيرة ومقدور عليها إن شاء الله من كل أحد حتى ولو صدقة بكلمة طيبة أو ابتسامة .

 

 

 

 

 

 

الأربعاء 5 / 9 / 1430هـ