التقوية

 

الله يريد منا أن نكون أقوياء ، أن نكون صالحين ، يدعونا للجنان ، ولأن الجنة حفت بالمكاره ، فلابد من أن يستعد الفرد منا لأن ينال منها على مقدار قوته في مواجهة هذه المكاره .

 

أحيانا يخيّل إلي أن الحزن ليس حقيقة مكينة لا يمكن مدافعتها بل هي رغبة ، أو حالة تتمكن عندما تجد بيئة تُمكنها ، عندما تتقوى هذه الروح فإنها تتقوى وتتمدد نحو الأعلى شامخة كأنما أحاطت بالدنيا وفاقتها لتغلبها ، مهما كانت المصائب والبلايا ستصمد بإذن الله لأنها تأوي إلى ركن شديد ، لأن الغاية والهدف واضحين ، ولأن جزئها الأكبر أو كلها يستمد قوته من تعلقه بالأكبر والأقوى والأعظم سبحانه .

 

وعندما تُخلد للأرض بأي شكل كان ستكون ضعيفة ويتمكن منها الحزن ، والذبول ، والألم ، حتى لو كان إخلادا إلى شخص عزيز بفقده تنكمش الحياة وتسود وتتوه كل الصور إلا صورة الألم ، لن تتخطى النفس تلك الدوامة إلا إن علمت أنها قد أخلدت إلى ضعيف ، حتى نفسها وثقتها ومعرفتها بقدرتها لن تغنيها سيأتي يوما تكون كلمات الثناء كالمؤشر الأخضر في سوق الأسهم ، وكلمات الذم كالمؤشر الأحمر ، وتخسر النفس قيمتها الحقيقية وتبحث عن نفسها في كلمات القائلين والمثنين !

 

لذلك لابد لكل منا أن يقوي نفسه بالطريقة الأصلح والأجمل والأفضل حتى لا يظهر ضعفه واهتزازه إلا للذي يعلم السر وأخفى ، بل يعد التذلل بين يديه خير السُبل لتقوية الذات ، وتقويتها ليست مقصدا بل هي وسيلة للوصول للمقصد الأعظم رضى الله سبحانه وتعالى .

 

تذكرت كلاما للشيخ : صالح المغامسي – حفظه الله – من أن الله أبتلى النبي – صلى الله عليه وسلم – ابتداء بيتمه ثم وفاة جده ثم وفاة زوجته خديجة – رضي الله عنها – و عمه ، ومن ثم إخراجه من أرضه وإبعاده عن قومه ، وموت أولاده كل ذلك لتخليصه من التعلق بالدنيا !

 

نعم التعلق بالدنيا هو مصدر الضعف الأقوى ، التعلق بامتلاك كثير مما فيها ، التعلق في الحياة  وغياب المقاصد عن الغرض من الحياة وأن تعلقنا بها ينبغي أن يكون لأنها السبيل ” وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ” نصيبك الذي يوصلك لغاياتك لرغباتك إلى حيث الدار التي لا خوف ولا هم ولا غم ولا حزن ولا فقد ولا ضعف ولا تبدل و فزع ولا سوء ، دار السلام .

 

والبعض يعد الطريق الأمثل لطرد التعلقات الدنيوية في التجهم والنكران للناس ، والتخلي عن اعمار الأرض ، كلا لم تكن المقاصد تُعمر بالإهمال ، فمقصد التعلق بالدنيا لأنها وسيلة للدار الآخرة لا يعني إهمال الإعمار ، بل إعمار الأرض وسيلة لإثبات هذا المقصد العظيم ، فمن مضى قد جرب ما جربناه من ملاذ الحياة الدنيا لكنه كان يتخلى عما فاق ما لدينا لأجمل مقاصد وعيها وعرفها فخلف علمه وفكره وأثره في البنيان .

 

وتحقيق هذا المقصد من التخلي عن الدنيا لا يعني التخلي عن محاسن وهبها الله للإنسان من الجمال الروحي أولا – وهو الأهم والمقدم – والجمال الخارجي . فأسوء الناس إعلانا عن مقصد أو مبدأ يؤمنون به هم المتجهمون المبتذلون إنما سكنت أرواحهم صوراً قاحلة أفرزت قبحا خارجيا خُلقيا وخُلقيا ، وانتزعت البسمة لأن أرواحهم بائسة لا حياة فيها . كيف يستشف الإنسان من الصحراء معنى الري !!!

 

هل جمّل الله الدنيا فقط لفتنة الناس ، هل هذا ما نقتبسه من القرآن فقط ، مثلما نقتبس الكثير من النصوص ونترك غيرها ، يقرأ الكثير ” إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا … ” وينسى الآيات العظيمة التي تحرك العقول لتؤمن بالله إيمانا عقليا ينفذ للروح ! ننسى ” إن في خلق السماوات والأرض … ” و ” وفي الأرض آيات للموقنين … ” ، ” أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض إلا بالحق … ”

 

عندما نتخذ من النصوص أجزاء نقتبسها لنخلد رؤية تهيئها لنا أنفسنا وما أحاط بنا ونظنها الحق لا يعني أننا بالفعل رأينا الحق ، نحن نتقوى بالمجموع بمجموع النصوص بمجموع الدلالات ، بمجموع الآيات الكونية والشرعية .

 

نتقوى جميعا بمجموع أسماء الله وصفاته ، نحب الله اللطيف ونسعى لـ اللطف ، نحب الله الحميد ونسعى لحمد المحسن ، نحب الله الغني ونسعى لإغناء الناس والاستغناء عنهم ، نحب الله القدوس ونسعى للتطهر ، ونحب الله بكل أسمائه وصفاته وآلاءه ودلالات وجوده ورحمته سبحانه  .

 

لا نتقوى فقط عندما نرى أن الدنيا شيء بغيض لابد من كرهه ، لا نتقوى عندما نسعى للفكاك من العلائق الدنيوية ومن ضمنها العلائق الدنيوية المتلبسة بالزهد ، التعلق ( بالراحة وعدم الاجتهاد ) التعلق بـ ( قطع العلاقة بالناس ) ، التعلق بـ ( تفريغ القلب من الخلق ) لأنك غير قادر على تحمل تبعات أن يوجد في نفسك مكانة لأناس كُثر  . هذه الأمور قد تكون في ظاهرها من التعلق بالدنيا لكنها حقيقة مكاره لذلك لا غرابة أن يكون حسن الخلق من أقوى أسباب دخول الجنة .

 

سيكون الحزن رفيقا لبعض مشاهد الزهد المغلوط التي نقرأ عنها وتصور لنا ، وسيكون الحزن رفيقا لمن تعلق بأمر دنيوي صرف ! نفس النتيجة لكن اللبوس تغير فقط ، ونفس ما يحرك النفس لكن الكلمات تغيرت !

 

سنحب الحياة لا تعلقا دنيويا من حيث المقصد والغاية ، بل سنحبها لأنها تقوينا على إظهار الكرامة الإنسانية ، سنحبها لأنها وسيلة لتحقيق التنافس و الإعمار ، والتبليغ إلى المقصد ، ونسأل الله حسن القبول والإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته

 

هذه هي مادة التقوية ، والله أعلم .

الثلاثاء 4 / 9 / 1430هـ