الجوال اليهودي الحلال!

 

 

 

    

علي الحمدان

   2009-08-24

يستقبل المسلمون شهر رمضان الكريم وقد ثقلت عليهم ذنوبهم، وبرزت أمامهم عيوبهم، وكلهم أملٌ في ألا ينتهي الشهر إلا وقد تغير حالهم إلى حال أفضل منها. وهذا الشهر فرصة مميزة لتحقيق هذا الهدف خصوصا مع زيادة القابلية للبعد عن المؤثرات السلبية قدر الإمكان والإقبال على المؤثرات الإيجابية التي تساهم في تطوير الإنسان وتحسين علاقته مع ربه عز وجل، وهذا أمر قديم منذ أن فرض الله عز وجل على عباده صيام هذا الشهر حتى يومنا هذا.
لكن من الأمور الملاحظة في السنوات الأخيرة، أن القنوات الإعلامية الهادفة أصبحت محورا فعالا ومهما لتحقيق ما يرجوه الإنسان المسلم من طموحات في هذا الشهر، ولم يعد من المناسب أن يتكل الإنسان على نفسه حتى لا يحرمها من خطاب قد يحمل بعض الخير والتوجيهات المفيدة. ولذلك كثرت البرامج الدينية المميزة في كافة المجالات، خصوصا بعد طفرة القنوات الفضائية الإسلامية مؤخرا. ومنذ فترة مبكرة من شهر شعبان بدأت الإعلانات المكثفة عن هذه البرامج عن طريق وسائل متعددة، مثل: المواقع الإلكترونية، والمنتديات التفاعلية، ورسائل الجوال، واليوتيوب والفيس بوك وغيرها.
ورغم كل ما نشاهده من استثمار هائل لهذه الوسائل الجديدة، إلا أننا نعلم أن العلاقة معها لم تكن دائما بهذا المستوى من الفعالية في بداية الأمر، بل عادة ما تكون هناك معارضة كبيرة من بعض الجماعات للوسيلة الجديدة ذاتها. ومن عاش في الخليج مثلاً، يتذكر ما صاحبَ الإنترنت نفسه من استنكار كبير، ثم بعد ذلك الجوال المصاحب بالكاميرا، ثم مواقع الشبكة الثانية ونحوها… إلخ. ولا يكاد يمر وقت إلا ونجد أن الاعتراضات قد انطفأت تماما، ويبدأ المعترضون بتسخير الوسيلة الجديدة بما يتوافق مع ثقافتهم الخاصة وبما يساهم في تعزيزها وترسيخها.
ومع هذا، فإنه قد يتبادر إلى الأذهان أن هذه الطريقة في التفاعل الاعتراضي هي خاصة بالمسلمين دون غيرهم، ولا شك أن هذا مخالف للصواب، فلا يمكن أن تستحدث وسيلة جديدة إلا وتنشأ حولها بعض الاعتراضات عند بعض الأطياف من كل أتباع الأديان والأيديولوجيات بدون استثناء، ولذلك، نجد دراسات ومجلات أكاديمية متخصصة حول الدين والتكنولوجيا، لتبحث عن أثر كل منهما على الآخر.
اطلعت قبل مدة على دراسات متعددة حول الموضوع، ومن أبرزها كان بحث للبروفيسورة هيدي كامبيل يحمل عنوانا جذابا هو: «Texting the Faith» والذي تعني دلالته إرسال المعرفة الدينية كرسالة نصية عن طريق الجوال. وقد نشرت البروفيسورة هيدي بحثها هذا في كتاب بعنوان: «The Cell Phone Reader» وهو مجموعة من الدراسات التي تبحث بشكل عام في مسألة الهاتف الجوال والتغيير الاجتماعي، وبشكل خاص في العلاقة المتوترة بين بعض الجماعات الدينية عموما وبين الوسيلة التقنية الجديدة، والتي تنتهي بشكل حتمي إلى تبني الوسيلة التقنية الجديدة مع التمسك ببعض التعديلات -الجوهرية أحيانا وغير الجوهرية غالبا- عليها حتى تصبح مشروعة.
الأمثلة المثيرة التي ذكرت في الكتاب كثيرة، لكن أكثر ما لفت انتباهي على الإطلاق هو ما جاء في بحث البرفسورة هيدي كامبيل من رصد لممانعة إحدى الجماعات الأرثوذوكسية اليهودية المتشددة من استخدام الجوال مطلقا حتى وقت قريب جدا بحجة أنه طريق للفتنة. وهذه الجماعة ليست صغيرة، بل يقدر عدد أتباعها بحوالي 800 ألف شخص. ووجه الغرابة في هذا أنه رغم حالة التشدد هذه، إلا أن معدل استهلاك المواطن الإسرائيلي للهاتف الجوال يعتبر من أكثر دول العالم كما تشير بعض الإحصائيات، وهذا يعني أن عددا كبيرا من أتباع هذه الجماعة الموالين لها يستخدمون الجوال في الخفاء ويصلون إلى ما يريدون من خلاله حتى لو أعلنوا اعتراضهم على الظاهر.
وهو أمر تنبه له رجال الدين مؤخرا، وفرض عليهم الاستجابة، ولذلك بدأت تتغير لغة الخطاب بشكل حاد وسريع، واقتنعوا أنه بمثل ما يحمل من شر على المجتمع فإنه من الممكن أن يحمل معه بعض الإيجابيات. وفي عام 2006، قاموا بتشكيل لجنة من كبار الحاخامات للتفاوض مع شركة الجوال الإسرائيلية (MIRS) حتى تقدم لهم خدمة تناسب قناعاتهم الدينية مقابل التزامهم بتوفير قرابة نصف مليون مشترك أو نحوه حتى تكون الاستجابة مربحة ومغرية للشركة.
وبالفعل، لم تمض فترة بسيطة حتى نسقت شركة الاتصالات مع شركة موتورولا وطرحت هاتف جوال جديد من صناعتها اسمه «Kosher phone» والتي تعني الجوال الحلال في الديانة اليهودية! والذين سبق لهم الإقامة في أميركا، فإن لفظة «كوشر» مألوفة بالنسبة لهم، فهم يجدونها على بعض اللحوم كعلامة على أنها ذبحت بالطريقة الشرعية عند اليهود، ولكنهم لم يكونوا يتصورون أن المسألة ستتعدى إلى «كوشرة» أجهزة الجوالات أيضاً!
وهذا الجوال «الكوشر» الحلال فيه من المواصفات النادرة ما جعله يتفرد بها على غيره، فخدمة إرسال واستقبال الرسائل النصية فضلاً عن غيرها معطلة تماماً، ولا يتيح لك فرصة الدخول من خلاله على الإنترنت، ولا مشاهدة الملفات المرئية، ولا تحميل برامج التطبيقات المتنوعة ما عدا ما كان فيه من برامج دينية، وحتى مسألة الاتصالات الهاتفية فإنها مقيدة، فلا يمكنك الاتصال بقائمة من 10 آلاف رقم محظورة لأسباب متنوعة.
وأما بالنسبة للتسعيرة فأمرها عجيب، فتكلفة الاتصال من هاتف حلال إلى هاتف حلال مثله زهيدة نسبيا، وأما الاتصال من هاتف حلال إلى هاتف حرام فهي أغلى بأضعاف كثيرة، وذلك حتى تقل المغريات التي تدفع أتباع الجماعة إلى الاختلاط بغيرهم ممن قد يولد في نفوسهم الاستهانة بالمحرمات. وأما يوم السبت فإن الاتصال لا يسمح فيه إلا للضرورة القصوى، ولذلك يبلغ سعر الدقيقة الواحدة حوالي 2.44 دولار للدقيقة الواحدة، ولعله رقم قياسي عالمياً! والسؤال الذي يطرح نفسه: هل أثرت هذه الاستجابة لهذه الخدمة الحلال على بقية الخدمات سلباً؟
أبدا، بل إنها زادت من أرباحها، ولم تكن استجابة أتباع هذه الجماعة مع هذه الخدمة إلا عبارة عن مؤشر اختزالي لا يدل على قناعتهم الداخلية وإرادتهم الحقيقية، وهذه الاستجابة من قبلهم ليست إلا عبارة عن ثمن يدفعونه مقابل مساحة من الحرية في استهلاكهم لبقية الخدمات الأخرى دون أن يضطروا إلى الإعلان عن هذا أو الدخول في مصادمات لا يجنون من ورائها شيئا ذا شأن.
وإذا نظر الواحد منا إلى مثل هذه القصة، فإنه يشكر الله عز وجل على سماحة الإسلام ويسر شريعته، ويخاف كثيرا من مؤشرات قد تحمّله بعض الإصر والأغلال، لأنه يتذكر قوله تعالى: «الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون». والفلاح هنا في الدنيا والآخرة، وهو من باب الوعد المشروط بعدم اتباع «سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه!».
والله أعلم.