بسم الله الرحمن الرحيم

 

أبو هريرة رضي الله عنه والسنوات الأربع

 

أعتذر عن متابعة التعليقات في رمضان إلا ماتحفزت للرد عليه

فأرجو المعذرة هذه مجرد تأملات قد تفيد أحد ما

 

 

لطالما كان العائق الأكبر في وجهي هو الزمن ، كثيرا ما يُربط بين البزوغ في العِلم وبين التبكير في التعليم الشرعي ( فلان حفظ القرآن في السابعة ، وحفظ الحديث في الـ 13 ، وأجيز في الافتاء في الـ 19 … ) وغيرها من النماذج وهذا متوسط ما قرأت من نماذج .

 

لطالما أحبطتني هذه النظرة ، مذ كنت حتى في الـ 15 من عمري ، ولطالما صنعت حاجزا نفسيا يمنعني مما أرغب فيه ، لا ارغب في الإفتاء ، ولا في التصدي لذلك ، أرغب في أن أترك بعدي أثرا لا يخلده الذكر الحاضر في حال حياتي بل يبقى من بعدي حتى قيام الساعة ، قبل سنوات وصل بي الإحباط حتى أوحى إلي الشيطان إن اشتغلي بالأمور الاعتيادية فلن تكوني شيئا يبقى بعده أثرا ! حفزني ذلك لأن أبحث عن سير بعض العلماء كالعز بن عبد السلام ، وفي الجانب الآخر من بدأوا العلم صغارا وتمت ملاحظة نباهتهم وذكائهم ولم يفدهم ذلك بعد أن تركوه !

 

لم يكن السر في الزمن بل كان في الإصرار والرزق الذي كتبه الله ليبلغه الإنسان لا بكسبه بل بالنتيجة التي يضعها الله ، فكم ممن سلك مسلك العلم لم يصل في النهاية لشيء أو على الأقل أن يكون ناقل في زمانه بين فئة صغيرة ، وكم ممن لم يحسب في تاريخه عامل الزمن لكن الله وفقه توفيقا عظيما .

 

يتنطع كثير ممن يشترطون شروطا لـ ” طلب العلم الشرعي ” حتى يكاد يكون أصعب ما يتم تحصيله ، فلابد للطالب من سنوات للطلب ، ولا بد أن يتحلى بآداب معينة قد تكون ذات فائدة وقيمة لكن لابد من إعادة تجديدها والاجتهاد فيها ، فهذه الآداب لم تكن في مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم للضبط الخارجي بل كان الضابط الداخلي أقوى ، وأما الضابط الخارجي فلم يكن إلا ما طُلب كآداب للمسلمين عامة . إلا ما خُص به الرسول صلى الله عليه وسلم- ” يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي … ” ولهذا الرفع صفة معينة تجعله مما يحبط العمل .

 

تتداخل الكثير من الشروط التي تجعل الأستاذ والمعلم هو الآلة التي تغدق علينا العلم والطالب هو المتلقي الذي ينبغي له أن يعامل المعلم أو الشيخ معاملة مخصوصة لها طقوس معينة بل تصل تفصيلاتها لدقائق يتم التعنت فيها . مما يجعل طلب العلم صعبا وحرجا لا لقيمته الحقيقية التي أجدها ألذ ما يمكن تحصيله ، بل لما يحيط به !

 

نحن اليوم نقضي ساعات النهار الأول من رمضان ، والله عزّ وجل رغّب في صيامه وقيامه بأحاديث وآيات عظام تجعل الانسان يستعذب كل شيء لتحقيق مايُوعد به ، ولو لم يكن إلا إرضاء الله عزّ وجل وهذا هو أعظم ما يمكن بلوغه – ، ومع ذلك يبين الله عزّ وجل أنه يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر ، وأن الصيام خير لنا ، مع أنه إن شاء الله متيسر جدا أن يمتنع الناس عن الطعام لمدة 12 ساعة ، فهو منع عن الشهوات والرغبات المباحة لتهذيب النفس طاعة لله .

 

فرغم أن المقصد العظيم من صيام رمضان هو أعظم المقاصد طاعة الله إلا أن رمضان أحاط به كم كبير من المرغبات والمحفزات والتخفيف عما كان لدى الأمم السابقة من الامتناع عن الكلام ! بينما نجد أن ( طلب العلم ) كفرض كفائي يحاط بأمور شاقة جدا منها أيضا منع الكلام الذي نحتاجه لكي لا نستثير غضب الشيخ !

 

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا زال خير معلم وأعظم معلم ، كان كثير التبسم ، يغدق بعلمه على الجميع حتى في مجال المزاح ” لا يدخل الجنة عجوز ” يخبر بأمر غيبي يقيني عن طريق المزح ! يحب الصحابة رضي الله عنهم مجلسه لما يجدون من شفاء للنفوس والأبدان ، لما يجدون من علم وحسن خلق وأدب وتواضع وكرم عظيم بالعلم !

 

لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يتجهم في وجه من أراد العلم لأنه سأل سؤالا اجتهاديا حتى لو كان من كبار الصحابة ليقول له ( أمثلك يسأل هذا السؤال ) ويحقر من شأنه ( هذا سؤال طلاب الابتدائية ) . لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يملي قائمة من الشروط لأن تنهل من عِلمه !!! بل حتى المشركين يستفيدون من علمه !

 

رمضان أحببناه وهو امر لازم يقع على الكل وليس كالحج يتم قصده ، بل أمر واقع حتمي على الكل يمر عليهم جميعا ، يتم الترغيب فيه وتهفو النفوس له مع أن ساعاته أكثر بكثير من بضع ساعات لدى شيخ ، ومع ذلك تمر أيامه مرور البرق ، ويتم الاجتهاد فيه رغبة في تكثير تحصيل مافيه من أجر وثواب .

لكن بعض الدروس تتخذ بعدا آخرا فتثقل على النفس وساعتان أو ثلاث تكاد تكون من أصعب الساعات لدى بعض الأساتذة لما فيها من تشدد سواء في الخطاب ، أو في طريقة العرض ، أو في عدم فتح المجال للكائنات المتكلمة التي تملأ القاعة .

 

كم من المشايخ تمر محاضراتهم بالساعات كلمح البصر لما فيها من غزير فائدة وجمال أسلوب وتواضع آسر واهتمام بالطلاب والطالبات ، ومنهم العكس .

من المشايخ من يتنطع في الشروط ومنهم من يقترب من منهج النبي صلى الله عليه وسلم – ، ولقد رأيت أستاذة تجلس في الجامعة بين القاعات لتلقي كلمة وكم لهذه الأستاذة من طالبات محبات لها على كافة ميولهن .

 

كل هذه الكلمات أومئ بها معنى ملازمة أبو هريرة رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم أربع سنين تفيض على الأمة كأكثر من روى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم – ، ولو كان أبو هريرة في زمن يتم التنطع فيه بتلك الشروط لما خرج لنا أبو هريرة أبدا .

 

الترغيب في ظني مقدم على الترهيب والتنفير هذا إن كان التنفير مطلوبا – !  .

 

السبت 1 / 9 / 1430هـ