بسم الله الرحمن الرحيم
.
.
.
.
.
.
.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

لا تعيش الفايروسات إلا في الكائن الحي ، ولا تعيش الأحداث وتؤثر إلا على الكائن الحي والقلب اليقظ ، تصنع منه حقل التجربة والفريسة ويصنع بسببها روح التحدي والمقاومة ، إنها الممانعة والمدافعة .

الظلم والقهر ، أجواء الحرب ، تهميش الهوية والانتماء ، تسفيه القوة الحقيقية ! والتسيير بالسلطة والقوة دون القناعات يضغط الحمم لتنفجر من فوهة البركان :

إن احتدام النار في جوف الثرى ،،، أمر يثير حفيظة البركانِ


يرى العرب الدابة تتضخم يظنون ما بها سمنة مغرية لتحصيل ثمن أضخم ، وما هو إلا مرض ينفخها كالزيف ثم ( تحبط ) فتسري المقولة ” حبطت الدابة
وهكذا انتفش المعسكر الشيوعي واشتدت وطأة الاتحاد السوفييتي وقمع المسلمين 40 سنة وقُمِعَ كُل حر أبي ومنهم من أعدم !

يمتطي فارسنا صهوة التحدي فيرتدي قناع ( ل . س . ب ) لينشر مقالاته التي يتلقاها العديد من المسلمين المتأقلمين مع وضع الفايروسات ليحيي لديهم قيمة الدين قبل الهوية !

لم يكن العمر يشكل رقما ذا قيمة يحدد بسببه مصيره بل كان مجرد مرحلة فلم يكن مطية تسويف لصغره في نظر الآخرين ، ولا أسى على كبره وتفويت العمل وصناعة التاريخ . من السادسة عشر من عمره حتى الثامنة والسبعون لم يخضع سيفه لأمان الغِمد !

إلى الرحلة :
في منزل يطل على نهري البوسنة والسافا في مدينة ” بوسانسكي شاماتس ” شمال غربي البوسنة والهرسك عام 1925م ولد ” علي عزت بيجوفيتش ”
انتقلت عائلته عندما بلغ السنتين إلى سرايفو وأكمل تعليمه العام فيها وحصل على البكالوريس في الحقوق بعد تحوله عند دراسة الاقتصاد الزراعي بعد 3 سنوات . تأثر في طفولته بمرض والده بالشلل بعد إصابته في الحرب العالمية الأولى .

كان لوالدته أثر في تدينه فلقد وصفها بـ ” امرأة ورعة … فلقد كانت تستيقظ دوما وقت صلاة الفجر وتوقظني أيضا لكي أذهب إلى المسجد ” لقد كان للمسجد دور في ترسيخ بذور تدينه أيضا ” في المسجد كان هناك إمام مويزينوفتش العجوز . لقد كان دائما يتلو سورة الرحمن الرائعة في الركعة الثانية من صلاة الفجر . إن المسجد بين أزهار الربيع ، وصلاة الفجر ، وسورة الرحمن ، وذلك الإمام العالم الذي يوقّره جميع أهل الحي ، كانت كلها صوراً جميلة ما زلت أراها بوضوح من بين ضباب السنين التي مضت ” .

أكسبته القراءة بنهم تفوقا دراسيا على زملاءه وأحيانا مزاجية في انتقاء ما يناسبه من مواد . وكان لثورة الشك للتحقق في صحة ما يعتقد دور أكبر في ترسيخ الدين أكثر في نفسه ، كان اطلاعه على كتب الشيوعيين والملحدين دور في إثبات صدق ما يؤمن به من خلال ما نردده دوما ” عرفت الشر لا لأقع فيه ولكن لتوقيه ” و عُمقُ فهمِ الفاروق عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أن من لم يعرف الكفر لن يعرف الإسلام بعمق عظيم يجعله قوة تقوده للحفاظ عليه .

ليتجلى له الدين في ثوب الاعتناق الجديد عن طريق الاقتناع واليقين “ إن العديد من الثوابت الإيمانية نابعة عندي من تلك الشكوك التي ساورتني أثناء فترة الشباب . ولم يعد الإيمان هو ذلك الدين الذي ورثته عن أبويّ ، بل لقد أصبح دينا جديداً تماماً اعتنقته عن قناعة وفهم . ولم أفقد إيماني به أبداً ” .

عندما بلغ السادسة عشر من عمره تجلى له الذوبان والانفصام بين الدين وبين العمل ، بين الاعتقاد الراسخ وبين أثره ! دعا بقلمه وقضيته العادلة لمعرفة الدين و كان للحياة الاجتماعية المتسامحة بين الانتماءات و الأديان المتعددة دورا في ترسيخ إمكانية التعددية الدينية وتكوين المجتمع المندمج ونفوذ الأفكار بالقناعة لا القوة – إلا اضطرارا -!

علمته تلك المرحلة والمراحل القادمة من عمره أن بعض الساسة مجرمين في ثياب أبرياء ، كانت معرفته بالمحكومين بقضايا قتل وجرائم اجتماعية معرفة بالإنسان داخلهم ، بينما وجد لدى بعض الساسة مظهر الإنسان وقلب الشيطان ! كانوا أحق بالسجن والإعدام !!!

في هذا العمر تعرف على رفاق يوافقونه في الرؤى فشبت جماعة ” الشباب المسلم ” ” لقد قدموا أفكارا توافقت مع ما كنت أريد سماعه دوما عن ديني الإسلام . لقد كان طرحا مختلفا عما تعلمناه في الكتاتيب … إنني أنظر إلى ذلك الطرح على أنه يقدم فهما للدين يوضح العلاقة ما بين الشكل والمضمون أو الجوهر ” .

كانت بدايات خطوات العمل لاستظهار الإسلام النظام الشامل الجامع بين الدين والدنيا عام 1941م حيث حاول ورفاقه ” الشباب المسلم ” تأسيس الجماعة بشكل رسمي ، إلا أن غزو الألمان ليوغسلافيا حال دون ذلك .ولكن صوتها انتشر بعدما اتفقوا ضمنيا على عدم المواجهة مع السلطة ، وفي عام 1944م سيطر الشيوعيين على سرايفو وكان القمع والكبت هو سبيلهم للسيطرة ، فاحتد الخطاب للفتية وحدثت المصادمات الفكرية وتم اعتقاله ليوم واحد وبعدها وضع تحت المراقبة لأشهر أدت إلى سجنه والحكم عليه بـ 3 سنوات ، بحكم رآه قد أنقذ حياته من الإعدام ” السجن أنقذ حياتي ” .

كان في السجن يتواصل مع عالمه الخاص وعالم أمته ودينه ، كان يتواصل بالرسائل مع ” خالدة ” التي عرفها قبل السجن تحت أجواء الحرب وصافرات الإنذار ” لقد كنا كلانا الوحيدين اللذين يسعدان لسماع صوت تلك الصفارات ” ! وبعد خروجه بفترة قصيرة تزوجها .

فترة الحكم الشيوعي فترة قوت حدة بصره تجاه الظلم ، ألم يقل ” حازت جملة واحدة من القرآن على اهتمامي وبقدر ما أعرف ، فقد فسرت بطرق مختلفة . لو أن كل شيء موجود ( يحدث ) لأن الحيرة لم تنته . عندما يزيح الله هذا الازدواج ، وعندما يصبح كل شيء واضحاً ومكشوفاً ، عندها يصبح كل( شيء جاهزاً ومنتهياً ) – ( القرآن ) [1]
رأى الفرق بين الطبقة الحاكمة ومن يواليها والرفاهية المقدمة لها ، وطبقة الشعب الضعيف والفقر والظلم والحرمان من أبسط حقوق العيش الكريم !

ذلك الواقع عمل في ذهنه ليعمل على كتابة مقالات عن الإسلام ويشرع في تأليف كتابه ” الإعلان الإسلامي ” – أو البيان كما هو مشتهر – وانتهى منه في عام 1969م . ولكن صيته لم يرتفع إلا عام 1983م .

ولأن الفكر النيّر لابد أن يُعبد تحت سطوة النظام الحاكم كان يوقع على مقالاته بـ ( ل . س . ب ) أي ( ليلى . سابينيا . بكر ) أبناؤه .

وفي صباح مارس / 1983م كان لأثره الفكري مقوداً نحو السجن فقد أُقتُحِم منزله وعندما سأل قالوا : ” نحن من أمن الدولة ” ليتم استجوابه لمدة 100 يوم وليلة !
ويتهم بـ ” التآمر ضد الدولة ” و ” الجنحة الكلامية ” .
ويقدم لمحاكمة صورية و مرافعات وقضية أشبه بالمسرحية التي يسودها ويسوسها الكذب والتزييف !تلك الموسومة بـ ” محاكمة سرايفو ”
يقول : ” ولا يوجد تفسير عقلاني لتصرف النظام بهذه القسوة . هل كانت تلك خطوة يائسة من قبل حكومة بدأت تتهاوى ؟ إن أنظمة الحكم القوية لا تدين الناس بسبب ما يقولونه . بينما تلجأ الحكومات الضعيفة إلى العنف في محاولة منها لإطالة أمد بقائها حيث إنها تخاف الزوال .
أما بالنسبة للرأي العام فغالبا ما نرى السجناء السياسيين على أنهم مذنبون لأسباب أنانية بحتة . إنه نوع من آلية الدفاع فإن الناس لا يستطيعون أن يتقبلوا فكرة أنهم يعيشون في مجتمع لا يتمتعون فيه بحماية القانون والنظام . ومن ثم تواجههم مسألة كيف يمكنهم أن يلتزموا جانب الصمت . إن ذلك ممكن لأنه من الأسهل بالنسبة لهم أن يعتقدوا أن الشخص المُدان هو مذنب وأنه لابد أنه خرق القوانين بشكل أو بآخر لأنه إذ لم يفعل ذلك فلماذا هو سجين ومُدان إذن ؟ والسبب أيضاً أنه إذا ما اعتقد المرء أن شخصا ما قد أُدين دون اعتبار القانون فإنه سوف يشعر بالخطر وانعدام الأمان ، وهذا ما يرفضه الناس في حالة الدفاع عن النفس . وكلما كان الحكم أقسى كلما وصل الناس إلى ذلك الاستنتاج بسهولة وبسرعة أكبر . وفي حالة غياب الدليل فإن الحكم القاسي سوف يُعد دليلا كافيا على أن الشخص مذنب

وفي 20 / أغسطس / يُتلى الحكم ” المتهم علي عزت بيجوفيتش : بالسجن لمدة أربعة عشر عاماً ” ! ولابد للصدمة أن تنهزم أمام الجبال ” لقد كان قلبي يخفق بسرعة ، ولكني أبقيت رأسي مرفوعا ، وأبديت ملامحا لا تظهر بأنني متأثر . فلقد كانت الكاميرا جاهزة لتسجيل الصدمة على وجهي ، ولكن كان كل ما سجَلَتْه هو تقليبي بصري في سقف القاعة ” .

قد فات على الكثيرين أن حصار البدن يعني إعتاق الروح الأبية – غالبا – وأن السجن دورة صمود وثبات للأبرياء – غالبا – ، وتخلٍ عن الحياة الاعتيادية وتعلم فنون الصبر ، ونذر النفس لافتداء البشرية عن العذاب والظلم !

وعندما واجهت إمكانية أن أقضي حياتي كلها خلف القضبان وأن أموت بين المحكومين ذكّرت نفسي حينها بالمبدأ الأساسي ألا وهو الثبات والاستمرارية . فلقد احتفظت بعقل سليم وكان الأطباء يقولون أنني صحيح الجسم أيضا . وأحمد الله على ذلك الإيمان الذي مكنني من الثبات بالإضافة إلى الولاء والمساندة المعنوية التي أبداها أولادي . ولطالما تفكرت خلال الأيام الأولى التي تلت النطق بالحكم فيما إذا ما كنت سأمتلك الشجاعة لمجابهة ما ينتظرني . ومرت السنون ولم ألمس في نفسي فتوراً في إرادتي في البقاء على قيد الحياة ، ولكنني أصبحت أفكر أكثر فأكثر في قضية أنني أصبحت كبيراً وأن الموت ليس ببعيد الآن . ولقد كانت تلك الفكرة مصدر ارتياح بالنسبة لي فلقد احتفظت بها لنفسي وكأنها سر كبير ” .

في هذه الفترة صقله السجن مفكرا وسياسيّاً مدفوعا بالهمة لإخراج العديد من الأفكار المذهلة ! فعمق السجن وبعده عن صخب هامش الحياة أشعل في قلبه وعقله فتيل سراج الفكر ليتعمق داخل عالم الإنسان ومحيطه .

وتحت سطوة السجان كتب كتابه ” هروبي إلى الحرية ” : ” لم أستطع الكلام ، ولكني استطعت التفكير ، وقررت أن أستثمر هذه الإمكانية حتى النهاية

التحول الخارجي جعله يبحث عن مواطن الخير والشر ويقوي إدراكه تجاهها ” العالم الذي كان ثنائي القطب لفترة طويلة أصبح أحادي القطب . ولا أعرف إن كان في ذلك خيرا، لكن ذلك ما حدث ! وطوال ما يقارب الألفي يوم ، لم يبق إلى جانب صمغ تجليد الكتب إلا هذا الحشد من الأفكار المشتتة . وهي تمثل إلى حد ما ، تعليقا على أحداث مصيرية لإنسان كان ممنوعا من المشاركة بها ، ولكنه امتلك وقتاً كافيا لمتابعتها ، وإصدار أحكامه الصحيحة أو الخاطئة عليها .
إنها تفكيرات بالحرية ، الجسدية منها والداخلية ، وعن الحياة وعن المصير ، وعن الناس والأحداث ، الكتب المقروءة ومؤلفيها ، وتفكيرات في الرسائل غير المكتوبة لأبنائي ، بكلمات أخرى بكل شيء ، وبكل ما يخطر على بال سجين خلال ألفي يوم وليل طويل ” .

” هروبي إلى الحرية ” طريقين ازدوجا ” إذا كان الأدب هو هروبي الثقافي إلى الحرية ، فإن هروبي العاطفي كان في تلك الرسائل … كنت أشعر في اللحظات التي أقرؤها فيها أنني لست إنسانا حراً وحسب ، وإنما كأنني إنسان أهداه الله كل خيرات هذه الدنيا . ولذا أخذت حريتي بأن أنشر في الفصل الأخير بعضها ” .

وفي السجن يتوهج له الإعجاز القرآني للدين الذي أرتضاه الله للبشرية دينا فيه فلاحهم وسعادتهم ” إن المنع والحظر والقوة لا تنتج شيئا عندما نريد إقناع الناس . ولقد ذكرت أن القرآن الكريم نفسه يشير إلى هذه القضية في جملة إعجازية وواضحة في نفس الوقت وهي ” لا إكراه في الدين ” أي أنه لايوجد إجبار للناس بوجوب الاعتقاد بالدين

وتقترب تباشير الخروج ففي صباح اليوم الثامن من أغسطس عام 1988م تأتيه البشارة ” اليوم هو الثامن من آب ( أغسطس ) عام 1988م . أصبح عمري الآن ثلاث وستون سنة . ولقد قضيت حتى الآن خمس سنوات ونصف في السجن ومازال أمامي أقل من نصف مدة الحكم – ثلاث سنوات ونصف – ولا أستطيع سوى التطلع قدماً في خضم الأحداث المتقلبة في الخارج . وحتى ذلك التطلع هو أمر مهم . فإن المشهد مثير ومزعج في نفس الوقت ” – هروبي إلى الحرية – .

ويلوح بنقاءه ” لقد سامحتهم كسياسي ولكنني لم أسامحهم كإنسان ” ! . خرج من السجن وبدأ برحلة جديدة لتأسيس ( حزب العمل الديموقراطي ) ، هرول متنقلا بين المدن ملتقيا بالمؤثرين ، باذلا وسعه وطاقته متحملا الخذلان والانتقاص ليتأسس الحزب بعد عام واحد من الجهد عام 1989م .

وسرت حمى الحزب بين الناس بهدوء وأصبح له شعبية كبيرة جدا ، وأجريت انتخابات في 18 تشرين الثاني ( نوفمبر ) عام 1990م وحصل الحزب على 86 مقعدا من المقاعد الـ 240 في برلمان جمهورية البوسنة والهرسك . وجعل رئيسه للحزب غير متطلع لذلك ” فاز الحزب بانتخابات تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1990 أي بعد عام من بداية العمل لتأسيسه . ولقد كنتُ القائد منذ البداية على الرغم من أنني لم أعرف أبدا السبب وراء ذلك . ولقد قلتُ في نفسي : “ إن كنت أنا الأفضل ، فما الحال التي عليها الآخرون ؟ ” ولكن لربما ليس بالضرورة أن يكون القادة هم الأفضل . فمن أجل أن يكون القائد قائدا لابد أن يكون لديه بعض الفشل الواضح ولقد كان لدي ذلك ” .

1990 – 2000 م كانت الفترة الأصعب والأشد وقعا عليه ، كانت سنة الظهور والعمل السياسي .كانت سنوات نبأت عن رسوب الديموقراطية في أول اختبارات فعلية لها في أوربا ! وتبينت له فكرة كان يدافعها وهي ( محاربة الإسلام ) إلى أن تيقن تماما أن الديموقراطية التي رآها تسمح بكل شيء إلا الإسلام !

عبث القرارات والتخلي عن قضية المسلمين في البوسنة والهرسك ومهزلة خروج الطائرات وعودتها أكثر من مرة والتردد في القرارات ومقابلته لكلينتون بعد إنهاك الحرب وثورة العالم الإسلامي ودخول المجاهدين وحصاره وتأرجح الموازين لصالح المسلمين تارة جعل القرارات تتحرك وتنفذ لأجل مصلحة الصرب أولاً !

وكالندى المنبعث من مهوى أفئدة المؤمنين يصله الصوت ” بوسنة ، بوسنة ، اللهم ساعد إخواننا في البوسنة

يقول عن سفره بعد حضوره اجتماع منظمة المؤتمر الإسلامي غير العادي في جدة عام 1992م : ” رتب المضيفون قبيل عودتنا زيارة إلى مكة المكرمة لأداء مناسك العمرة فارتدينا ملابس الإحرام ثم اتجهنا إلى مكة . إن أية أفكار مسبقة قد شكلها المرء عن الحرم الشريف والكعبة من خلال رؤيتها في الصور أو القراءة عنها تتبخر كلها عندما يراها المرء على أرض الواقع .

لمحت الكعبة من الشارع من بين غابة من الأعمدة . توجهنا بعدها إلى بئر زمزم ، وهناك عرفني بعض الحجاج وبدؤوا يهتفون ( بوسنة ، هرسك ) ثم صليت ركعتين ونظرت إلى جدار الكعبة الطويل ودعوت الله فقلت : ” كان الله في عون شعبي في محنتهم ، وبؤسهم وعزلتهم ، حيث إنهم يعيشون بعيدين عن مركز دينهم ( الكعبة ) ” . 

ومن ثم بدأنا بتطبيق المناسك متبعين تعليمات دليلنا العربي الذي قام بتفريق جميع الحجاج أمامنا لإفساح المجال أمام مجموعتنا لأداء المناسك . وهتف المسلمون الذين جاؤوا من جميع أنحاء المعمورة هتفوا باكين ” بوسنة ، بوسنة ، اللهم ساعد إخواننا في البوسنة ” .

وبعد مداولة القرارات يحل اتفاق دايتون فرضا ” هذا ليس أفضل ما نحصل عليه ، ولكن شيء أحسن من لاشيء ! ” اتفاقية دايتون الشاقة وما بعدها ، المخاطرة بحياته والاستمرار رغم مرضه ، الحرب التي طالما اشمئز منها ” أنا أشمئز من الحرب … لقد كان المبدأ الذي التزمت به ، أو الذي كان علي الالتزام به في تلك الظروف هو أن نفاوض حيث أمكن ، وأن نقاتل حيث يتوجب علينا القيام بذلك
وتمتد يد العداء لتسرق من البدن المريض المقرون بكبر السن أوراق وتقارير مستشفى الملك فيصل لأمر لا تُحسن النوايا حياله !

ولأن الكرسي الرئاسي مجرد مكان لأداء دور مؤثر والوقوف أمام فوهات البنادق ، تركه بعدما صار شبه آمن لمن يقدم نموذجا رائعا للعمل من أجل الوطن لا الكرسي !
ففي عام 2002 قدم استقالته من الرئاسة .

ومزيدا من الجحود يجعل البعض يقدمه للمحاكمة في لاهاي ولولا وضعه الصحي لتقدم ولناصر قضيته كما ناصرها أثناء سجنه ، المحامي البسيط ابتداء إلى المحامي والمجدد لدينه وهويته بعد أن طمرت بيدي السجان !

نهاية الرحلة :
وفي 19/10/2003 م يوم الأحد ، ودع العالم بعدما أكمل دورته في الحياة لمدة 78 عاماً . ليبكيه العالم الإسلامي ، يبكي الابن البار ، وتبكي الإنسانية الإنسان السياسي لا سياسة الإنسانية بالطمع والظلم !
غيب في السجن بدنا ، وغيبه الموت عنا بدنا ، وبقيت روحه مرتفعة عالية حية في التاريخ لأنه من صُناعه . ” الملك الحكيم ” لقب احتفاء الأتراك به .

تتساقط الأوراق كأنها آتية من بعيد
مثل رياض ذابلة في السماء …
تتساقط مع إيماءة مشحونة
والأرض الثقيلة تسقط في الليل
من كل النجوم في وحدتها
نتساقط جميعنا … وتتساقط هذه اليد
انظر إلى الثانية … السقوط يطال الجميع
لكن أحدهم سيهيمن على هذا السقوط باقتدار
( راينر ماريا ريلكة – الخريف )
إلى خالدة ، ليلى ، سابينا وبكر …

علي عزّت بيجوفيتش / مقدمة كتابه ” هروبي إلى الحرية ” .



مؤلفاته – التي أعلمها – :  

الفِكر قاده للسجن ، وما أغبى سجانه قيد بدنه وترك فكره المقصود !

1- الإعلان الإسلامي ( وفي ظني هو نفسه كتاب البيان الإسلامي ولم أطلع عليه ولم استطع الحصول عليه أيضا ) ، يقول عنه : ” على الرغم من أنني كتبته في سراييفو ، إلا أن جُل اهتمام الكتيب كان منصبا على العالم الإسلامي ، وليس يوغسلافية . حتى إنه لايوجد ذكر ليوغسلافية في ذلك النص . وتدور الفكرة الرئيسية في الكتيب حول المبدأ القائل : إن الإسلام هو وحده الذي يستطيع إعادة إحياء القدرات الخلاقة للشعوب المسلمة بحيث يمكنهم مرة أخرى أن يلعبوا دوراً فعالاً وإيجابيا في صنع تاريخهم .

إن الأفكار الغربية غير قادرة على فعل ذلك . ولقد هوجمت هذه الرسالة على أنها أصولية حيث أنها كانت كذلك فعلا ، ولكن من وجهة النظر التالية :
لقد دعت إلى العودة إلى الأصول والمنابع ، ونددت بأنظمة الحكم القمعية ، ودعت إلى مزيد من الإنفاق على التعليم ، وشجعت على تحسين وضع المرأة ، ودعت إلى الابتعاد عن العنف ، وضمان حقوق الأقليات . ولقد تلقى الغرب الكتيب بشيء من التحفظ . وأعتقد بأنهم لم يقدروا أن يتحملوا وجود الإسلام في صميم الحل وصلب الموضوع
.

2- الإسلام بين الشرق والغرب :
وهو الثورة الفكرية والعمق الفكري وإن أثنى على الكتاب الأكابر في الفكر فلنعلم أنه جدير بالإطلاع ، يقول عن كتابه : ” ولقد شرعت خلال الفترة- يقصد ما بعد سجنه الأول – في كتابة ( الإسلام بين الشرق والغرب ) . وأستطيع القول : إنني قد شرعت في ذلك الكتاب قبل ذلك بكثير ومنذ عام 1946 قبل دخول السجن بقليل . فلقد بقيت المخطوطة الأصلية للكتاب مخبأة لأكثر من عشرين عاماً . قامت أختي أزارا ( التي توفيت عام 1997م ) بإخفاء المخطوطة بعد اعتقالي مباشرة حين خبأتها تحت العوارض الخشبية في عليّة منزلنا . وعندما عثرت عليها فيما بعد كانت عبارة عن لفة أوراق شبه مهترئة . قمت بإضافة معلومات جديدة وأعدت كتابتها وصياغتها وأرسلتها إلى صديق في كندا . وقام ناشر أمريكي بنشر الكتاب أخيراً في عام 1984م عندما كنت في السجن أقضي مدة سجني الثانية لمدة 14 عاماً مع الأشغال الشاقة .

لقد كان هدفي في ذلك الكتاب هو أن أدرس المكانة التي يحتلها الإسلام في أفكار وحقائق عالم اليوم . ولقد بدا لي أن الإسلام يقع ما بين التفكير الشرقي والغربي تماماً كما هي حال الموقع الجغرافي للعالم الإسلامي ، حيث يقع ما بين الشرق والغرب . ولقد حاولت أن أبين أن بعضاً من الأفكار العامة والقيم هي أفكار وقيم تشترك فيها الإنسانية جمعاء
وقال في ” هروبي إلى الحرية ” أنه أضاف إليه فكرة تتمحور حول ( نظرية الطريق الثالث ) كما وضحها في كتابه .

3- هروبي إلى الحرية :
كما تقدم أثناء عرض شيئا من سيرته في الأعلى .

4- مشكلات النهضة الإسلامية

الجوائز التي حصل عليها :
” – جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام 1413هـ / 1993م .
– جائزة مولانا جلال الدين الرومي لخدمة الإسلام من تركيا .
– جائزة الدفاع عن الديموقراطية الدولية من المركز الأمريكي للدفاع عن الديموقراطيات والحريات .
– جائزة دبي للقرآن الكريم ” ( إسلام أون لاين )



المرجع الأساس لما مضى :
·ك : علي عزت بيغوفيتش : سيرة ذاتية وأسئلة لا مفر منها لـ علي عزت بيغوفيتش – دار الفكر / دمشق – ط1 – 1424هـ / 2004 م . ترجمت إلى الإنجليزية من قِبل ( صبار سال الدين و ياسمينة عزت بيغوفيتش ) ثم إلى العربية من قِبل ( د . عبد الله الشناق و د . رامي جرادات ) .
·
·ك : هروبي إلى الحرية لـ علي عزت بيجوفيتش – دار الفكر / دمشق – ط 2 1424هـ / 2004م . ترجمة : إسماعيل أبو البندورة .

·موقع إسلام أون لاين .

__________
[1] أعتقد أنه يقصد قوله تعالى ” فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ” من سورة ق والله أعلم بمراده ( المرجع : هروبي إلى الحرية )