بسم الله الرحمن الرحيم

علاقة الدين بالدولة : وجهة نظر إسلامية


بحث علمي للشيخ : عبد الله بن بيه

” قال إمام الحرمين: في معنى الإمامة ووجوب نصب الأئمة وقادة الأمة:

الإمامةُ رياسةٌ تامة، وزعامةٌ عامّة، تتعلق بالخاصة والعامة، في مهمات الدين والدنيا. مهمتها حفظُ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامةُ الدعوة بالحجة والسيف، وكفُّ الخيف والحيف، والانتصافُ للمظلومين من الظالمين، واستيفاءُ الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين[2].

-العلاقة يمكن أن تتصور على ست مستويات:

المستوى الأول: اندماجٌ كاملٌ بمعنى أنَّ نظامَ الدولة يعتمد على النصوص الدينية، وتمارسه سلطةٌ مفوضة من الإله، معصومة، هذا هو مفهوم الثيوقراسية.

المستوى الثاني: نظامٌ يقوم على نصوص دينية يمارسُ السلطةَ فيه علماءُ دينٍ لكنهم ليس لهم تفويض إلهي، فهم لا يمارسون أعمالهم باسم الإله ولا نيابة عنه، ولكنهم يسعون ليكونوا أقرب ما يمكن لروح التعليمات الإلهية.

المستوى الثالث: أنْ يكون التشريعُ مستمداً من النصوص الدينية، ولكن الذين يمارسون السلطةَ فيه ليسوا علماء دين، ولا رجال دين، بل مدنيون ملوك أو قادة جيوش، تارة باسم النسب والعصبية ، وتارة عن طريق القوة والغلبة.

ملاحظة مهمة: إنهم يستمدون شرعيتهم من الدين، ويفسحون المجال لفقهاء الدين لممارسة القضاء والفتوى والتوجيه، وبالتالي تنشأ طبقة الفقهاء موازية لطبقة السلطان.

المستوى الرابع: نظام لا يكون التشريع فيه مستمداً من نصوص الدين؛ لكنه يعترف بمرجعية دينية للشعب أو للدولة، قد يستمد بعض قوانينه من الشريعة كالأحوال الشخصية مثلاً ، وفي نفس الوقت يمارس وصاية على المؤسسات الدينية كالمدارس الدينية ودور العبادة، وفي مقابل ذلك فإنه يتحمل التكاليف المادية اللازمة لتشغيل المؤسسات، ونتيجة لذلك قد يضمن ولاءَ مجموعة من رجال الدين، وقد يَسنُّ قوانين تهتم بالأخلاق أو بالشعائر ويكسب بذلك شيئاً من الشعبية إنْ لم نقل شيئاً من الشرعية مثال المحافظين الجدد وبعض الدول الإسلامية.

المستوى الخامس: دولةٌ تطبق نظاماً مدنياً كاملاً، وتجعل الدين شأناً خاصاً لا علاقة له بالمجال العام ولكنها لا تعارضه: “دولة علمانية”.

المستوى السادس: دولةٌ لا دينية وتناصب الدين العداء؛ بحيث تتدخل في الشئون الدينية تحجيماً وتقليصاً، وقد كان لهذا دعاةٌ في أوربا في وقت من الأوقات ومثاله الدول الشيوعية وتركيا الكمالية.

هذه هي المستويات في التعامل والتفاعل التاريخي بين الدين والدولة، وهو أمرٌ لا يزال له نوع من الوجود في العالم المعاصر، ولا يزال موضوع نقاش في كثير من الأوساط الثقافية في العالم الإسلامي وخارجه في الجانبين العملي والنظري مع بروز التيارات الإحيائية إلى جانب التيارات العلمانية المغالية.

يمكن أنْ نقول إنَّ الدولةَ في الإسلام ليست دولة دينية بالمعنى التيوكراسية المفهومة في الغرب وبخاصة بعد انتقاله عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى، أما في زمن النبي الخاتم فلقد كان يمكن وصفها بذلك؛ لأنه ناطق بالوحي متصرف بإذن الله تعالى مهما يكن من تفسير لتصرفاته.

وإنْ كان البعضُ يراها دولةً مدنيةً أو دولةَ مواطنين فإني شخصياً لا أتصور دولةً مدنيةً بالمعنى الغربي يُديرها نبيُّ مرسلٌ ، إنها دولةٌ دينيةٌ.

أما بعد زمنه فليست كذلك بل إنها دولة يحكمها علماء دين في زمن الخلفاء وهذا هو المستوى الثاني الذي أشرنا إليه في العلاقة بين الدين والدولة، فهم ليسوا ناطقين باسم الإله ولا نواباً عنه يفسر ذلك قوله r آمراً لجنده: وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا “.

لتتمة البحث ( هـــــــــــــنـــــــــــا )