العودة لمصر والذئاب الثلاثة

حينما عدت إلى مصر من الولايات المتحدة عام 1969 بعد حصولي على الدكتوراه ، كنت ممتلئاً ثقة بمقدرة الإنسان على تغيير واقعه وإقامة العدل في الأرض . كما كان عندي مشروعي الواضح : أن أصبح ناقداً أديباً يربط الأدب بتاريخ الفكر وتاريخ الفكر بالتطور الاقتصادي في المجتمع ، ويحاول أن يحل معضلة علاقة البناء التحتي ( الاقتصادي ) بالبناء الفوقي ( الفكري والأيديولوجي ) ، وأن يحاول الإجابة عن السؤال التالي : كيف تعبِر الأفكار في خصوصيتها وتركيبتها وذاتيتها عن البناء التحتي في عموميته المادية و وجوده الموضوعي ، وكيف يمكن أن نقفز من الواحد إلى الآخر ؟ ( وهي إشكالية مرتبطة تمام الارتباط بالنماذج كأداة تحليلية وبإشكالية علاقة الإنسان بالمادة ) . وقد عبَّر جان بول سارتر Jean Paul Sartre عن القضية نفسها بطريقة أبسط وأكثر مباشرة حين قال : إذا كان بول فاليري Paul Valerie بورجوازياً صغيراً ، فلم لم يصبح كل البورجوازيين الصغار بول فاليري ؟ فمشروعي الأدبي كان مشروعاً فكرياً بالدرجة الأولى . ( ولذا فالتحول من دراسة الأدب إلى دراسة الصهيونية – كما سأبين لاحقاً – لم يكن تحولاً جذرياً كما قد يتراءى للبعض ، إذ إنني حين بدأت في دراسة الصهيونية حملت معي إشكالياتي النظرية والمنهجية ، والموضوعات الأساسية في فكري مثل نهاية التاريخ وفكرة الخصوصية ) .

وعند عودتي إلى مصر ، حاولت قدر استطاعتي أن أندمج في المجتمع ، أي أن أعود له بالمعنى الأخلاقي والحضاري ، لا بالمعنى المادي وحسب . فكنت أحاول تحاشي الحديث باللغة الإنجليزية قدر استطاعتي خارج منزلي ( أما في المنزل ، فكنا نحاول التحدث بالانجليزية حتى لا تتحول إلى لغة ميتة وحتى أحتفظ بلياقتي اللغوية كأستاذ للأدب الإنجليزي ) . وكنت أدخن البايب ، فقرر استبعاده من حياتي ( أما السيجار فأنا لا أدخنه إلا نادراً ، ولذا فهو لا يشكل مشكلة أو أدخنه في شرفتي مع زوجتي أو مع من أحب ) . وكنت أحب ارتداء الشورت في الصيف ، ولكنني أردت أن أعرف استجابة المجتمع لهذه العادة ، فبست الشورت يوماً وسرت في السوق ، وطلبت من أحد العاملين في منزلي أن يسير على مقربة مني ، ويخبرني بانطباعات الناس ، أي أنني قمت ” بدراسة ميدانية على الطبيعة لاستجابة المصريين العاديين للشورت ” ، كنت أنا فيها الملاحِظ والملاحَظ . وحسب تقريره لم تكن الانطباعات إيجابية ، ولذا قررت ألا ألبس الشورت إلا في منزلي .

ولكن التكيف مع المجتمع على هذا المستوى كان من أسهل الأمور ، إذ كان هناك معرفة أخرى دارت في داخلي ، فقد هاجمتني ثلاثة ذئاب شرسة ( هكذا أسميها ) ظلت تنهشني بعض الوقت : ذئب الثروة وذئب الشهرة والذئب الهيجلي المعلوماتي . أما الذئب الأول فهو ذئب براني تماماً ، وهو ذئب الثروة الذي يعبَّر عن نفسه في الرغبة العارمة في أن أكون ثرياً . فقد أتيت من عائلة تجارية ، مصدر الشرعية فيها هو الثروة ، ومن هنا إن لم يحققها المرء ، انتابته المخاوف واهتزت ثقته بنفسه . ولكن كان من السهل علي أن أتغلب على هذا الذئب ، وأن أقرر أن مشروعي لمستقبلي ربما لا يأتي بالثروة ولكنه سيأتي بالحكمة ، وأن أسلوب حياتي بما فيه من آفاق ثقافية واسعة وعلاقات إنسانية دافئة أفضل بكثير من حياة التراكم الرأسمالي بما فيها من أحادية وتنافس ( ولعل هذا جزء من ميراث أمي ومجتمع دمنهور التراحمي ) .

ومما ساعدني على اتخاذ قراري أنني لاحظت أن أبناء الأسرة حينما كانوا يحضرون إلى منزلنا كانوا يرفضون العودة إلى منازلهم ، إذ كانوا يسعدون كثيراً بأسلوب حياتنا . فقد كنا نأخذهم إلى الحدائق القليلة المتبقية في القاهرة ( حديثة الأورمان – حديقة الأندلس – القناطر الخيرية ) ونذهب إلى المتاحف المختلفة ( متحف السكة الحديد – متحف البريد – متحف العربات الملكية – متحف في أرض المعارض [ أرض الأوبرا الآن ] أظنه متحف الحضارة المصرية ومحلق به قبة سماوية – المتحف الزراعي – المتحف الإسلامي – الأنتكخانة – المتحف القبطي – متحف الفن الحديث ) . كما كنا نزور آثار القاهرة الكثيرة الإسلامية والفرعونية والقبطية ، غير الرحلات الشراعية في النيل . فأسلوب حياتنا كان يشعرهم بالامتلاء ، ويشعرني في الوقت ذاته بأن ذئب الثروة لا يمكنه أن يمنحني كل هذه الأشياء . وقد ذكرني هذا بواقعة حدثت لأستاذي في الولايات المتحدة ، فقد كتب سيناريو لفيلم ( قال لي إنه أساساً عني ) وذهب لهوليود لتسويقه ، وقد بدأ في تحقيق بعض النجاح . وفي أحد الأيام كان في منزل أحد كبار المخرجين في حفلة كوكتيل ليقابل أحد وكلاء الفنانين ليعرض عليه فيلمه . وفي أثناء الحديث اكتشف أستاذي أن هذا الوكيل لم يكن قد سمع قط عن أرسطو ، ففزع أستاذي ، وأنهى زيارته لأنه كما قال : ” لم يتخيل أنه سيقضي بقية حياته مع بشر من هذا النوع ” . هذه القصة ترسخت في وجداني وساعدتني على هزيمة ذئب الثروة . وأصبح هدفي هو أن أحقق ذاتي حسب الشروط التي تمليها رؤيتي لذاتي ، وأن أحصل من المال ما يكفي لأن يحقق لي شيئاً من التحرر من تفاصيل حياتي اليومية ولأن أمول حياتي الفكرية وأنجز مشروعي المعرفي . ولذا أردد دائماً أن المال يشكل عبئاً على البعض ، يفنون حياتهم في جمعه ، أما بالنسبة لي فالمال حرية .

وقد نجحت إلى حدٍ كبير في توظيف المال بدلاً من أن يوظفني . فلم أضطر قد إلى أن أقوم بعمل يتناقض مع مشروعي الفكري أو يعوقه ، ولم أعمل إلا في وظائف أقوم بتوظيفها لخدمته . فكنت أقوم بإلقاء محاضراتي في كلية البنات ولم أزد ( إلا محاضرتين إضافيتين أو أربعاً كنت أقبل تدريسها منتدباً في كلية الآداب حتى أخرج من نطاق كلية البنات ) . وقد نجحت في أن تكون هذه المحاضرات جزءاً من حواري الفلسفي مع نفسي ، أي جزءاً من مشروعي المعرفي . وقد اخترت محل إقامتي عبر الشارع من كلية البنات بحيث لا أضيع أي وقت في الانتقال ، ولم أشغل قط أي منصب إداري من أي نوع طيلة حياتي ، فلم أعمل رئيساً للجنة أو لقسم أو وكيلاً أو عميداً لكلية . وقد عملت مستشاراً ثقافياً للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة في نيويورك ، ولكن وظيفتي مرة أخرى أصبحت مجرد إطار لتحقيق مشروعي المعرفي ( بداية تحديث موسوعة 1975 ) وحينما عرض عليّ أن أعمل في هيئة الأمم المتحدة براتب ضخم ، آثرت البقاء في وظيفتي والتضحية بالراتب الضخم لأن الوظيفة الجديدة كانت ستستوعب كل وقتي ، كما أنها كانت تتعارض كلية مع مشروعي الفكري .

هذا لا يعني أنني لم أعرف شظف العيش . فحينما ذهبنا إلى الولايات المتحدة عام 1963 اضطررنا – كما أسلفت – إلى أن نعيش أنا وزوجتي في فندق رخيص قذر . وفي الشتاء اضطررنا إلى شراء معاطف مستعملة لاتقاء برد نيويورك ، فلم يكن معنا ثمن المعاطف الجديدة . وحينما انتقلنا إلى جامعة رتجرز كنا نضطر للسير مسافات طويلة في البرد القارس ، بل في الثلج ، للوصول إلى الأتوبيس ( فلم يكن معنا ثمن السيارة ) . وقد اضطرت زوجتي أن تعمل لتقدم لنا بعض العون المالي . كما اضطرت إلى أن تعود من المستشفى بعد أن وضعت نور بأربعة أيام في مترو الأنفاق في نيويورك ( وكان طريقة للمواصلات متوحشة في الستينيات ) . كما أنها كانت تحمل ابنتنا في المواصلات العامة وتذهب بها من نيوجرسي إلى نيويورك للتمتع بالخدمة المجانية بعد الولادة .

ولم أترفع قط عن القيام بأي عمل ، ولم أمانع على سبيل المثال في أن أعمل عضواً في فرقة مكافحة الحريق بمصنع الكابلات في نيو برونزويك . وقد استأجرنا هذا المصنع لا لمكافحة الحريق وإنما ليخبر شركة التأمين بذلك ، لتخفيض أقساط التأمين . فالعمل الذي أوكل لنا لم يكن عملاً حقيقياً ولا يستنفد أي وقت ، فقد كان يتخلص في أن نمر على المصنع كل ساعة ، ثم نكتب في كراس عبارة ” كل شيء على ما يرام ” . وكانت هذه العملية تستغرق حوالي خمس دقائق . أما بقية وقتنا فكنا نقضيه في القراءة والكتابة يومي السبت والأحد ، حينما يكون المصنع مغلقاً ، ونربح فيه بضعة دولارات ننفقها في المتاحف والمسارح . وقد رقيت إلى أن أصبحت رئيساً للفرقة . فاستأجرت كل أصدقائي من طلبة الدكتوراه ليعملوا أعضاء فيها ، وكان من بينهم كافين رايلي بطبيعة الحال . وكان مدير المصنع يتباهى بأن فرقة مكافحة الحريق في مصنعه تتمتع بأعلى مستوى تعليمي في العالم ، وكان محقاً في تباهيه هذا .

ولم يكن الأمر يخلو من مصاعب . فمرة ألقيت محاضرة في ذكرى مالكوم إكس في الجامعة ، فنشرتها الصحف المحلية وذكرت اسمي . فاستوقفني مدير المصنع ( وكان رجلاً رجعياً من ولاية تكساس ) وسألني : ” ألست أنت الشخص الذي كان يثير القلاقل في الجامعة بالأمس ؟ ” ومثل هذه التهمة كفيلة بإقصائي من منصبي المريح المربح . فأنكرت بطبيعة الحال . فسألني عن اسمي ، فهداني الله إلى أن أخبره عن اسمي الرباعي وبمخارج الحروف العربية وبسرعة ، فاضطرب الرجل وفقد اتزانه ، وقال إنه لابد أن يكون شخصاً آخر .

ومما ساعد على ترويض ذئب الثروة بل تدجينه تماماً ، أن زوجتي لحسن الظن ، لم تراودها أحلام الثروة ولم تعان من أي نزعات استهلاكية . ( من الأمور المضحكة ، أنها مصابة بحساسية من نوع فريد ، إذ يصفر وجهها وتعطس حينما تمكث مدة طويلة داخل أحد المحلات ، وهي حساسية يحسدني عليها كثير من الأزواج المصريين . واقترح على أحدهم أن أقرضه الفايروس العظيم الذي يتسبب في هذه الحساسية المباركة ) . اكتشفنا ، على سبيل المثال ، حينما انتهيت من الموسوعة أننا لم نتناقش قط فيما كنت أدفعه من تكاليف . كما أنني حين قررت الاستقالة من الجامعة لإتمام الموسوعة ، وافقت على قراري بعد مناقشة دامت خمس دقائق ، برغم ما كان يعنيه ذلك من أن الأسرة ستصبح دون دخل ثابت . وبعد حرب الخليج حينما أصبح من ” حقي ” العودة لوظيفتي ( باعتبار أنني كنت أعمل في الخليج ) ناقشنا الأمر لبضع دقائق أخرى ووجدت أنه لابد من الاستمرار في التفرغ لأنهي الموسوعة ( وأسمي هذا ضرباً من الجنون المقدس الذي أصابني وأصاب زوجتي ، ولولاه ما انتهيت من الموسوعة ) . ولم يكن من الصعب أن تقنع زوجتي طفلينا برؤيتها غير الاستهلاكية . ولعل تحييد النقود بهذه الطريقة قد جعلني أتفرغ ذهنياً للبحث والتأمل ، إذ لم أعد مشغولاً بأمور الدنيا مباشرة .

وقد هزمت ذئب الثروة تماماً إلى درجة أن ” حمل ” الإحساس بالذنب من الثروة قد أمسك بتلابيبي بعض الوقت . فبرغم حدودي المالية ، فإنني أشعر بالذنب من أجل أصدقائي الذين دخلوا طاحونة المحاضرات الإضافية لتحسين دخلهم . وكان الإحساس بالذنب قوياً إلى درجة أنني لم أتمكن من أن أخط حرفاً واحداً لمدة عام تقريباً . ولم يشفني من هذا ” الحمل ” إلا اكتشافي أن هناك من أقراني من هم أكثر مني ثروة ، ومع هذا يتكالبون على المال بشكل مقزز ولا يخطون حرفاً . حينئذ اكتشفت أن التأليف والثروة أمران منفصلان ، وأن الثروة قد تكون عنصراً مهماً ولكنه لا يؤدي بالضرورة إلى التأليف . وعلى كل ظل حمل العداء للثروة معي بعض الوقت ، وكنت أمول كل أعمالي الفكرية تقريباً ، والعائد المالي لمثل هذه الأعمال ، كما هو معروف ، ضئيل للغاية . وكما قال أحد الناشرين لصديق أفنى عمره في إعداد موسوعة عن الموسيقى ، قال له وهو يعرض عليه ألف جنيه لا أكثر ولا أقل : ” لكم المجد ولنا الثروة ” !

أما الذئب الثاني ، فهو أقل بَرَّانية ومادية ، وهو ذئب الشهرة الذي يعبِّر عن نفسه في الرغبة العارمة في أن أصبح من المشاهير . وحينما عدت للمرة الأولى من الولايات المتحدة الأمريكية لم أواجه ذئب الشهرة ، إذ إنني وجدت نفسي أكتب في الأهرام وأتحدث في الإذاعة والتلفزيون ومسئولاً عن وحدة الفكر الصهيوني في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية . وأصبحت أحد كتَّاب الأهرام المنتظمين ، وكل ما كنت أكتبه كان يجد طريقه للنشر في إحدى المجلات ، وكلما شُكلت لجنة ما ( مثل لجنة إصلاح تدريس اللغة الإنجليزية ، على سبيل المثال ، أو حتى إصلاح العالم ) ، كنت أجد نفسي عضواً فيها ؛ وإذا عُقد مؤتمر لمناقشة الكتب الدراسية في الأرض المحتلة أو لأي موضوع آخر ، كنت أُدعى له . ولذا كان عليّ ، في كثير من الأحيان ، أن أرفض التعيين في بعض هذه اللجان أو الذهاب لبعض هذه المؤتمرات ( إن كانت لا تصب في مشروعي المعرفي ) . ولذا فذئب الشهرة داخلي كان منتشياً ، نائماً سكران من النشوة .

ولكنه استيقظ وبكل ضراوة عام 1979 حينما عدت للمرة الثانية من الولايات المتحدة الأمريكية . وكان جو التطبيع سائداً في القاهرة ، وبطبيعة الحال لم أسترد مكاني في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية في الأهرام ( وكما قال لي مدير المركز آنذاك إن عودتي له تعني القيام بالهارا كيري [ أي الانتحار على الطريقة اليابانية ] . فكان ردي عليه أن الحياة حسب الشروط المهينة التي قد يضعها الآخرون ليست أمراً عظيماً على أي حال ، وقد يكون الانتحار هو أحسن اختيار . والانتحار في هذه الحالة ليس انتحاراً وإنما استشهاد في سبيل رسالة ) . وبطبيعة الحال لم أُدع للحديث في الإذاعة والتلفزيون ، وبدأ بعض المذيعين ، ممن كنت ضيفاً دائماً على برامجهم ، يخافون حتى من الحديث معي . بل إنني كنت أجد صعوبة بالغة في دخول مبنى الأهرام ، وكان عليّ الاتصال بمساعدتي السابقة للتوسط لي . باختصار شديد وجدت نفسي نكرة ، ومن ثم بدأ جوع ذئب الشهرة ونهمه يتزايدان . وقد أخذ رد فعلي بهذه الصدمة الحضارية شكلاً فريداً ، إذ بدأت في الاهتمام بالعمارة الداخلية لمنزلي ، وبدأ في اقتناء الأشياء القديمة ، إلى درجة الهوس . ثم دارت المعركة بيني وبين هذا الذئب . فجلست مع نفسي لأكتشف أنني أحب الشهرة نعم ، ولكن رغبتي في الشهرة نابعة من رغبتي في حماية نفسي حتى يمكنني الانتهاء من مشروعاتي المعرفية . والمشاهير ، كما كنت أظن واهماً آنذاك ، لا يمكن أن يزج بهم في السجن ببساطة . كما أن الشهرة ستكون وسيلة ناجعة لإشاعة وتوصيل ما عندي من أفكار أعتقد أن لها قيمة ما . ولذا إن حاولت أن أشبع ذئب الشهرة داخلي حسب الشروط التي يفرضها العالم الخارجي ، فأكون كمن كسب المعركة وفَقَد الحرب . و ويل للمرء الذي يربح كل شيء ويخسر نفسه . حينئذ أخبرت ذئب الشهرة داخلي أنني لا أمانع في الشهرة حسب شروطي ، تماماً كما أنني أحب الثروة بمقدار ما تخدمني . وهكذا صرعت ذئب الشهرة داخلي ، وقبلت أن أعيش بعيداً عن الأضواء ، خاصة حين بدأت في كتابة الموسوعة بما كانت تتطلبه من عزلة شبه كاملة أحياناً .

بقي بعد ذلك أهم الذئاب وأكثرها خطورة و ضراوة وجوانية ، وهو الذئب الهيجلي المعلوماتي ، وهو ذئب خاص جداً ، جواني لأقصى درجة ، يعبِر عن نفسه في الرغبة العارمة في أن أكتب كتاباً نظرياً ، إطاره النظري واسع وشامل للغاية ولكنه في الوقت نفسه يتعامل مع أكبر قدر ممكن من المعلومات والتفاصيل ، إن لم يكن كلها . أي أنني كنت أمع في كتابة عمل يصل إلى أعلى مستويات التعميم والتجريد والشمول ، وفي الوقت نفسه تصل إلى أقصى درجات التخصيص والدقة . وهذه صيغة مستحيلة لأنه إن اتسعت الرؤية ضاقت العبارة ، فما بالك برؤية بانورامية متسعة في غاية الاتساع وتفاصيل دقيقة في غاية الدقة . ويبدو أن هذا الذئب الهيجلي المعلوماتي كان يطاردني منذ طفولتي ، فقد كنت أنوي أن أحصر كل ما تبقى من كتب لم أقرأها في مكتبة البلدية بدمنهور ( بحُسبان أنها تحوي كل المعرفة الإنسانية ) حتى يمكنني أن أعرف كل ما خطته يد البشرية ! وأذكر في شبابي أنني بدأت في كتابة تاريخ الشعر الإنجليزي منذ البداية حتى النهاية من منظور ماركسي . أقول ” بدأت ” لأنني لم أنته منه قط ، بل لم أجاوز الصفحة الثالثة ! وقد أصبت بصدمة عميقة ، في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب في جامعة الإسكندرية ، حين عرفت أن أحد أساتذتي لم يكن قد قرأ الأعمال الكاملة لشكسبير ! وحين بدأت كتابة رسالتي للماجستير مع الدكتور محمد مصطفى بدوي عن أثر الشعر الرومانتيكي الإنجليزي وبودلير على جماعة أو للو وبخاصة إبراهيم ناجي ، ظهرت نزعتي الهيجلية المعلوماتية بشراسة ، فكنت أريد أن أقرأ كل شيء كمقدمة لكتابة الماجستير . فقرأت المعلقات وكثيراً من عيون الشعر العربي ، وبخاصة شعر المتنبي ، وكتبت دراسة عن الانقطاع في الشعر العربي . ثم قرأت كثيراً من الأعمال النقدية للعقاد والمازني وطه حسين وإبراهيم المصري ، وكتبت دراسة مطولة في الموضوع ، وقرأت بعض عيون التراث آنذاك . وبدأت في كتابة دراسة في شعر خليل مطران ، وأنهيت دراسة عن ترجمة ناجي لديوان أزهار الشر لبودلير وأثرها عليه . كما كتبت الدراسة التي قدمتها لبروفسير إيان جاك عن ” الانتقال من الكلاسيكية الجديدة إلى الرومانسية ” . وكان الدكتور بدوي يتركني أكتب ما أريد ، ولم ينقذني مؤقتاً من براثن الذئب سوى ذهابي إلى الولايات المتحدة .

وقد صرع هذا الذئب مجموعة من أعز أصدقائي أمام ناظري ، مات بعضهم دون أن ينبس ببنت شفة ، رغبةً منه في أن يحقق هذه الصيغة المستحيلة : عمل نظري شامل مجرد ينتظم كل المعلومات الممكنة . ولعل صديقي الأستاذ علي زيد – رحمه الله – مثل فريد على ذلك . كان – رحمه الله – يعرف كل شيء تقريباً ، ولا يعرفه كمعلومة ، وإنما في إطار نظري شامل كان يزداد اتساعاً على مر الأيام . كما أنه كان يعرف الكثير من اللغات الأوربية ( الإنجليزية – الفرنسية – الإسبانية – الإيطالية ) وكان تملكه لناصية اللغة العربية شيئاً مذهلاً . كنت كلما أطلب منه كتابة مقالة يجلس ليتحدث عن موضوعها ساعات طوالاً ، ويأتي بأطروحات مذهلة . ثم يذهب لكتابة المقال ، فيأتي بعشرات الكتب ويبدأ في البحث وتتسع الرؤى إلى ما لا نهاية ، فيلتهمه الذئب . وهذه إشكالية لا يواجهها متوسطو الذكاء ، فبعضهم يحشد التعميمات التي لا يربطها رابط ( أسميهاً ” أفكاراً ” في مقابل الفكر ) ، والبعض الآخر يحشد المعلومات التي لا يربطها رابط أيضاً . وأمثال هؤلاء يخطون بضعة كتب ( ” ويرص كلاماً فوق كلام تحت كلام ” على رأي صلاح عبد الصبور ) تُنشر مع مئات الكتب الأخرى التي تصدر ويقرؤها البعض ثم تموت . وهم يعيشون حياتهم في سعادة بالغة ورضا تام ! لكن أن يحاول المرء الجمع بين أعلى مستوى التعميمات وأدنى مستويات التخصيص فهذا مستحيل ، والمصير هو الفشل النبيل والصمت الدائم .

استمر الذئب الهيجلي المعلوماتي متربصاً بي ، وإن كان والحق يقال قد تم ترويضه قليلاً في الولايات المتحدة حيث كان علي أن أكتب أبحاثاً قصيرة لمقررات الدراسة العليا تقدم في نهاية كل فصل دراسي ، تعلمت من خلالها أنني لابد أن أكبح جماح ذاتي وإلا لما انتهيت من شيء . كما أن أستاذي المشرف على رسالة الدكتوراه كان لا يسمح لي بالانطلاق في أي اتجاه . فبعد أن كتبت دراسة مطولة عن وردزورث وويتمان وأصولهما التاريخية والدينية والفكرية ، أخبرني أن هذه ” الخلفية ” لا علاقة لها بالرسالة ذاتها ، وأنني بوسعي أن أقرأ ما يحلو لي بخصوص ” الخلفية ” ، طالما أن ما أقرأ له علاقة بموضوعي الأساسي ( الوجدان التاريخي و الوجدان المعادي للتاريخ ) ، ولكن على ألا أكتب سوى النزر اليسير عن هذه الخلفية ، لأنها ليست موضوع اختصاصي . كما أنني لاحظت أنني لو قرأت كل ما كتب عن موضوع تخصصي ( من مقالات ورسائل دكتوراه وكتب ) لقضيت سحابة أيامي أقرأ وأستوعب وأقرأ دون أن أنتج شيئاً .

ويظهر ترويض الذئب الهيجلي المعلوماتي في النصيحة التي أسديتها لصديقي كافين رايلي . فقد كان يكتب كتابه الغرب والعالم ، والذي استغرق معظم حياته الفكرية ، وكان لا يكف عن الإضافة والتعديل ولا يجرؤ على نشره . فأخبرته : ” كافين ، يحين وقت في حياة الإنسان ، يكون الكتاب الوحيد الذي يستحق القراءة هو الكتاب الذي يؤلفه ” . وهي عبارة تهدف إلى أن أبين له أن المعرفة لا حدود لها وأن المعلومات بحر يمكن أن يبتلع المرء ، ومن هنا يجب أن يتوقف المرء عند نقطة ما . وقد كان ، إذ توقف كافين ونشر كتابه ، وحقق نجاحاً كبيراً وذيوعاً منقطع النظير .

وفي هذه الآونة ، قرأت قصة قصيرة لكاتب أمريكي ( اسمه ألان سيجر Allan Seager ) بعنوان ” عن هذه المدينة وسلامنكا This Town and Salamanca ” وتدور أحداث القصة حول رهط من الشباب ينشئون في نفس المدينة ، ولكن أحدهم كان بوهيميّا ، لا يتردد في الانتقال من بلده إلى مدن وموانئ بعيدة ( سلامنكا هنا هي رمز هذا العالم البعيد الذي يرتاده صاحبنا ) . وكان صاحبنا يعود من آونة لأخرى ليقص على رفاقه قصص المغامرات المختلفة التي خاضها . أما هم فيبقون في مدينتهم ليعلموا أبناءها وليبنوا بيوتاً وجسوراً . وتدعونا القصة للإعجاب بالبطل البوهيمي ، ولكن تعاطفنا الحقيقي يتوجه لهؤلاء الذين بقوا وعلموا وبنوا . وقد تعلمت من هذه القصة أن التحليق البانورامي ليس دائماً صفة إيجابية ، وأنه يمكن أن يقنع المرء بالقليل وينجزه . ولذا حين عدت من الولايات المتحدة كان عندي ثلاث متتاليات : أن أكون ناقداً أديباً جامعياً وأباً وزوجاً متميزاً ، فإن أخفقت فلأكن أستاذاً جامعياً وأباً وزوجاً متميزاً ، فإن أخفقت فلأكن أباً وزوجاً متميزاً . وغني عن القول أن متتالية حياتي كانت مختلفة عن ” خطتي ” ( فلم أصبح ناقداً أديباً ولم أستمر في التدريس في الجامعة ، ولا أدري هل كنت أباً وزوجاً متميزاً أم لا ، ولأترك الحكم لأولادي وزوجتي ) . ولكن المهم أنني روضت الذئب الهيجلي ، والنزعة النيتشوية الفاوستية : أن أجوب كل الآفاق وأن أجر كل التجارب وأن أجاوز كل الحدود ، وبدلاً من ذلك ، قبلت الحدود الإنسانية واحتمالات الانتصار والانكسار .

وبرغم إدراكي لمخاطر الذئب الهيجلي ، وبرغم نجاحي في ترويضه ( ومن هنا نجحت في نشر بعض الكتب التي لا تحتوي على دراسات ” شاملة كاملة ضخمة ” … إلخ ) ، فإنه ظل رابضاً داخلي ، فكنت كلما انتهيت من إحدى دراساتي عن الصهيونية ، أعلن أن هذه آخر دراسة ، أملاً في أن أبدأ دراستي النظرية الشاملة والتطبيقية في ذات الوقت . ومع هذا ظلت الصهيونية ( كموضوع للدراسة ) تلاحقني ، وكلما انتهيت من كتابة دراسة ما عن الصهيونية كنت أجد نفسي مضطراً لكتابة الثانية ثم الثالثة وهكذا ( كنت أشعر أحياناً أن من يدفعني إلى ذلك هو الله سبحانه وتعالى ، وأن هذه مشيئته ) . وقد قررت عام 1984 أن أذبح الذئب الهيجلي المعلوماتي تماماً ، فقبلت الاستمرار في الكتابة في حقل الصهيونية وحسب ، أي أنني تخليت عن المشروع النظري التطبيقي الطموح . والطريف أنني حينما فعلت ذلك ، تداخلت كل الأطروحات الأيديولوجية والفلسفية ( وهي على كلٍّ كانت متداخلة منذ البداية ) وتبلورت النماذج التحليلية ، وبدأت أحاول الإجابة عن التساؤلات التي تطرح نفسها عليّ من خلال دراساتي في اليهودية واليهود والصهيونية التي تحولت تدريجياً من الموضوع الأساسي للموسوعة إلى مجرد ” دراسة حالة ” ، أي أنني أتصور أنني كتبت دراسة تتسم بقدر معقول من التجريد والشمول ومن التعيُّن والتخصيص ، وأن الحلم الهيجلي ( أو بعض جوانبه ) قد تحقق دون أن ينهشني الذئب . ولهذا فمعظم كتبي القادمة – بإذن الله – ستكون عن موضوعات نظرية عامة مثل العلمانية الشاملة والحلولية وما بعد الحداثة ، وتتعامل في الوقت ذاته مع نصوص وحالات معينة .

ومع هذا ، لاشك في أن هناك بقايا ” هيجلية ” تتبدى في إعجابي الشديد بالفلسفة الألمانية ومقولاتها التحليلية . كما يتبدى في كثير من مقولاتي التحليلية مثل نهاية التاريخ والفردوس الأرضي والثالوث الحلولي واهتمامي بالبعد المعرفي الكلي والنهائي للظواهر . واهتمامي بالصهيونية لم يكن قط سياسياً بل أتناولها من خلال مقولات مثل : إشكالية الإنسان وعلاقته بالطبيعة والتاريخ – الغنوصية – الواحدية المادية – الأسطورة المنفصلة عن التاريخ – الداروينية – العلم المنفصل عن القيمة والغاية … إلخ . ولكن هذه المقولات التحليلية الكبرى ليست مجرد مقولات نظرية ساكنة عامة ، وإنما لها تجلياتها المتعينة في تفاصيل التاريخ والواقع الكثيرة . ومن هنا قولي إنها مجرد ” بقايا هيجلية ” لأنني أرفض الواحدية الهيجلية ، أرفض كلاً من المثالية الخالصة والمادية الخالصة ، فكلاهما بمفرده واحدي اختزالي ولكن حينما يتقاطعان فإننا ندخل عالماً مركبة أبعاده ، عالم الإنسان والأسرار .

ك : رحلتي الفكرية

لـ عبد الوهاب المسيري – رحمه الله –

ص 166- 176 .