نعوم تشومسكي .. ضمير أمريكا

” إن مسؤولية المثقفين أن يقولوا الحقيقة ويفضحوا الأكاذيب “

” الولايات المتحدة ليست ضحية بريئة ! ” .

نعوم تشومسكي

(( يقول عنه رجال الدين إنه ملحد !

ويؤكد رجال السياسة أنه فوضوي يهدف إلى تفكيك هياكل السلطة !

ويصر ” العقلاء الجدد ” على أنه من أنصار نظرية المؤامرة !

والحقيقة – بكل تأكيد – أن إيمانه لن ينفعنا كمسلمين ، كما أن فوضويته – بدون شك – لن تضرنا كعرب ، وأما اعتقاده بنظرية المؤامرة – لو سلمنا بذلك جدلاً – ؛ فهو لم يمنع جريدة نيويورك تايمز ، وهي أشهر وأهم صحيفة في العالم ، عن وصفه بأنه ” أهم مفكر على قيد الحياة ” . كما أكدت مجلة نيوزويك أنه ، مع في النصف الثاني من القرن العشرين ، وأضافت صحيفة بوسطن غلوب المرموقة أنه ” يضاهي سيجموند فرويد وألبرت آينشتين ” . بل اتضح في دراسة للمركز الوطني للمعلومات العلميّة في الولايات المتحدة أنه أكثر شخص على قيد الحياة يتم الاستشهاد بأقواله ، ويحتل المركز الثامن تاريخياً ضمن قائمة العشرة الأوائل من الأعلام الذين يستشهد بأقوالهم على مر العصور ، وتضم القائمة شخصيات من عينة ماركس وشكسبير وأرسطو وفرويد وغيرهم .

إنه نَعومْ ( تنطق بعين مخففة مثل نَومْ ) تشومسكي المولود عام 1928 في ولاية بنسلفانيا الأمريكية لعائلة يهودية ، وهو الآن في طريقه إلى تقاعد جزئي من عمله أستاذاً للغة واللسانيات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا . يعد أعظم من كتب في اللسانيات الحديثة . كما أحدثت نظرياته في اللغة ثورة ضخمة في علوم النفس والفلسفة والإدراك العقلي والأنثروبولوجيا والتعليم والذكاء الصناعي والاتصالات . نشر تشومسكي ما يزيد على السبعين كتاباً بالإضافة إلى مئات المقالات والمحاضرات في العديد من المجالات .

إلا أن شهرة تشومسكي الحقيقية تنبع من نشاطه السياسي . ويمكن تلخيص فلسفة السياسية في عبارة من محاضرة مهمة له – ألقاها – ضمن نشاطه السياسي المعادي لتدخل الولايات المتحدة في فيتنام ، بجامعة هارفرد عام 1966 بعنوان ” مسؤولية المثقفين ” … حيث قال : ” إن مسؤولية المثقفين أن يقولوا الحقيقة ويفضحوا الأكاذيب ” . ومن المعروف أن تشومسكي من أشد المناصرين للقضايا العربية ، وخاصة قضية فلسطين ، مما دعا منظمة ” بناي بريث ” – أي أبناء العهد اليهودية – إلى تلقيبه بـ ” اليهودي المعادي للسامية ” . ونتيجة لمواقفه الناقدة لسياسة الولايات المتحدة … فإن وسائل الإعلام الأمريكية السائدة – مرئية و مسموعة ومقروءة ً – تهمِّشه تماماً ولا تعطيه الفرصة للظهور .

أنتج عنه أنصاره فيلماً وثائقيا رائعاً مدته 166 دقيقة عام 1992 بعنوان ” فبركة الموافقة : نعوم تشومسكي وأجهزة الإعلام ” .

والفيلم يقدم سيرته الذاتية والفكرية بتسلسل مثير وطريقة مبتكرة . ويشمل مقاطع من مناظرة مهمة بينه وبين الفيلسوف الفرنسي الأشهر ميشيل فوكو ، وأخرى ساخنة جداً مع فريتس بولكشتين وزير الدفاع الهولندي السابق . كما يشمل قصة موقفه الأخلاقي ودفاعه عن حق الدكتور الفرنسي روبرت فوريسون في التعبير عن رأيه عندما أنكر وجود غرف الإعدام بالغاز في ألمانيا النازية ، و ما تلا ذلك من حملة افتراء وتشهير بشعة تعرض لها ، بالإضافة إلى العديد من المحاضرات والمواقف المشوقة والنادرة . كما يقدم تشومسكي في الفيلم معلومات وأدلة مذهلة تكشف كيفية سيطرة أجهزة الإعلام الأمريكية على عقول الناس ، مما يؤدي إلى موافقة غالبية المشاهدين البسطاء على سياسة النظام – أياً كانت ، وأياً كان ! – التي تكون دائماً مفيدة لمصالح الشركات الكبرى .

الفيلم مدهش وغير مسبوق من حيث تقنية الإخراج الوثائقي ، ولذلك حاز على خمس عشرة جائزة دولية . وكل من يشاهده يدرك أن هناك تواطؤا إعلامياً لتهميش هذا المفكر العظيم والناشط السياسي العنيد الذي رفض أن يكون ” مثقف سُلطة ” ، واختار أن يكرس حياته كلها للدفاع عن مصالح المسحوقين والمضطهدين والمهمَّشين في كل مكان . فهو – مثلا – لا يزال – كعادته القديمة – يقضي 20 ساعة أسبوعياً للرد بنفسه على الرسائل التي تأتيه من كل مكان … بالرغم من عمره الذي يشارف الثمانين . ولذلك لم تخطئ جريدة التايمز اللندنية حين وصفته بأنه ” عدو لسياسة الولايات المتحدة ، وبطل للناس العاديين ” ، و وكذلك جريدة الغارديان التي أكدت أنه ” ضمير الولايات المتحدة الأخلاقي وفاضح الأكاذيب ” . )) [1]


[1] النصوص المحرمة ونصوص أخرى ، ترجمة وتعليق : حمد العيسى . المؤسسة العربية للدراسات والنشر .