الثقافة والإمبريالية *

بينما زود الاستشراق القارئ بنقد العلوم والأفعال الإمبراطورية ، إلا أن الثقافة والإمبريالية ركزت على القراءة وتفسير الشكل الفني الغربي ضمن ما يُعرف بالعلاقات الثقافية المتداخلة . فحص سعيد العلاقة بين الإمبريالية المهيمنة والثقافة خاصة إبان الاستعمار الفرنسي والبريطاني في القرن التاسع عشر والذي عُدّ تاريخياً من مغامرات البشرية المهمة ، حيث تم – أيضاً – اجتياح المسارب الثقافية المختلفة من الرواية والأوبرا والشعر حتى أجهزة الإعلام كما وضح في دراسة ” الاستشراق ” وعليه تصبح الثقافة فن المؤسسات الإمبراطورية التي تهندس تركيب المشاعر وتمنح المستعمر شعرية كبرى للهيمنة .

في دراسة إدوارد سعيد ” الثقافة والإمبريالية ” دقق سعيد النظرات في السمة الحقيقية للفن والتي وظّفت بشكل حاسم لاستبقاء واستمرار الأنظمة الإمبراطورية على اعتبار إيجاد رؤية تفسر كيف تستعمل الثقافة كبنية فعّالة لتأسيس الإمبراطورية .

ووجهة النظر الموضحة لمفهوم الإمبراطورية تنحصر عادة في الرواية الإنجليزية التي – طبقا لها – تجسّد ركيزة أساسية في التشكل الثقافي . فقد استفاد البريطانيون من الرواية وفكرة الإمبراطورية المهيمنة الموسعة ، خاصة أنها منتج القرن التاسع عشر ، أي حال تواجد المجتمع الرجوازي ، وقد منحت الرواية صورة مصدّقة مؤكدة دائماً للسياسة الأجنبية البريطانية . خذ على سبيل المثال رواية ” روضة مانسفيلد ” لجين أوستن ، حيث يحللها سعيد من ناحية نقص اهتمام أوستن بالتاريخ الاستعماري أو مخاوفها من التعمق والمبالغة في القضايا المحلية ، يضع سعيد الرواية ضمن نطاق أسلوبي الهيمنة والعبودية الخاصة . السيد توماس بيرترام في منتزه مانسفيلد للاعتناء بمشروعه الزراعي كضرورة للمحافظة على النظام وبالتالي التحكم في أسلوب حياة المواطن الأصلي في المكان . وعليه يتاجر في العبيد ويوظفهم لصالحه أو بما يحقق هيمنة الثقافة الاستعمارية على البيئة التي يجتاحها وعلى كل سمات الحياة .

هكذا يرجع إلى كل محتوى الرواية من منظور استعماري كي يحلل النصوص الثانوية التي تؤول جميعاً إلى جنوح كل مواقف الرواية نحو الإمبريالية . إدوارد سعيد في تحليله لأفكار النص تجاهل أغلب الأحيان بعض العناصر الدفينة في الرواية ، وذلك بقصد وسم جين أوستن بالوكيل البريطاني للإمبريالية أو هدف سعيد إلى أن يعرّي دورها في عرض عنف الحكم الاستعماري البريطاني ومن ثم أراد أن يبرز الطبيعة العامة للرواية التي تأخذ الأسلوب الإمبريالي كمُسلّمة طبيعية حتمية ضمن سياق الثقافة البريطانية . هناك بالطبع قدر من الاستمتاع بقصة أوستن لكن غاب عن سعيد المهتم بشكل أساسي بجني الثمار الإمبراطورية في النص .

بنفس الطريقة حلل إدوارد سعيد ” أوبرا عايدة ” لفردي ، حيث أنه عمل فني قائم على الإمبريالية التي تدعم الهيمنة عبر ترسيخ رأي عام يؤكد على وجود الحضريين بوصفهم مركزاً إلى جانب أقليات العالم الثالث المهمشمة . وشبكة الانتسابات للمذهب الإمبراطوري تصبح ظاهرة جلية خلال قراءة متفحصة للأوبرا ، وهو ما اكتشفه سعيد عندما ربط بين مادة بحث والنزاع في السياسة الخارجية لإيطاليا وفرنسا وبريطانيا . مصر كانت مستعمَرة من قِبل بريطانيا وكذلك كانت ركيزة لغزو عسكري كبير يصل لحد أثيوبيا ، كما كان الإيطاليون والفرنسيون طموحاتهم الاستعمارية أيضاً . تحمل الأوبرا ذلك المعنى الضمني أيضاً وبذلك تكون السياسة البريطانية في مصر متساوية مع أحداث الأوبرا الإيطالية كما يجاد سعيد مقرراً أن الشكل الإمبراطوري قد تشكّل خصيصاً لإثارة إعجاب الجمهور الأوربي بشكل خاص ، والمثال في هذا الأمر شديد الوضوح ويتمثل في كيف تتحد الثقافة مع السياسة لمنح إحساس المركزية للفنون والأفكار الأوروبية ، وما هو رائع كيف أن هذه الأشكال الثقافية تفوز بالرضا والاستحسان الاجتماعي دون الكشف عن مغزاها الإمبراطوري الحقيقي ، وهذا مثال جيد دال على كيفية عمل وفاعلية الهيمنة في رواية ” كيم ” [1] لرديارد كيلنج مثال ينطبق على هذه الحالة التي تعتبر النص ليس فقط طريقة لفهم أسلوب الحياة الهندية ، لكن يقدم سبباً جوهريا لهيمنة الاستعمار على معم الأرض . بريطانيا في الرواية تساند العدالة والسيطرة التي لا غنى عنها في البلاد البربرية مثل الهند . والهند مُسيَّرة قصصياً لتحقيق السيادة البريطانية التي تقرر من ثم الحاجة الحتمية لتحديث تلك الأنحاء .

تلك طريقة سعيد في عرض وسيلة الهيمنة على العالم اجتماعياً ، وجعل ذلك – أكاديمياً – مقبولاً – حيث يساعد على تلك الفكرة وجود الثقافة الشعبية ، القصة ، الصورة ، الأوبرا . كل تلك تمثل أموراً متشابهة لأحداث مختلفة يمكن أن تقرأ خلال استراتيجية الهيمنة .

يقدم سعيد نقداً ودراسة للتنافر والتواتر الذي يمكن أن يقع بين الجماليات عبر النظرات الثقافية والتاريخية ، كذلك إنتاج واستهلاك المادة المكتوبة يتضمن – اجتماعياً – احتواء ايديولوجيا محددة لمصلحة قيمة معينة ، وهذا ما يحيي دراسة علم النص ، فالثقافة والإمبريالية مهمة لعالمية تواجد هذا العالم والإشارات العلمية تعطي للقارئ النص المبحوث بشكل جيد ومن ثم إعادة تكوين التاريخ بشكل خلّاق خاصة في القرنين الأخيرين المجسدين للامبريالية الأوروبية امتداداً من النزعات الخيالية الماضية إلى الأحداث المعاصرة ، أي ما بعد الاستعمار أو سيناريو ما بعد الحداثة الذي يمكن أن يُدعى بالفترة الفاصلة من الكفاح القومي المعاصر . وهذه النظرة العامة للتاريخ تعمل ولا تهمل الانتشار المستمر للواقع المعيش .



* النقل من كتاب : صدام ما بعد الحداثة : إدوارد سعيد وتدوين التاريخ لـ شيلي واليا ، ترجمة : عفاف عبد المعطي – دار رؤية .

[1] ظهرت عام 1901 بعد اثنتي عشرة سنة من مغادرة كيلنج للهند وهي مسقط رأسه والبلاد التي سيظل اسمه مرتبطاً بها دائماً . راجع الثقافة والإمبريالية ص 196 .