يوليو 3, 2009
بسم الله الرحمن الرحيم
خضراء
جميلة مع مثيلاتها
ورقة على غصن يسندها
وغصن ممتد عن شجرة عظيمة
لا قيمة للورقة إن سقطت
ولا قيمة للغصن إن بتر
ولكن ستبقى القيمة للشجرة
لا قيمة لنا إلا بأنفسنا
سيأتي يوم نشكل فيه عبئا على من يحملنا
على من يساندنا
الاستقلالية أن نكون ( أشجارا )
حتى لا نسقط متألمين
ولو حتى سقوطنا من أنفسنا
بشعور مؤلم أن نكون عالة
أو نكون مُكلفين
الاستقلالية تتطلب الشجاعة ، والقوة المعنوية
والقدرة على التحول لبذرة تنفصل
لتدخل في الأرض وتكون جذورا
وتبقى شجرة
جميل أن نحمل غيرنا
ولكن قبيح أن يحملنا غيرنا
سيتكون عملية التحول والفصل مزعجة ومؤلمة
لكنها ضرورية
قد تفهم تلك الطريقة بأنها استغناء
لكنها رغبة في التحرر والانعتاق
وأقواها ( الانعتاق من المعروف )
وأن تكون مساحات الحرية أوسع وأقوى
و مساحات العطاء أكثر
لا أظن أن أحدا يحب القيود
وكل شيء يتغير
لا دوام لشيء أبدا
وليست القسوة هي الباعث
ولا حتى الملل مما نحن عليه
إنما طموح أعلى
ولا حيلة لنا … !
مايو 12, 2009
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
( قبل البدء : لم أشاهد الردود لذلك الموضوع سريع جدا وفيما بعد أطالع الردود على المدونة والتاخير والله كسل ولا شيء آخر )
بالأمس تكونت صورة …
سنين عديدة يهجرون أقاربهم ، ربما يصمونهم بالنقص ، وتموت أم فتيات يتجاوزن السبع !
لا أحد يلتفت للصغيرات !
يكبرن ، تأتي مناسبة فيحضرن ولا أحد يبالي
تكبر إحدى الصغيرات ، فيهبها الله جمالا عظيما ، ينبهرن النساء بجمالها
تلك الفتاة التي انتقص من عائلتها دائما ومن والدها الذي لا يعرف شيئا عنهن وكأن البيت غدى فندقا !
وينسى الناس عبر السنين فقرهن وحاجتهن لليد الحانية والأم الرحيمة ، وتكون صلة الرحم من آخر ما يتم التفكير به !!!
وتكون هذه الفتاة الجميلة علامة جذب ، فيتقربن النساء من هذه العائلة من أجل هذه الفتاة !
وتبدأ ديباجات الكلام للتورية ( مافيهن إلا الأجر ، صلة الرحم ، ما لهن أحد )
أبعدما كبرن ؟!
ويصرحن أحيانا أنهن يردن فلانة لفلان ( أحد أبنائهن ) !
والبعض يستغل فقرها وجهلها وبعدها عن الناس ليقول أنها لن تكون كبقية من لها أم أو أخوات شديدات
بمعنى ( ستكون كلها تحت أمرنا وتوجيهنا )
فقط سأدعو الله أن لا يسلط عليهن أحد ، الفتيات الضعيفات ، وأن لايكون مصيرهن كمصير أختهن الكبرى التي انجرفت مع تيار الحياة ورضيت بخيارات لو كانت تجد من يدعمها أو والد ملتفت لها لربما ما أختارته
هكذا يصلون الرحم لأجل حاجة في النفس
هكذا يلتفتون للضعفاء !
بمثل تلك النفسيات لن ينصلح حال الضعفاء ولن نجد التكاتف أبدا ، لأن النفس الإمبريالية طغت علينا حتى في التملك البشري !!!
مزعج !!!
…
أحيانا أتمنى أني أغنى خلق الله وأن لدي بيوت كثيرة فقط لأأوي من يحتاج حتى لا يحيله الضعف والحاجة إلى عبد يلبي رغبات غيره تحت مقصلة الحاجة !
وأظن أن هذا الموقف لا شيء وأمر يسير أمام الاستغلال الذي يغص به مجتمعنا
كم نسمع عن شخص أثقل بالديون فتكون ابنته الافتداء لشخص قد يكون بعمر جدها !
وكم نسمع عن فتاة تمنع من الدراسة لأن زوجة والدها لاتريد ذلك وربما تلقيها لأي أحدٍ وتجعل مهرها مناصفة – على أقل التقديرات ضررا – بينهما
اللهم أغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك
بالأمس تكونت صورة …
لا أحد يلتفت للصغيرات !
يكبرن ، تأتي مناسبة فيحضرن ولا أحد يبالي
تكبر إحدى الصغيرات ، فيهبها الله جمالا عظيما ، ينبهرن النساء بجمالها
تلك الفتاة التي انتقص من عائلتها دائما ومن والدها الذي لا يعرف شيئا عنهن وكأن البيت غدى فندقا !
وينسى الناس عبر السنين فقرهن وحاجتهن لليد الحانية والأم الرحيمة ، وتكون صلة الرحم من آخر ما يتم التفكير به !!!
وتبدأ ديباجات الكلام للتورية ( مافيهن إلا الأجر ، صلة الرحم ، ما لهن أحد )
ويصرحن أحيانا أنهن يردن فلانة لفلان ( أحد أبنائهن ) !
والبعض يستغل فقرها وجهلها وبعدها عن الناس ليقول أنها لن تكون كبقية من لها أم أو أخوات شديدات
بمعنى ( ستكون كلها تحت أمرنا وتوجيهنا )
هكذا يلتفتون للضعفاء !
…
وأظن أن هذا الموقف لا شيء وأمر يسير أمام الاستغلال الذي يغص به مجتمعنا
أبريل 6, 2009
بسم الله الرحمن الرحيم
ربما ستمرين
وترين تصميم احتوى كلمات أنشودة مهداة منكِ
وصورة التقطتها عدستكِ
ربما هي رغبة في الاعتذار عن التقصير
وأمل بالتعويض المستقبلي بإذن الله
وربما تجديد المعاني وتوثيقها
أعلم الكثير وسأكرر الكثير
لكنكِ ” هاجر ” من أجمل من عرفت روحاً
رائعة أنتِ وصبورة في كل حالاتكِ
لك في القلب عظيم ود وامتنان
لكِ وحسب
( الألوان لزوم التنسيق مع أني مع البرتقالي مزاجي يضرب يؤ1 )

- هجورة ريحانة القلب
أبريل 3, 2009
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تجسيد الإفيتار ، أو تجسيد الشخصيات ، أو العالم الفوق مكاني ، أو الاغتراب ( اغتراب الإنسان عن نفسه واحتجاجه كما يقول المسيري وهو العمق الأقوى لفهم مثل هذه الظاهرة ) !
(( سكند لايف )) أو (( الحياة الأخرى ))
انتقال معنوي لا جسدي ، وتجسيد لرؤية نفسية إما أن تشابه الواقع أو تشابه حلم المُشخص لها ، حروب أيضا في داخل العالم ، ودعوة للإسلام ، فيه كعبة ومناسك حج ، وخيمة رمضانية يهاجمها الإسرائليين !!!
الحياة الأخرى second life
جدلية قبولها أو رفضها جدلية في ظني أنها ستسقط قريبا ، لكن لابد من الانتقال إلى كيفية التعامل مع هذا العالم ؟
وهل وجود مثله ضرورة على الإلتحاق به ، هل سيقدم لنا شيئا ويخدمنا ؟
طبيعة هذا العالم هل هي مؤثرة على الحياة الواقعية ؟
في عالم يمكن أن يجعلنا نجسد شخصية ” سوبرمان ” نستطيع أن نحلق ، ونجوب العالم شرقا وغربا ، نستطيع أن نحظى بالقوى الخارقة ! فهل سيدعم ذلك واقعنا ؟
كلها أسئلة أطرحها وأجهل إجابتها الدقيقة ، وبالإمكان صبغ الإجابة بالتصورات الذهنية الأولى ، لكنها لاتشفي الغليل .
لم يعجبني تحليل الشيخ في المقابلة ، وفي المقابل هناك الشيخ ” علي بادحدح ” يتخذ له موقعا في هذا العالم .
إذن الدين فيها ليس كما يقول المتحدث في المقاطع التالية مقابلة وتصادم ، وكذلك ترجمته للحياة الآخرة أو الأخرى ! ليس أمرا قوي الحجة !
أيضا كلامه جميل عندما تحدث عن النيات ، صحيح العالم الافتراضي يعطينا العمل الفكري والمعنوي ويخبئ الجسد خلف الشاشات !
لذلك تبرز المفارقات بين الواقع والعالم الافتراضي ، ومن هنا يعود سؤال آخر هل بين العالم الافتراضي والعالم الواقعي انفصام ، أم أن الخلل ينسل إليهما من خلال الساكنين فيهما ؟
أظن أن الأمر الثاني أقرب للصواب – والله أعلم – !
ما الباعث لإنشاء هذه العوالم ؟ هل هو الحديث من خلف قضبان الواقع ؟ هل الحياة سجن ؟
هل بالفعل نحن نفهم طبيعة الحياة وكيفية العمل والعيش فيها ، وهل نستشرف المستقبل بشكل واعٍ جداً أم نجعله في وتيرة التطور والمهم أن تطرد الرتابة بـ ” الجديد ” ، وتجسد الأفراح بـ ” الاكتشافات ”
ما الغاية من الاكتشاف ، والعلم ، وخدمة الإنسان ورفاهيته ؟
ما الغاية من القضاء على الجريمة ؟!
…
أظن أن هناك فرصة جميلة للتغلب على بعض السلبيات لتعزيز الثقة في الذات ، وأيضا قد يكون هناك جانب سلبي من خلال النزعة الذاتية المتطرفة .
هناك قوة عظمى سيعترف بها لسان الحال ولو أنكرها لسان المقال ، ولو أنكرتها اللحظة الآنية ، لكنها ستتجلى في لحظات تدبر وتأمل .
المستقبل نقطة ضعف تسيطر علينا جميعا ربما ، وتسيطر على الحضارات الطاغية المُعولمة !
فبراير 14, 2009
بسم الله الرحمن الرحيم
.
.
.
.
.
.
.
كلام مكرر بسيط لكنه واقع لازلنا متخبطين فيه
ما الذي يمنعنا من الصدق ؟
لماذا نكذب ؟
لماذا ندنس أنفسنا بذلك ؟
مؤلم جداً أن نكتشف كذب فلان لأجل الناس
مسكين الإنسان يتطلب الأمان بسلبه من غيره ومن محيطه !
ورغم ذلك أحمد الله أن أكرمني في الواقع والنت بثلة طيبة لا أرضى لها بدلاً
لماذا نكذب ؟
لماذا ندنس أنفسنا بذلك ؟
مسكين الإنسان يتطلب الأمان بسلبه من غيره ومن محيطه !
ولن يحوز غيرهم على مكانتهم
كالمهاجرين لا يفوقهم من بعدهم
يعلمني المخادعين الكاذبين قيمة الصادقين الطيبين
يعلموني أن ربي أنعم علي بمن تصغر الدنيا أمامهم
يقرعونني لألتفت للوفاء لهم
والاهتمام بهم والدعاء لهم دائما
ومن عداهم هم عابرين نعاملهم لله ولو كانوا شياطينا
ولا أحد يبعد عن التوبة
لكنني أشفق عليهم حقا
(نسأل الله أن نكون من الصديقين )
ولا أحد يبعد عن التوبة
لكنني أشفق عليهم حقا
فبراير 12, 2009
بسم الله الرحمن الرحيم
.
.
.
.
.
.
.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا تعيش الفايروسات إلا في الكائن الحي ، ولا تعيش الأحداث وتؤثر إلا على الكائن الحي والقلب اليقظ ، تصنع منه حقل التجربة والفريسة ويصنع بسببها روح التحدي والمقاومة ، إنها الممانعة والمدافعة .
الظلم والقهر ، أجواء الحرب ، تهميش الهوية والانتماء ، تسفيه القوة الحقيقية ! والتسيير بالسلطة والقوة دون القناعات يضغط الحمم لتنفجر من فوهة البركان :
يرى العرب الدابة تتضخم يظنون ما بها سمنة مغرية لتحصيل ثمن أضخم ، وما هو إلا مرض ينفخها كالزيف ثم ( تحبط ) فتسري المقولة ” حبطت الدابة “
وهكذا انتفش المعسكر الشيوعي واشتدت وطأة الاتحاد السوفييتي وقمع المسلمين 40 سنة وقُمِعَ كُل حر أبي ومنهم من أعدم !
يمتطي فارسنا صهوة التحدي فيرتدي قناع ( ل . س . ب ) لينشر مقالاته التي يتلقاها العديد من المسلمين المتأقلمين مع وضع الفايروسات ليحيي لديهم قيمة الدين قبل الهوية !
لم يكن العمر يشكل رقما ذا قيمة يحدد بسببه مصيره بل كان مجرد مرحلة فلم يكن مطية تسويف لصغره في نظر الآخرين ، ولا أسى على كبره وتفويت العمل وصناعة التاريخ . من السادسة عشر من عمره حتى الثامنة والسبعون لم يخضع سيفه لأمان الغِمد !
إلى الرحلة :
في منزل يطل على نهري البوسنة والسافا في مدينة ” بوسانسكي شاماتس ” شمال غربي البوسنة والهرسك عام 1925م ولد ” علي عزت بيجوفيتش “
انتقلت عائلته عندما بلغ السنتين إلى سرايفو وأكمل تعليمه العام فيها وحصل على البكالوريس في الحقوق بعد تحوله عند دراسة الاقتصاد الزراعي بعد 3 سنوات . تأثر في طفولته بمرض والده بالشلل بعد إصابته في الحرب العالمية الأولى .
كان لوالدته أثر في تدينه فلقد وصفها بـ ” امرأة ورعة … فلقد كانت تستيقظ دوما وقت صلاة الفجر وتوقظني أيضا لكي أذهب إلى المسجد ” لقد كان للمسجد دور في ترسيخ بذور تدينه أيضا ” في المسجد كان هناك إمام مويزينوفتش العجوز . لقد كان دائما يتلو سورة الرحمن الرائعة في الركعة الثانية من صلاة الفجر . إن المسجد بين أزهار الربيع ، وصلاة الفجر ، وسورة الرحمن ، وذلك الإمام العالم الذي يوقّره جميع أهل الحي ، كانت كلها صوراً جميلة ما زلت أراها بوضوح من بين ضباب السنين التي مضت ” .
أكسبته القراءة بنهم تفوقا دراسيا على زملاءه وأحيانا مزاجية في انتقاء ما يناسبه من مواد . وكان لثورة الشك للتحقق في صحة ما يعتقد دور أكبر في ترسيخ الدين أكثر في نفسه ، كان اطلاعه على كتب الشيوعيين والملحدين دور في إثبات صدق ما يؤمن به من خلال ما نردده دوما ” عرفت الشر لا لأقع فيه ولكن لتوقيه ” و عُمقُ فهمِ الفاروق عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أن من لم يعرف الكفر لن يعرف الإسلام بعمق عظيم يجعله قوة تقوده للحفاظ عليه .
ليتجلى له الدين في ثوب الاعتناق الجديد عن طريق الاقتناع واليقين “ إن العديد من الثوابت الإيمانية نابعة عندي من تلك الشكوك التي ساورتني أثناء فترة الشباب . ولم يعد الإيمان هو ذلك الدين الذي ورثته عن أبويّ ، بل لقد أصبح دينا جديداً تماماً اعتنقته عن قناعة وفهم . ولم أفقد إيماني به أبداً ” .
عندما بلغ السادسة عشر من عمره تجلى له الذوبان والانفصام بين الدين وبين العمل ، بين الاعتقاد الراسخ وبين أثره ! دعا بقلمه وقضيته العادلة لمعرفة الدين و كان للحياة الاجتماعية المتسامحة بين الانتماءات و الأديان المتعددة دورا في ترسيخ إمكانية التعددية الدينية وتكوين المجتمع المندمج ونفوذ الأفكار بالقناعة لا القوة – إلا اضطرارا -!
علمته تلك المرحلة والمراحل القادمة من عمره أن بعض الساسة مجرمين في ثياب أبرياء ، كانت معرفته بالمحكومين بقضايا قتل وجرائم اجتماعية معرفة بالإنسان داخلهم ، بينما وجد لدى بعض الساسة مظهر الإنسان وقلب الشيطان ! كانوا أحق بالسجن والإعدام !!!
في هذا العمر تعرف على رفاق يوافقونه في الرؤى فشبت جماعة ” الشباب المسلم ” ” لقد قدموا أفكارا توافقت مع ما كنت أريد سماعه دوما عن ديني الإسلام . لقد كان طرحا مختلفا عما تعلمناه في الكتاتيب … إنني أنظر إلى ذلك الطرح على أنه يقدم فهما للدين يوضح العلاقة ما بين الشكل والمضمون أو الجوهر ” .
كانت بدايات خطوات العمل لاستظهار الإسلام النظام الشامل الجامع بين الدين والدنيا عام 1941م حيث حاول ورفاقه ” الشباب المسلم ” تأسيس الجماعة بشكل رسمي ، إلا أن غزو الألمان ليوغسلافيا حال دون ذلك .ولكن صوتها انتشر بعدما اتفقوا ضمنيا على عدم المواجهة مع السلطة ، وفي عام 1944م سيطر الشيوعيين على سرايفو وكان القمع والكبت هو سبيلهم للسيطرة ، فاحتد الخطاب للفتية وحدثت المصادمات الفكرية وتم اعتقاله ليوم واحد وبعدها وضع تحت المراقبة لأشهر أدت إلى سجنه والحكم عليه بـ 3 سنوات ، بحكم رآه قد أنقذ حياته من الإعدام ” السجن أنقذ حياتي ” .
كان في السجن يتواصل مع عالمه الخاص وعالم أمته ودينه ، كان يتواصل بالرسائل مع ” خالدة ” التي عرفها قبل السجن تحت أجواء الحرب وصافرات الإنذار ” لقد كنا كلانا الوحيدين اللذين يسعدان لسماع صوت تلك الصفارات ” ! وبعد خروجه بفترة قصيرة تزوجها .
فترة الحكم الشيوعي فترة قوت حدة بصره تجاه الظلم ، ألم يقل ” حازت جملة واحدة من القرآن على اهتمامي وبقدر ما أعرف ، فقد فسرت بطرق مختلفة . لو أن كل شيء موجود ( يحدث ) لأن الحيرة لم تنته . عندما يزيح الله هذا الازدواج ، وعندما يصبح كل شيء واضحاً ومكشوفاً ، عندها يصبح كل( شيء جاهزاً ومنتهياً ) – ( القرآن ) “[1]
رأى الفرق بين الطبقة الحاكمة ومن يواليها والرفاهية المقدمة لها ، وطبقة الشعب الضعيف والفقر والظلم والحرمان من أبسط حقوق العيش الكريم !
ذلك الواقع عمل في ذهنه ليعمل على كتابة مقالات عن الإسلام ويشرع في تأليف كتابه ” الإعلان الإسلامي ” – أو البيان كما هو مشتهر – وانتهى منه في عام 1969م . ولكن صيته لم يرتفع إلا عام 1983م .
ولأن الفكر النيّر لابد أن يُعبد تحت سطوة النظام الحاكم كان يوقع على مقالاته بـ ( ل . س . ب ) أي ( ليلى . سابينيا . بكر ) أبناؤه .
وفي صباح مارس / 1983م كان لأثره الفكري مقوداً نحو السجن فقد أُقتُحِم منزله وعندما سأل قالوا : ” نحن من أمن الدولة ” ليتم استجوابه لمدة 100 يوم وليلة !
ويتهم بـ ” التآمر ضد الدولة ” و ” الجنحة الكلامية ” .
ويقدم لمحاكمة صورية و مرافعات وقضية أشبه بالمسرحية التي يسودها ويسوسها الكذب والتزييف !تلك الموسومة بـ ” محاكمة سرايفو “
يقول : ” ولا يوجد تفسير عقلاني لتصرف النظام بهذه القسوة . هل كانت تلك خطوة يائسة من قبل حكومة بدأت تتهاوى ؟ إن أنظمة الحكم القوية لا تدين الناس بسبب ما يقولونه . بينما تلجأ الحكومات الضعيفة إلى العنف في محاولة منها لإطالة أمد بقائها حيث إنها تخاف الزوال .
أما بالنسبة للرأي العام فغالبا ما نرى السجناء السياسيين على أنهم مذنبون لأسباب أنانية بحتة . إنه نوع من آلية الدفاع فإن الناس لا يستطيعون أن يتقبلوا فكرة أنهم يعيشون في مجتمع لا يتمتعون فيه بحماية القانون والنظام . ومن ثم تواجههم مسألة كيف يمكنهم أن يلتزموا جانب الصمت . إن ذلك ممكن لأنه من الأسهل بالنسبة لهم أن يعتقدوا أن الشخص المُدان هو مذنب وأنه لابد أنه خرق القوانين بشكل أو بآخر لأنه إذ لم يفعل ذلك فلماذا هو سجين ومُدان إذن ؟ والسبب أيضاً أنه إذا ما اعتقد المرء أن شخصا ما قد أُدين دون اعتبار القانون فإنه سوف يشعر بالخطر وانعدام الأمان ، وهذا ما يرفضه الناس في حالة الدفاع عن النفس . وكلما كان الحكم أقسى كلما وصل الناس إلى ذلك الاستنتاج بسهولة وبسرعة أكبر . وفي حالة غياب الدليل فإن الحكم القاسي سوف يُعد دليلا كافيا على أن الشخص مذنب “
وفي 20 / أغسطس / يُتلى الحكم ” المتهم علي عزت بيجوفيتش : بالسجن لمدة أربعة عشر عاماً ” ! ولابد للصدمة أن تنهزم أمام الجبال ” لقد كان قلبي يخفق بسرعة ، ولكني أبقيت رأسي مرفوعا ، وأبديت ملامحا لا تظهر بأنني متأثر . فلقد كانت الكاميرا جاهزة لتسجيل الصدمة على وجهي ، ولكن كان كل ما سجَلَتْه هو تقليبي بصري في سقف القاعة ” .
قد فات على الكثيرين أن حصار البدن يعني إعتاق الروح الأبية – غالبا – وأن السجن دورة صمود وثبات للأبرياء – غالبا – ، وتخلٍ عن الحياة الاعتيادية وتعلم فنون الصبر ، ونذر النفس لافتداء البشرية عن العذاب والظلم !
” وعندما واجهت إمكانية أن أقضي حياتي كلها خلف القضبان وأن أموت بين المحكومين ذكّرت نفسي حينها بالمبدأ الأساسي ألا وهو الثبات والاستمرارية . فلقد احتفظت بعقل سليم وكان الأطباء يقولون أنني صحيح الجسم أيضا . وأحمد الله على ذلك الإيمان الذي مكنني من الثبات بالإضافة إلى الولاء والمساندة المعنوية التي أبداها أولادي . ولطالما تفكرت خلال الأيام الأولى التي تلت النطق بالحكم فيما إذا ما كنت سأمتلك الشجاعة لمجابهة ما ينتظرني . ومرت السنون ولم ألمس في نفسي فتوراً في إرادتي في البقاء على قيد الحياة ، ولكنني أصبحت أفكر أكثر فأكثر في قضية أنني أصبحت كبيراً وأن الموت ليس ببعيد الآن . ولقد كانت تلك الفكرة مصدر ارتياح بالنسبة لي فلقد احتفظت بها لنفسي وكأنها سر كبير ” .
في هذه الفترة صقله السجن مفكرا وسياسيّاً مدفوعا بالهمة لإخراج العديد من الأفكار المذهلة ! فعمق السجن وبعده عن صخب هامش الحياة أشعل في قلبه وعقله فتيل سراج الفكر ليتعمق داخل عالم الإنسان ومحيطه .
وتحت سطوة السجان كتب كتابه ” هروبي إلى الحرية ” : ” لم أستطع الكلام ، ولكني استطعت التفكير ، وقررت أن أستثمر هذه الإمكانية حتى النهاية “
التحول الخارجي جعله يبحث عن مواطن الخير والشر ويقوي إدراكه تجاهها ” العالم الذي كان ثنائي القطب لفترة طويلة أصبح أحادي القطب . ولا أعرف إن كان في ذلك خيرا، لكن ذلك ما حدث ! وطوال ما يقارب الألفي يوم ، لم يبق إلى جانب صمغ تجليد الكتب إلا هذا الحشد من الأفكار المشتتة . وهي تمثل إلى حد ما ، تعليقا على أحداث مصيرية لإنسان كان ممنوعا من المشاركة بها ، ولكنه امتلك وقتاً كافيا لمتابعتها ، وإصدار أحكامه الصحيحة أو الخاطئة عليها .
إنها تفكيرات بالحرية ، الجسدية منها والداخلية ، وعن الحياة وعن المصير ، وعن الناس والأحداث ، الكتب المقروءة ومؤلفيها ، وتفكيرات في الرسائل غير المكتوبة لأبنائي ، بكلمات أخرى بكل شيء ، وبكل ما يخطر على بال سجين خلال ألفي يوم وليل طويل ” .
” هروبي إلى الحرية ” طريقين ازدوجا ” إذا كان الأدب هو هروبي الثقافي إلى الحرية ، فإن هروبي العاطفي كان في تلك الرسائل … كنت أشعر في اللحظات التي أقرؤها فيها أنني لست إنسانا حراً وحسب ، وإنما كأنني إنسان أهداه الله كل خيرات هذه الدنيا . ولذا أخذت حريتي بأن أنشر في الفصل الأخير بعضها ” .
وفي السجن يتوهج له الإعجاز القرآني للدين الذي أرتضاه الله للبشرية دينا فيه فلاحهم وسعادتهم ” إن المنع والحظر والقوة لا تنتج شيئا عندما نريد إقناع الناس . ولقد ذكرت أن القرآن الكريم نفسه يشير إلى هذه القضية في جملة إعجازية وواضحة في نفس الوقت وهي ” لا إكراه في الدين ” أي أنه لايوجد إجبار للناس بوجوب الاعتقاد بالدين “
وتقترب تباشير الخروج ففي صباح اليوم الثامن من أغسطس عام 1988م تأتيه البشارة ” اليوم هو الثامن من آب ( أغسطس ) عام 1988م . أصبح عمري الآن ثلاث وستون سنة . ولقد قضيت حتى الآن خمس سنوات ونصف في السجن ومازال أمامي أقل من نصف مدة الحكم – ثلاث سنوات ونصف – ولا أستطيع سوى التطلع قدماً في خضم الأحداث المتقلبة في الخارج . وحتى ذلك التطلع هو أمر مهم . فإن المشهد مثير ومزعج في نفس الوقت ” – هروبي إلى الحرية – .
ويلوح بنقاءه ” لقد سامحتهم كسياسي ولكنني لم أسامحهم كإنسان ” ! . خرج من السجن وبدأ برحلة جديدة لتأسيس ( حزب العمل الديموقراطي ) ، هرول متنقلا بين المدن ملتقيا بالمؤثرين ، باذلا وسعه وطاقته متحملا الخذلان والانتقاص ليتأسس الحزب بعد عام واحد من الجهد عام 1989م .
وسرت حمى الحزب بين الناس بهدوء وأصبح له شعبية كبيرة جدا ، وأجريت انتخابات في 18 تشرين الثاني ( نوفمبر ) عام 1990م وحصل الحزب على 86 مقعدا من المقاعد الـ 240 في برلمان جمهورية البوسنة والهرسك . وجعل رئيسه للحزب غير متطلع لذلك ” فاز الحزب بانتخابات تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1990 أي بعد عام من بداية العمل لتأسيسه . ولقد كنتُ القائد منذ البداية على الرغم من أنني لم أعرف أبدا السبب وراء ذلك . ولقد قلتُ في نفسي : “ إن كنت أنا الأفضل ، فما الحال التي عليها الآخرون ؟ ” ولكن لربما ليس بالضرورة أن يكون القادة هم الأفضل . فمن أجل أن يكون القائد قائدا لابد أن يكون لديه بعض الفشل الواضح ولقد كان لدي ذلك ” .
1990 – 2000 م كانت الفترة الأصعب والأشد وقعا عليه ، كانت سنة الظهور والعمل السياسي .كانت سنوات نبأت عن رسوب الديموقراطية في أول اختبارات فعلية لها في أوربا ! وتبينت له فكرة كان يدافعها وهي ( محاربة الإسلام ) إلى أن تيقن تماما أن الديموقراطية التي رآها تسمح بكل شيء إلا الإسلام !
عبث القرارات والتخلي عن قضية المسلمين في البوسنة والهرسك ومهزلة خروج الطائرات وعودتها أكثر من مرة والتردد في القرارات ومقابلته لكلينتون بعد إنهاك الحرب وثورة العالم الإسلامي ودخول المجاهدين وحصاره وتأرجح الموازين لصالح المسلمين تارة جعل القرارات تتحرك وتنفذ لأجل مصلحة الصرب أولاً !
وكالندى المنبعث من مهوى أفئدة المؤمنين يصله الصوت ” بوسنة ، بوسنة ، اللهم ساعد إخواننا في البوسنة “
يقول عن سفره بعد حضوره اجتماع منظمة المؤتمر الإسلامي غير العادي في جدة عام 1992م : ” رتب المضيفون قبيل عودتنا زيارة إلى مكة المكرمة لأداء مناسك العمرة فارتدينا ملابس الإحرام ثم اتجهنا إلى مكة . إن أية أفكار مسبقة قد شكلها المرء عن الحرم الشريف والكعبة من خلال رؤيتها في الصور أو القراءة عنها تتبخر كلها عندما يراها المرء على أرض الواقع .
لمحت الكعبة من الشارع من بين غابة من الأعمدة . توجهنا بعدها إلى بئر زمزم ، وهناك عرفني بعض الحجاج وبدؤوا يهتفون ( بوسنة ، هرسك ) ثم صليت ركعتين ونظرت إلى جدار الكعبة الطويل ودعوت الله فقلت : ” كان الله في عون شعبي في محنتهم ، وبؤسهم وعزلتهم ، حيث إنهم يعيشون بعيدين عن مركز دينهم ( الكعبة ) ” .
ومن ثم بدأنا بتطبيق المناسك متبعين تعليمات دليلنا العربي الذي قام بتفريق جميع الحجاج أمامنا لإفساح المجال أمام مجموعتنا لأداء المناسك . وهتف المسلمون الذين جاؤوا من جميع أنحاء المعمورة هتفوا باكين ” بوسنة ، بوسنة ، اللهم ساعد إخواننا في البوسنة ” .
وبعد مداولة القرارات يحل اتفاق دايتون فرضا ” هذا ليس أفضل ما نحصل عليه ، ولكن شيء أحسن من لاشيء ! ” اتفاقية دايتون الشاقة وما بعدها ، المخاطرة بحياته والاستمرار رغم مرضه ، الحرب التي طالما اشمئز منها ” أنا أشمئز من الحرب … لقد كان المبدأ الذي التزمت به ، أو الذي كان علي الالتزام به في تلك الظروف هو أن نفاوض حيث أمكن ، وأن نقاتل حيث يتوجب علينا القيام بذلك “
وتمتد يد العداء لتسرق من البدن المريض المقرون بكبر السن أوراق وتقارير مستشفى الملك فيصل لأمر لا تُحسن النوايا حياله !
ولأن الكرسي الرئاسي مجرد مكان لأداء دور مؤثر والوقوف أمام فوهات البنادق ، تركه بعدما صار شبه آمن لمن يقدم نموذجا رائعا للعمل من أجل الوطن لا الكرسي !
ففي عام 2002 قدم استقالته من الرئاسة .
ومزيدا من الجحود يجعل البعض يقدمه للمحاكمة في لاهاي ولولا وضعه الصحي لتقدم ولناصر قضيته كما ناصرها أثناء سجنه ، المحامي البسيط ابتداء إلى المحامي والمجدد لدينه وهويته بعد أن طمرت بيدي السجان !
نهاية الرحلة :
وفي 19/10/2003 م يوم الأحد ، ودع العالم بعدما أكمل دورته في الحياة لمدة 78 عاماً . ليبكيه العالم الإسلامي ، يبكي الابن البار ، وتبكي الإنسانية الإنسان السياسي لا سياسة الإنسانية بالطمع والظلم !
غيب في السجن بدنا ، وغيبه الموت عنا بدنا ، وبقيت روحه مرتفعة عالية حية في التاريخ لأنه من صُناعه . ” الملك الحكيم ” لقب احتفاء الأتراك به .
” تتساقط الأوراق كأنها آتية من بعيد
مثل رياض ذابلة في السماء …
تتساقط مع إيماءة مشحونة
والأرض الثقيلة تسقط في الليل
من كل النجوم في وحدتها
نتساقط جميعنا … وتتساقط هذه اليد
انظر إلى الثانية … السقوط يطال الجميع
لكن أحدهم سيهيمن على هذا السقوط باقتدار
( راينر ماريا ريلكة – الخريف )
إلى خالدة ، ليلى ، سابينا وبكر … “
مؤلفاته – التي أعلمها – :
الفِكر قاده للسجن ، وما أغبى سجانه قيد بدنه وترك فكره المقصود !
1- الإعلان الإسلامي ( وفي ظني هو نفسه كتاب البيان الإسلامي ولم أطلع عليه ولم استطع الحصول عليه أيضا ) ، يقول عنه : ” على الرغم من أنني كتبته في سراييفو ، إلا أن جُل اهتمام الكتيب كان منصبا على العالم الإسلامي ، وليس يوغسلافية . حتى إنه لايوجد ذكر ليوغسلافية في ذلك النص . وتدور الفكرة الرئيسية في الكتيب حول المبدأ القائل : إن الإسلام هو وحده الذي يستطيع إعادة إحياء القدرات الخلاقة للشعوب المسلمة بحيث يمكنهم مرة أخرى أن يلعبوا دوراً فعالاً وإيجابيا في صنع تاريخهم .
إن الأفكار الغربية غير قادرة على فعل ذلك . ولقد هوجمت هذه الرسالة على أنها أصولية حيث أنها كانت كذلك فعلا ، ولكن من وجهة النظر التالية :
لقد دعت إلى العودة إلى الأصول والمنابع ، ونددت بأنظمة الحكم القمعية ، ودعت إلى مزيد من الإنفاق على التعليم ، وشجعت على تحسين وضع المرأة ، ودعت إلى الابتعاد عن العنف ، وضمان حقوق الأقليات . ولقد تلقى الغرب الكتيب بشيء من التحفظ . وأعتقد بأنهم لم يقدروا أن يتحملوا وجود الإسلام في صميم الحل وصلب الموضوع “
.
2- الإسلام بين الشرق والغرب :
وهو الثورة الفكرية والعمق الفكري وإن أثنى على الكتاب الأكابر في الفكر فلنعلم أنه جدير بالإطلاع ، يقول عن كتابه : ” ولقد شرعت خلال الفترة- يقصد ما بعد سجنه الأول – في كتابة ( الإسلام بين الشرق والغرب ) . وأستطيع القول : إنني قد شرعت في ذلك الكتاب قبل ذلك بكثير ومنذ عام 1946 قبل دخول السجن بقليل . فلقد بقيت المخطوطة الأصلية للكتاب مخبأة لأكثر من عشرين عاماً . قامت أختي أزارا ( التي توفيت عام 1997م ) بإخفاء المخطوطة بعد اعتقالي مباشرة حين خبأتها تحت العوارض الخشبية في عليّة منزلنا . وعندما عثرت عليها فيما بعد كانت عبارة عن لفة أوراق شبه مهترئة . قمت بإضافة معلومات جديدة وأعدت كتابتها وصياغتها وأرسلتها إلى صديق في كندا . وقام ناشر أمريكي بنشر الكتاب أخيراً في عام 1984م عندما كنت في السجن أقضي مدة سجني الثانية لمدة 14 عاماً مع الأشغال الشاقة .
لقد كان هدفي في ذلك الكتاب هو أن أدرس المكانة التي يحتلها الإسلام في أفكار وحقائق عالم اليوم . ولقد بدا لي أن الإسلام يقع ما بين التفكير الشرقي والغربي تماماً كما هي حال الموقع الجغرافي للعالم الإسلامي ، حيث يقع ما بين الشرق والغرب . ولقد حاولت أن أبين أن بعضاً من الأفكار العامة والقيم هي أفكار وقيم تشترك فيها الإنسانية جمعاء “
وقال في ” هروبي إلى الحرية ” أنه أضاف إليه فكرة تتمحور حول ( نظرية الطريق الثالث ) كما وضحها في كتابه .
3- هروبي إلى الحرية :
كما تقدم أثناء عرض شيئا من سيرته في الأعلى .
4- مشكلات النهضة الإسلامية
…
الجوائز التي حصل عليها :
” – جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام 1413هـ / 1993م .
- جائزة مولانا جلال الدين الرومي لخدمة الإسلام من تركيا .
- جائزة الدفاع عن الديموقراطية الدولية من المركز الأمريكي للدفاع عن الديموقراطيات والحريات .
- جائزة دبي للقرآن الكريم ” ( إسلام أون لاين )
…
المرجع الأساس لما مضى :
·ك : علي عزت بيغوفيتش : سيرة ذاتية وأسئلة لا مفر منها لـ علي عزت بيغوفيتش – دار الفكر / دمشق – ط1 – 1424هـ / 2004 م . ترجمت إلى الإنجليزية من قِبل ( صبار سال الدين و ياسمينة عزت بيغوفيتش ) ثم إلى العربية من قِبل ( د . عبد الله الشناق و د . رامي جرادات ) .
·
·ك : هروبي إلى الحرية لـ علي عزت بيجوفيتش – دار الفكر / دمشق – ط 2 1424هـ / 2004م . ترجمة : إسماعيل أبو البندورة .
·موقع إسلام أون لاين .
__________
[1] أعتقد أنه يقصد قوله تعالى ” فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ” من سورة ق والله أعلم بمراده ( المرجع : هروبي إلى الحرية )
فبراير 3, 2009
الدين والسياسة في الفكر اليهودي
نص: آلان دييكوف*
ترجمة: د. عزالدين عناية**
الكاتب/ أنفاس
يلاحظ المتابع للشأن العربي الإسرائيلي هيمنة الرؤية السياسوية، في تفسير كل ما يتعلق بمبحث الفكر اليهودي، مما خلّف مقاربة محدودة وقاصرة ألحقت ضررا بالرؤية العلمية العربية، وأعمت عن تناول الموضوع خارج هذه الأطر الضيّقة. لذلك نرى غيابا لدراسة الفكر الديني اليهودي بشكل موضوعي، القديم منه والحديث، واختزالا لإسرائيل في محددات سياسية لا غير. وبرغم نشأة عديد ما يسمى بمراكز الأبحاث، في بلدان عربية، تتولى الشأن الإسرائيلي، فإن هناك غيابا لافتا لإيلاء اهتمام للجانب الديني العميق، الذي تستند إليه إسرائيل.
آن الأوان للعقل العربي أن يؤسّس علم يهوديات، أو كما أطلقنا عليه الاستهواد، حتى يمسك بخيوط ظواهر متنوعة في غاية التشابك.
المترجم
***
لقد أثارت التحوّلات السوسيوسياسية التي شهدها العالم اليهودي منذ القرن الثامن عشر تساؤلا جذريا حرجا، وذا صبغة مربكة للعقول المفكّرة: ضمن أية حدود يتواجد أو يغيب التواصل الأصيل بين العهدين، الماقبل والمابعد انعتاقي؟ سؤال مصيري، لأنه يحشر ضمن سياقه، مسألة المدلول العميق للمصير اليهودي المعاصر، وانخراطه ضمن مسار التاريخ الممتد. لأن التفسيرات المتعاضدة توفّر انسجاما متينا فيما بينها، فليس من المستغرب معاينة مقاربتين متضاربتين، ترتاد كلّ منها وبصفة دائمة سوق الأفكار. فالجدل الذي حرّك عديد المجالس الفكرية اليهودية خلال الاحتفال بالذكرى المئوية الثانية للثورة الفرنسية، وفّر صورة جد حية عن الأمر.
من ناحية، أولئك الذين يقدّمون أنفسهم بكونهم “جمهوريين” وينوّهون بترقي اليهود إلى مرتبة المواطنة الفردية –وهو تقدير في غاية الإيجابية-، والتي ضمنت لهم الخروج من الغيتو، حيز الانغلاق، واكتساب الحريات الشخصية، التي منحت اليهود بشكل ما، أشكال كرامتهم الإنسانية. فالثورة بحسب هذا التمشي دشّنت حقبة جديدة، دفعت خلالها اليهود باتجاه الحداثة.
بخلاف ذلك الطرح، نجد أولئك الذين صاغوا مقاربة نقدية لـ”إيديولوجية المئوية الثانية” من خلال تأكيدهم على الأبعاد الإشكالية للانعتاق؛ إذ يبرزون أن سياق العلمنة الذي رافق تطوّر الجمهورية، شهد امحاء جزئيا للاّيهودية المسيحية لفائدة لاسامية عرقية أكثر خطورة، لتأسّسها على ادعاء بشأن الطبيعة البيولوجية لليهود، الثابتة والمتديّنة. ويعودون بظهور الحداثة اليهودية، إلى التطورات التي هزّت المجتمع اليهودي في بداية العصر الوسيط. ضمن هذا المنظور الثوري، ليس مرده إلى ظهور فجئي، وإنما هو واقعة ينبغي فهمها انطلاقا من الماضي والتراث.
القطيعة أم التواصل؟ هذان عاملان هما في الحقيقة حاضران في يهودية ما بعد الثورة، ولكن الإشكالية بالأساس هي في التفكير بأمرهما معا، بصفتهما لحظتين لسياق جدلي موحّد.
الانعتاق والكتابة الثانية للمسيحانية
لقد حضر الانعتاق كمرجع أساسي لليهودية تحت ضربين مختلفين خلال القرن التاسع عشر:
انعتاق فردي في مجتمعات أوروبا الغربية، أين استطاع اليهود تحقيق الاندماج التدريجي بعد تجاوز عوائق الضوابط الشرعية.
انعتاق جماعي، كما هو الأمر في الإمبراطورية القيصرية، معتبر بوصفه العلاج الوحيد لأوتوقراطية مستحكمة. فمنطق الانعتاق يستدعي اليهود لتبني أنماط تفكير مستحدثة. فما عاد اليهودي فردا من شعب مشتت، مكون من جماعات مستقلة (كِمِلّوت) ومساسة بتشريع ديني. ولكن مواطن من الدولة الفرنسية، أو الإيطالية، أو الألمانية، مؤمن بالعقيدة الموسوية، أو كما هو الأمر في روسيا، مناضل ثوري في حزب اشتراكي بصدد التشكل، أو عضو في أمة يهودية ساعية نحو تقرير مصيرها داخل الإمبراطورية، مثل البندية، أو الحكم الذاتي لسيمون دوبنوف، أو السجمية للحزب العمالي الاشتراكي اليهودي، أو كما هو الأمر في فلسطين مع الصهيونية.
على مستوى تاريخي، فقد مثل الانعتاق، دون شك، تغيرا جوهريا في تشكل الهوية اليهودية. ولكن التراجع المتطور لأجزاء واسعة من المجتمع اليهودي التقليدي، لا يعني أبدا التفكك الكلّي لنسق القيم اليهودية. وبالعكس، فمن البين ملاحظة، أنه في الآن الذي تمت فيه عملية الاندماج الاجتماعي والمثاقفة بشكل متطور، فإن القانون الأخلاقي اليهودي ما عرف أبدا الهجران، ولكن أعيد استثماره وتكييفه وتشكيله. وقد تجلى ذلك بجلاء في مسألة أساسية مع موضوع المسيحانية. فالترجّي المسيحاني بطابعه المزدوج: البنائي، بالعودة للعصر الذهبي للأصول؛ واليوطوبي، بالإرساء لعالم مختلف وأمثل، قد وقع تبلوره في فترة الهيكل الأول/ بين القرن العاشر والسادس قبل الميلاد، والذي أصبح شيئا فشيئا عقيدة ثابتة في اليهودية. وبقدر ما كانت الحياة المعيشية لليهود صعبة ومغتربة في المنفى، بقدر ما بات المستقبل محمّلا بكافة الوعود الخارقة. فسياق الانعتاق لم يحد من ذلك الانتظار لمتوهّج للخلاص، بل قاد إلى تأويل مستجد، بالاستثناء طبعا، في الأوساط الأرثوذكسية السائرة نحو الاندحار، والتي تسعى للحفاظ على نمط الحياة اليهودية، أي الطابع المعجز والرؤيوي للمسيحانية. بالإضافة، سيتظافر انخراط اليهود في مجتمعات أوروبا الغربية، مع انتشار ثان لديناميكية مسيحانية باتجاه البلدان التي حازوا فيها المواطنة.
إذا اعتبر الانعتاق بمثابة التحقّق للمثال المسيحاني مع مبدأ الأخوة الكوني، وبات نابوليون ولويس فيليب بمثابة قورش الذي حرّر اليهود من العبودية ومنحهم الحرية. وأصبحت فرنسا الأرض المقدّسة الجديدة، وصار إعلان حقوق الإنسان الوصايا العشر الحديثة. فهذ الخطاب المدعوم من طرف عديد الحاخامات، الذين ماثلوا بحماس بين تاريخ فرنسا والتاريخ التوراتي، سمح بالحفاظ على ديمومة الدلالة المسيحانية، مع إعطائها توجّها محدثا وذا طابع إجرائي مباشر. ويعتبر موقف الحاخامات الإصلاحيين الألمان المجتمعين بفرانكفورت، سنة 1845م، نموذجيا في هذه الحركة، حتى أنهم عملوا على إلغاء أي توجه للانبعاث الوطني لليهود في فلسطين، وألحّوا على ضرورة إتاحة مكانة متقدّمة للفكرة المسيحانية في الصلوات، حيث اليهود ملقى على عاتقهم نشر رسالة التآخي بين البشر. وكذلك الأمر مع الولايات المتحدة خلال الحقبة المعاصرة، وكأنها تمثل، باستعادة مصطلحات إعلان بيتسبورغ 1885م، “التحقيق للرجاء المسيحاني الأكبر لإسرائيل، في إرساء الحقيقة، والعدالة، والسلم بين البشر”. وفي نفس الوقت الذي هجر فيه اليهود الإصلاحيون، الموالون لتكييف اليهودية مع نسق التطور الاجتماعي، فكرةَ التأسيس السياسي ليهوذا، تحت إمرة مسيا منحدر من بيت داود، فإنهم عملوا على صهْينة أمريكا: حيث أصبح العالم الجديد التجسّد لأورشليم التوراتية، والموقّعون على إعلان الاستقلال، بمثابة شخصيات نبوية مكرّمة. إضافة إلى ذلك فقد وظِّفت الصورة المسيحانية لتدعيم الاندماج الاجتماعي السياسي لليهود بالولايات المتحدة. ومما ساعد على تسهيل هذا التحوّل للمسيحانية، التاريخ الروحي الخاص بالولايات المتحدة، فقد عاش الطّهريون هجرتهم في القرن السابع عشر، بمثابة النزول بالأرض الموعودة، من أجل تشييد أورشليم الجديدة.
إذ فشا نمط آخر من التشكل المسيحاني، داخل أحضان الحركات الثورية، أين كان اليهود متواجدين بكثافة. وتتفسر تلك الواقعة بيسر، من وجهة نظر سوسيولوجية، بصفة هؤلاء “المثقفين العائمين” المعاينين من طرف كارل مانهايم، قد انحصروا بين عالم يهودي تقليدي، كانوا قد هجروه، ومجتمع مضيف لم يقدروا على اختراقه، مثل حالة روسيا وكذلك ألمانيا. فبطبيعتهم تلك، كانوا محمولين على انتقاد النظام الاجتماعي الذي ألقاهم على أطرافه. تمت تلك الحركة النقدية عموما بالاعتماد على حجّية عقلية مستمدة من الماركسية. ولكن الانتقاد للمجتمع البرجوازي والتطلع لتغييره ببديل عادل، قد اندست فيه نفحة مسيحانية خفية وغير جلية. فقد أكّد عديد الكتاب على أن رغبة الماركسية في تأسيس عالم عادل ومتساو، مستبطنة ببعد مسيحاني مضمر. ولاحظ كارل لويث، تلميذ هايدغر، أن البيان الشيوعي “هو وثيقة نبوية، وقرار ودعوى للعمل، وليس أبدا معاينة علمية صرفة مبنية على حجّة اختبارية للوقائع المحسوسة”.
وذهب الفيلسوف الروسي نيكولا برداييف ذلك المذهب، مرتئيا في مذهب كارل ماركس “أن البروليتاريا هي إسرائيل الجديدة، شعب الله المختار، وهي المحررة والمشيدة للملكة الأرضية المقبلة. فشيوعيته البروليتارية هي شكل معلمن للعهد الألفي اليهودي القديم”. وإذا ما كان أغلب القادة الثوريين اليهود (تروتسكي وبرنستاين وأدلر…)، قد تخلصوا بحدّة من التراث الديني، فإن ذلك لا يلغي أبدا ما أكده حدس برداييف وبالعكس، فقد كان لزاما أن يهجر هؤلاء الرجال اليهودية التقليدية، حتى يحوّلوا ترجيهم الخلاصي المسبغ على الاشتراكية، لأجل صياغة صورة مستجدة للمسيحانية. فتبطّن العامل المسيحاني جلي وعميق في مختلف الاشتراكيات الفوضوية للقرن العشرين، حتى أن ميكائيل لوي يتحدث عن تجانس خفي ومتميز بين المسيحانية اليهودية واليوطوبيا الفوضوية، في أعمال الأنتلجنسيا اليهودية في وسط أوروبا. فهؤلاء المثقفون أكانوا موالين للدين، على شاكلة مارتن بوبر، أو ملاحدة، مثل أرنست بلوخ، فإنهم تجمعهم رابطة رومانسية موحّدة في معاداة الرأسمالية، ويتقاسمون رغبة عارمة في تشييد مجتمع جديد، بفضله تتحقق مملكة الرب على الأرض.
وتجلت المسيحانية كشكل غير متجاوز، لإضفاء الشرعية، سواء بالنسبة إلى تدعيم النظام الديمقراطي الليبرالي، في أوروبا الغربية وأمريكا، أو إلى التنديد بالطغيان السياسي، خصوصا في الإمبراطورية الروسية، أو أيضا إلى انتقاد النظام الرأسمالي. وليس من المتيسر لهذه المسيحانية أن تبقى دون أثر على الإيديولوجيا القومية، إيديولوجية الصهيونية، التي تشكلت خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر.
من المسيحانية الواقعية إلى المسيحانية الناشطة
ينبغي لزاما لمتابعة المسألة المسيحانية، الصعود باتجاه البدايات الأولى للصهيونية في أواسط القرن التاسع عشر. ومما يلاحظ بدءا أن تشكل الصهيونية في وثاق مع ظهور وعي تاريخي بالظاهرة اليهودية، وضع محلّ تساؤل الرؤية الثابتة ليهودية أزلية وقويمة. ففي ألمانيا وفي بداية القرن التاسع عشر، شهَد ميلاد علم اليهودية _Vissenschaft Judentums_ بصورة جلية، على ذلك الوعي بتاريخية اليهود. فتلك الاستعادة الواعية للماضي اليهودي، والتي باتت موضوع معرفة تفكرية، أتت ضمن إعادة الاكتشاف للبعد الذي يتسم به الفكر الأوروبي خلال القرن الأخير. ذلك أن عهد التاريخ النقدي يتأسّس على أنقاض التراث الخرافي، الذي يموقع توالي الأحداث في زمن ثابت، ومؤوّلا إياها بصفتها تنوّعات مختلفة لوعي أسطوري بالحياة. ذلك الوعي بتورخة المسائل سوف يخترق العالم اليهودي، بانسياب معطيات شرعية مستجدة لمعنى الفعل. والذي سيعيد النشاط للمسيحانية، بعد أن عرفت ترصّنها عبر القرون، بالرغم مما يلازمها من انجراح حتى فترة أخيرة، بفعل الضياع التام للاستقلال اليهودي، بعد خيبة سيمون باركوكبا 135م، والتي سنحت لبعض الأوساط الدينية عصرئذ أن تضفي عليها صبغة مسيحيانية. واحترز بعض الحاخامات أيضا، مما دفعهم إلى محاصرة مظاهر الهيجان المسيحاني غير المنضبطة، والتي توشك، في حالة الخيبة، أن تزعزع أوضاع اليهود في الشتات. وبمراجعة ذلك الركن الإيماني، عودة المسيا، يبدي فقهاء الشريعة حذرا كبيرا تجاه الحركات ذات الادعاء المسيحاني، التي ظهرت في التاريخ اليهودي عبر القرون. فملحمة سبتاي زيفي التي أثارت موجة حماس هائلة في العالم اليهودي 1665-1667م، والتي انتهى صاحبها بالاهتداء للإسلام، مخلفا عددا من حواريه في متاهة حرجة، دعمت الإدانات الصادرة عن السلطات الحاخامية. وتحييد الطابع الحيوي والسياسي طبعا، للمسيحانية طبعها بميزات ثلاث: منفعلة (حيث الخلاص يتم بصفة إعجازية)، وطوباوية (حيث ترسي عهدا جذريا مستجدا)، ورؤيوية (حيث تأتي على إثر اجتياح الكوارث الفاجعة). ولا يعني التحييد أبدا الإلغاء للمسيحانية، ولكن إعادة التوجيه لها ضمن توجّه شخصي وباطني. وأصبح الإنسان اليهودي –وتلك الدعوة الأساسية للحاسيدية التي ظهرت في جنوب أكرانيا خلال القرن 18- مدعوّا لتحقيق خلاصه الصوفي من خلال تطوير توحّده الصادق مع الله (ترقّي الدفكوت). فاليهودي ينبغي ألا يتدخّل مباشرة في التاريخ، على شاكلة الساباتية، بل ينبغي أن يتمركز على خلاص روحه.
وسوف يتِمّ انكشاف تاريخية اليهود ذلك “النظام المسيحاني السكوني”، المتواجد في بعض الأوساط الأرثوذكسية المهمّشة، ولكنها ذات قيمة رمزية. فالأشخاص –الحاخامات منهم بالخصوص-، الذين بدأوا في سنوات 1850-1860م ينادون بالعودة إلى صهيون، بدوا للوهلة الأولى بمثابة متنوّرين طيبين، في حين كانت مساهمتهم الإيديولوجية مهمة، حتى وإن لم تتخذ تجديداتهم معنى إلا خلال الثلاثين سنة اللاحقة، عندما بدت الحركة الصهيونية في الظهور وبداخلها جانح ديني. ومن اللازم ملاحظة أمرين مع هؤلاء الرواد الأوائل للصهيونية، حيث الوجوه البارزة من بينها الحاخام السفاردي يهوذا القلعي 1798-1878م، وابن ملته الأشكنازي زيفي هريش كاليشار 1795-1874م.
فمن ناحية، فهم يبدون الحجة على حساسية جلية تجاه التحوّلات التاريخية، مثل الصعود الاجتماعي لأعيان يهود، بدءا بعائلة روتشيلد، في البلدان الغربية، وبدايات الحضور الأوروبي بفلسطين وانتعاشة الفلاحة اليهودية، والغليان القومي للشعوب البلقانية في بولونيا والمجر وما خلفته أحداثها من تحولات راديكالية. فتلك المعاينة التي رصدت كذلك مع معاصرين لهم، سوف يعطيها الرواد الصهاينة وبشكل آخر ترجمة دينية. فبالنسبة إلى هؤلاء القوم الناشئين في أحضان التراث الأرثوذكسي، تشكل تلك التحولات بالضرورة جزءا من مخطط العناية الإلهية للتغيير، وفي العمق، لحالة التشتت اليهودي: هي آيات إلهية كاشفة لقرب ساعة الخلاص. فأي تأويل هو بالأساس مستجد، بصفة حلول الزمن المسيحاني ليس مدركا كهجمة كارثية وفجئية، ولكن كمسار تطوّري سوف تعقبه مرحلتان: الأولى طبيعية، أي يكون للإنسان اليهودي دور فاعل، يلعبه على مسرح التاريخ. الثانية إعجازية، أين يتدخل الله بكل مجده لتجميع شتات إسرائيل، قصد إعادة بناء هيكل أورشليم ومملكة داود وإقامة السنهدرين. وبالتمييز بين لحظتين في مسار الخلاص، يضفي كوكبة الحاخامات الشرعية على العودة المخطّطة إلى فلسطين، من طرف شلة من الشعب اليهودي من خلال مباركة النشاطية المسيحانية.
هذا العمل لإعادة تشكيل المسيحانية، يبدو ضروريا لشرعنة مساهمة الحاخامات داخل المنظمة الصهيونية المؤسسة مع هرتزل في 1897م، ضروريا بشكلين، بدءا لتأكيد شرعية المسار الصهيوني الديني في مواجهة أنتلجنسيا يهودية روسية، ممثلة في شخصيات مثل حاييم وايزمان، شديدة الانتقاد للنظام الإكليروسي ولاحقا للتملص من التقليدية المتزمتة المدافع عنها معا، سواء من جانب الناطقين باسم الحاسيدية ذوي المقاربة الصوفية لليهودية، أو مع الممسكين بزمام الأكاديميات الدينية -يشفوت-، الداعين لعقلانية تقوية، وحيث التميزات جلية بينهما في تطبيق اليهودية، ذات الصبغة العاطفية مع السلف والرصانة العقلانية مع الخلف. ويتحد هذان التياران وبشكل آخر، في ولائهما المشترك لمسيحانية منفعلة، على رفض مطلق للصهيونية، معتبرة لديهم هرطوقية. إذ ما يقوم به دعاتها من تنظيم لهجرة اليهود إلى أرض إسرائيل غاية تكوين مجتمع مستقل، يمثل لديهم خلاصا، باعتبار التجميع الصادق للمشتتين يكون عملا معجزا لله وحده. ولتجاوز تلك الإدانة الصريحة المهيمنة في الحركة الأرثوذكسية، سوف يستعمل الحاخامات الموالون للصهيونية مثل صامويل موهلافر ويعقوب رانز، اللذين أسسا سنة 1902 حزب مرزحاي (المركز الروحي)، حجية مزدوجة.
في مرحلة أولى، ولأجل إزاحة تخوفات السلطات الحاخامية العليا، بحث رانز وأتباعه لتدعيم تعاونهم مع اليهود العلمانيين، عبر رفض كل صبغة دينية عن الصهيونية، باعتبارها مجرد عملية إنقاذ، ساعية نحو تخليص اليهود من واقع القمع السياسي ومواساة حالة عوزهم المادية. وبصفة مغايرة، ولأن الصهيونية هي مفتقدة كليا للجانب الروحي بصفتها بصورة إجمالية مادية وسياسية، فإن تعاون اليهود المتدينين معها كان باهتا، جراء تجردها من أي دلالة دينية، علاوة أنها لم تجعل محل تساؤل الرؤية التقليدية للخلاص.
يشكو هذا الخطاب الذرائعي من خطإ سياسي: كيف أن حاخامات على قناعة بالمقدرة الهائلة لله، بإمكانهم قبول حركة مثل الصهيونية، مدعوة لإعطاء توجه جديد لمصير “أمة إسرائيل المقدّسة”، وتكون مفتقرة للحس الديني؟ فإذا ما كان اليهود وبصفة جماعية قد أرسوا عهدا دائما مع الله، فإن أيا من أفعالهم، حتى الأوفر حقارة، ليس بالإمكان أن يكون في حلّ من القداسة.
فبالحري أن أحداثا أكبر أهمية من العودة الجسدية لليهود لأرض إسرائيل (إرتز إسرائيل) ، كانتعاشة العمل الفلاحي، وانبعاث حياة اجتماعية وثقافية، واليقظة السياسية للأمة، بصفتها وقائع تكشف عن عمق ولاء اليهود لصهيون، لا يمكن أن تتم دون تدخل العناية الإلهية. ومن المنطقي جدا أن يسعى لإدماج الصهيونية ضمن سياق المسيحانية اليهودية، وذاك ما فعله رانز بنفسه، في مرحلة ثانية من حجيته، من خلال استعادة التفسير الثنائي لكاليشار القلعي، حول التناوب بين ضربين: طبيعي وإعجازي للخلاص.
لقد كان المخرج لاهوتيا، إذ لم تلاق المؤسسة الصهيونية مأزقا أخطر من طرح التساؤلات. لماذا تتدعم الجماعة اليهودية بفلسطين يوما إثر يوم تحت قيادة صهاينة اشتراكيين ذوي توجه لاإدري، في حين يعرف اليهود الأرثوذكس انكفاءة على أنفسهم؟ كيف بالإمكان الإضفاء على الصهيونية طابع ديني وهي مسوقة من طرف “كفرة”؟ لقد صاغ الحاخام الأكبر الأشكنازي بفلسطين، أبراهام إسحاق هاكوهين كوك (1865-1935م)، مخرجا لذلك المأزق، من خلال تقديم إجابة ثورية، ودون الولوج في تفاصيل فكر ثوري ومشكل، نقول باختصار، إن موقفه يرتكز بالأساس على مستندات مستمدة من التراث القبّالي، والتي بحسبها أن كل مظاهر الخلق شاهدة بالحضور الإلهي، حتى تلك التي تبدو متخلّصة من أي تعال في ظاهرها. فالصهيونية كذلك تتضمن هي أيضا “ملامح تلك القداسة”، والرواد الاشتراكيون الذين قدموا إلى فلسطين لخدمة الأرض قد شاركوا دون وعي منهم في مشروع مرعي من طرف الله”، وفي مخطط عبر ربط الصلة بين الشعب اليهودي وإرتز إسرائيل، سيفضي إلى احتكام كل اليهود إلى وصايا الشريعة. لأن أرض إسرائيل مقدّسة، ولأن المكان موطئ نزول وحي الله (هتجالوت هاشخينا)، فالعودة الجسدية لليهود ستمهد للعودة الروحية (تِشوفا)، والتي تعني قناعة اليهود بأن طبيعتهم الحقة لا يمكن أن تكون إلا دينية. فالصهيونية المنتهكة للحرمات في الظاهر، قد وفّرت في الواقع صورة حية لخلاص مسيحاني سائر نحو التحقّق.
وعلى وقع تحقيق هذا الخلاص، اقتنع خلفاء راف كوك على رأس الحاخامية العليا، أثناء إنشاء دولة إسرائيل 1948م، أن عبر تلك الدولة، بعد كارثة الإبادة الجماعية، وتحت تهديدات المحق من طرف البلدان العربية، أن حضورا لله في التاريخ، بات جليا أمام أعينهم، وأن تكشّفا لـ”فجر الخلاص” (أنسلتادي جيولا) ترافقه “بداية تبرعم للخلاص” (رشيت سميحات جيولاتنو)، وهو ما يمثل الشرارة الحقيقية للسياق المسيحاني.
لقد اقتاد ذلك المعتقد قسرا، الذي يجد ترجمته في عديد المباركات والصلوات المرفوعة رجاء في حماية دولة إسرائيل وقادتها، الصهيونيةَ الدينيةَ، إلى البحث عن الدلالات المؤكّدة لنشوء تطورات متعلقة بالمسيحانية. أتت تلك العلامات خلال حزيران 1967، بعد أن عاش الشعب الإسرائيلي شهر أيار في حالة رعب هائلة، على وقع النداءات العربية بالثأر: “اليهود إلى البحر!”، وترافقها بتصاعد أعمال التحرّش العدائية (إغلاق مضيق تيران على البحر الأحمر). فقد تجلى النصر الساحق لإسرائيل في أعين الكثير، ليس فقط خلاصا، ولكن بمثابة معجزة. فهذا الصراع الذي سمح لإسرائيل بحيازة مدينة القدس القديمة ويهوذا والسامرة (الضفة الغربية)، أين تتواجد أماكن ذات قدسية عالية في الذاكرة اليهودية، مثل الحائط الغربي للهيكل ومدافن البطاركة بحبرون. صور تلك الواقعة خارقة، إذ تجلى الرب مجددا، مانحا شعبه ميراثه الأرضي (نهالا)، وقائدا إياه باتجاه النهج الخلاصي. لقد أوّلت حيازة مجمل إرتز إسرائيل، من طرف أتباع غوش إيمونيم (كتلة الإيمان التي تأسست عام 1974م)، الذين سيكتسحون شيئا فشيئا جزءا مهما من الجهاز الإيديولوجي السياسي للصهيونية الدينية (حزب، صحافة…)، بأنها تقدّم نحو “منتهى الزمن”، أي الانزياح باتجاه الطوباوية المسيحانية.
تفسر هذه المسيحانية الأرضية بجلاء الهيجان الاستيطاني لغوش، حيث يعتبر تكثف المستوطنات، علامة بارزة، تقرّب اليهود ومعهم كافة البشرية من خلاصهم النهائي.
وبصفة غير جليّة وعبر العقود، أصبحت المسيحانية الواقعية لرواد الصهيونية، الذين رتبوا الميدان لتدخل الإنسان اليهودي اليقظ في تاريخه، مسيحانيةً ناشطة شيئا فشيئا، أي النقيض للمسيحانية المنفعلة والمتحفّظة، التي هيمنت على اليهودية التقليدية. هذه العودة مرتبطة ضمنيا بتحقيق الصهيونية من خلال إجراء البعث الأرضي الثاني (الجزئي) لليهود، على قاعدة دولتية، والتي ستقوي الانتماء الفعلي لأرض إسرائيل. وجراء ذلك تدعم الوجه السياسي للمسيحانية اليهودية الحاضرة أثناء القرنين الأول والثاني ق.م، وحسنت صورتها من طرف الحاخامات المنشغلين بـ”صناعة” يهودية أثرى روحيا، وأكثر تكيّفا مع الوضع المستجد للشتات. تدعّم “أكثر يسرا مما شهدته الصهيونية، حيث كل التوجهات ما كانت لتخلو من حساسيات مسيحانية”.
الصهيونية: هل كانت مسيحانية سياسية؟
الجدل المثار في مستهلّ هذا المقال, بشأن التواصل أو القطيعة المحدثة مع يهود مابعد الثورة, يتعلّق في الأساس بالصهيونية. حيث يُعرض صنفان من التفاسير المتناقضة: الأول ذلك العائد لأولئك الذين جعلوا من الصهيونية حركة متماهية مع اليهودية, ومجرّد تحوّل للترقّب الحنيني لصهيون. والثاني ما يعود للذين يذهبون، بصفة مغايرة، لإبراز أن الصهيونية كانت تحولاً في العالم اليهودي, وثورة حقيقية في المصير. فالملاحظ أن أيّ من هذه المقاربات ما كانة على خطأ, لتعبير كل منها على وجه من وجوه الحقيقة, فالتوجّه الأول, يبقى حائلا دونه ربط التواصل العقلي أو حتى الرمزي منه, بين الصهيونية وأمل الأجداد في تجميع المشتّتين.
أما على مستوى تاريخي, فقد كانت الصهيونية -مُدْرَكَة في شكل تبلورها تحت قيادة تيودور هرتزل- تجدٌّدا سياسياً ذا فرادة لا تناقش. فباقتراج هرتزل تمكين اليهود من دولة، والتأسيس لهذا الهدف جهازا سياسيا (المنظمة الصهيونية ومختلف هياكلها), فإنه بعمله ذلك قد أدخل اليهود الحداثة السياسية، حداثة ذات أوجه ثلاثة: أولا، عبر إحداث تحليل عقلي ورصين لـ”مسألة اليهودية”، يتم في ضوئه إعادة التوطين للشعب اليهودي داخل فضاء قومي، ولاحقا من خلال إرساس السياسي (اليهودي) ضمن دائرة مستقلة ومنفصلة عن المؤسسة الدينية، والذي جعل تكوّن “أصحاب الفعل السياسي” في تميز عن النخبتين الدينية (الحاخامات) والاجتماعية (الأعيان). وفي مرحلة أخيرة التنظيم السياسي للأمة في شكل دولة، أي مؤسسة هيمنة، ذات طابع عقلي، حولها تنتظم الولاءات السياسية.
فهل تلك الحداثة السياسية، الوثيقة الصلة بمعطى العقلانية وباستقلالية السياسي وبتوطيد أركان الدولة، تستوجب انقطاعا تاما عن التراث؟ تبدو الإجابة بالنفي. ذلك أنه في سنوات 1905م رفضت الأغلبية الساحقة للحركة الصهيونية المقترح البريطاني بخلق مستوطنة يهودية في إفريقيا الشرقية (أوغندا). هذا الرفض برغم الظرفية الحرجة، حيث الفترة متخلة بعديد المذابح في روسيا، يثبت دون تحفظ أن بناء الدولة اليهودية لا يمكن أن يتم على حساب التضحية بالوفاء لصهيون. بشكل آخر، لا يمكن أن تكون القطيعة مع المرجعيات التراثية السابقة شاملةً، لأنها توشك أن تلغي معنى المؤسسة الصهيونية برمّتها.
بخلق هوية قومية جماعية، يتيسّر للصهيونية أن تتجذر كغيرها من قوميات القرن 19 في رأسمال رمزي موروث عن الماضي. فتلك العناصر المشكّلة للهوية يعاد تأويلها وصياغتها واستثمارها، ولكن ذلك الفعل لا يشهد أبدا عن رغبة في إحداث تواصل. فالعودة الثلاثية التي تعد بها الصهيونية ينبغي إدراكها ضمن هذا السياق، فالمثاب إلى أرض فلسطين يشهد بوجود رابطة جوهرية، ذات طابع وجداني وعاطفي بين الشعب اليهودي والأرض المقدسة، رابطة حتى صهيوني ماركسي، مثل بربروكوف، لا يتيسر له نكرانها، حتى وإن أخفاها وراء تعلل مادي منتحل. بالإضافة فإن حضور المرجعية التوراتية الثابت في أدبيات الصهيونية اليسارية، قد حافظ على حيوية المرجع الديني الأساسي، حتى وإن اعتُبر النص نتاجا ثقافيا للعبقرية اليهودية، وليس علامة لتعهّد اليهود تجاه إلههم. وفي مرحلة أخيرة، فإن إحياء العبرية مجدّدا إلى لغة محكية، متكيفة مع الاستعمال اليومي، يعتبر مثيرا لنوع من التدنيس لا ريب فيه، فإن غيرها محفوظة وذات طابع قدسي، بالرغم من كل العوادي بفعل التحامها بالعبرية الطقسية. كما عاين ذلك بدقة أندري نيهير، أنه يتواجد “نوع من التجانس الاصطلاحي بين الكلمات ذات الاستعمال القداسي والمفاهيم المقدسة”.
وحتى وإن تمت دوْلنة للفضاء وتورخة للتوراة وعلمنة للغة، فإن الصهيونية ما ألغت ثوابت الهوية اليهودية، بل ما تم هو استثمار تلك المقوّمات بطريقة مغايرة، بإعطائها محتوى قوميا، حيث التوجه بالموضوع المسيحاني بطريقة لبقة باتجاه الصهيونية. لنول اهتمامنا مثلا لهرتزل، لقد كان ليبراليا متحمسا، وحريصا في دولته المستقبلية على استنساخ النموذج الليبرالي البطريركي للإمبراطورية النمساوية المجرية، الذي يقدر الحريات الفردية ويجعل من سلطة الدولة إطارا لانصهار التعددية الشعبية.
وحتى وإن بلغ إلى حل المسألة الصهيونية عبر تمش عقلاني، فإن نجاحه لدى التكتلات اليهودية عائد وبصفة أعم إلى أمر مغاير: إلى شخصيته الكاريزمية التي اقتادت عديد يهود أوروبا الشرقية إلى أن ترى فيه شخصية المسيا. ففي صوفيا خلال 1896م، وقع تكريمه بحفاوة عالية، بصفته “القائد وقلب إسرائيل النابض”. سبع سنوات بعد ذلك، وفي فيينا، يتراص الأنصار لاستقبال “الملك هرتزل”. بالإضافة فإن لقاءاته مع قادة العالم عصرئذ: القيصر، ملك إيطاليا، السلطان العثماني، البابا… ضاعفت من دعْم هيبته، ورسّخت قناعة لدى التكتلات اليهودية بحيازته خاصيات مسيحانية. فقد بدا النجاح الشعبي للحركة الصهيونية مستقلاّ عن فاعليته الإيديولوجية، النابعة من إعادة تشكيل الهوية اليهودية ضمن شروط قومية. ذلك أن النجاح التاريخي للصهيونية متأت بالأساس من تلاق بين الترقب المسيحاني الشائع، والتوفّر لحل سياسي واقعي، حيث تجلّى المزج بين اليوطوبيا والفعل مع تلك الحالة أمرا إجرائيا.
لقد كانت خميرة أساسية، وراء ظهور تلك الظاهرة الاجتماعية الفريدة التي هي الكيبوتز. فقد بدأ ظهور تلك الجماعة التعاضدية منذ سنوات 1910م تحت اسم كفوشا، وبعد أن عاينت الحركة العمالية في فلسطين، مدى تنافر الصيغة الماركسية مع وضعية بلد ينعدم فيه التناقض المعتاد بين البرجوازية والبروليتاريا. ستفسح الحتمية الاقتصادية المجال لمبادرة الجماعات المثالية، التي ستؤسّس في الحقل “المختبرات اليوطوبية” التي ستصوغ المجتمع الاشتراكي المستقبلي. فهذا التغير في الاستراتيجيا والذي أصبح ضروريا في ظل شروط الحياة الاجتماعية في فلسطين، تيسر إتمامه بفعل الحساسية المسيحانية المختزنة في جيل موجة الهجرة اليهودية الثانية (عاليا 1904-1914م)، إذ يرفض هؤلاء الرواد تراثا، مدركا مدى تحجّره، وينتهكون كذلك بوعي تعاليم توراة مغتربة. ولكن بخلاف ذلك فإن التزامهم عميق وصادق تجاه أبناء ملّتهم، وعبرهم تجاه كافة الأمة العبرية السائرة في طريق التشكّل، وهو ما يذكر بوضوح بالحماس الديني (دفيكوت) للحاسيديم. معاينة ليست مفاجئة بالمرة عندما ندرك أن عددا كبيرا من هؤلاء المهاجرين يتأتى من عائلات حاسيدية وأن الثلث منهم قد ارتاد الأكاديميات الدينية.
تتيح الواقعة السوسيولوجية التالية فهما أفضل لكيفية الاستيطان بإرتز إسرائيل وخدمة الأرض، وكيف أن تلك لوقائع عيشت كظواهر خلاص عينية. إذ يرمز أ. د. جوردن (1856-1922م)، الزعيم الروحي لحركة هابوعيل هاتساير (الشاب العامل)، بصورة جلية، لذلك البعد ذي الدلالة الدينية الكثيفة للعودة للأرض بقوله: حرث الأرض والزرع والجني، ليست أعمالا فلاحية مبتذلة، ولكنها أفعال مقدسة تسمح لليهودي المجتث من أي تعايش أصيل مع الطبيعة بإرساء رابطة حميمة ولازمة مع كون مفعم بالحضور الإلهي. يصير العمل شكلا من الصلاة، نوعا من الطقس الذي يحاور بفضله اليهودي إلهه، هذا الإله الحي والملتحم بالعالم. والتعامل مع المعنى المزدوج للفظة العبرية “أفودا” التي تعني “العمل”، وكذلك الخدمة الدينية، يرسم له جوردن تماثلا مباشرا بين خدمة الحقول وخدمة الله. ففي الحالتين يشارك الإنسان في تجربة دينية جلية، بفضلها يبحث عن تغيير غايته الفوز بالكمال. ولكن اليوم بالعمل الفلاحي، يبلغ اليهودي القداسة ويحقق النموذج المسيحاني لإسرائيل. والملاحظ أن ذلك التقديس للعمل له وقع في الأوساط الدينية، ففي سنة 1922م تأسّست في فلسطين حركة هابوعيل هامزراحي (العامل الشرقي)، والتي تحت شعار “توراة هافودا” (التوراة والعمل)، أضفت الشرعية على القيم الريادية للصهيوية لاشتراكية، باعتبارها قيما دينية أساسية مستمدّة من التعاليم الاجتماعية للتوراة. وفي 1937م، عند بعث أول كيبوتز ديني، استبانت بجلاء تلك الروح الريادية الأصيلة.
وجراء الأثر المهم للعمل، لم تتأسس الصهيونية الاشتراكية على الإلغاء المباشر والجلي للبعد المسيحاني، ولكن على إعادة التوجيه له. ولم يعد خلاص اليهود مدفوعا باتجاه مستقبل أخروي غير محدد، ولكنه يتم بصورة مباشرة، بصفة اليهودي، وبحسب تعبير رامبو، “قد حلّ بالأرض ومعه واجب لإتمامه، ولكن الواقع الآسن أمامه يخنقه”.
وإذا ما كان البعث لسياسة يهودية يؤكّد تكيّف اليهودية مع شكل الدولة الأمة الحداثي، فإن ذلك ما عني إلا نادرا، لدى رواد الصهيونية الأوائل، معياريةَ القدر اليهودي، وتنميطا راديكاليا للخصوصية اليهودية. بمعنى أن المرور عبر السياسي ينبغي أن ييسِّر تحقيق النبوة المسيحانية مع غايتها القصوى، وهي تحقيق الأخوّة الكونية. فعبر السياسي سيتِم لليهود تحقيق وجودهم كشعب فاضل يتقدّم الشعوب الأخرى على الأرض. لقد كان ذلك يقينا ثابتا في جوهر المسار السياسي لرجل طبعت آثاره جليا زهاء نصف قرن تاريخ الصهيونية، ألا وهو ديفيد بي غوريون. فهذا الرجل من أول وهلة، يبدو أنه ليس من المتيسر تبريره من الحلم المسيحاني، أولم يسع وهو يصوغ إيديولوجية الـ”ممليكوت” (الدولنة)، لتأكيد الهيمنة المطلقة للدولة، المركز الناشط للنظام السياسي، والذي ينبغي أن يكون معا التعبير الأكثر تمثيلا للروح القومية اليهودية، أي التجسّد الواقعي لحركة التحرير القومية، والضامن لوحدة الأمة؟ أو لم يكن طبعا حداثيا في رغبته لتمكين اليهود من منظّمة سياسية عقلانية (الدولة)، التي ستكون عامل انصهار قومي.
بدون شك لقد كان بن غوريون واقعيا متجذّرا في عصره ومتمرّسا بخبرات العملية السياسية، بالإضافة فإن كلَفه بالتوراة كان لا محدودا، وحتى وإن كان يرى فيها لمحة تاريخية أكثر من كونها نصّا موحى، فإنه قد تبنى وبصفة جادة المنطق العميق الذي يشغلها.
بالإضافة، أولم يكن كذلك على قناعة كبيرة بأن التاريخ الفريد للشعب اليهودي المودع في التوراة، سوف يتواصل مع خلق دولة إسرائيل وأن اختيار إسرائيل، الذي لا يعني تفوقا على الأمم الأخرى، ولكنه وعي بمسؤولية رسالة ينبغي إتمامها، لم تلغ فاعليته الصهيونية التي وفرت له ترجمة جديدة مستحدثة، حيث تحول الاختيار من مدلوله الديني إلى مدلوله السياسي.
لقد كان بن غوريون مصرّا للجعل من إسرائيل دولة فريدة يتحقق فيها النموذج النبوي للأخوة، حيث تكون “نور الأمم” (أشعيا42: 6)، دولة نموذجية تجلِي الطابع المميز للشعب اليهودي، ودولة فريدة تتِم رسالة الخلاص اليهودية لكافة البشرية. فخلال سنة 1950م، عندما كانت أفواج المهاجرين تتدفّق على الدولة الناشئة، كشف بن غوريون في عديد المناسبات عن قناعته بأن الشعب اليهودي بصدد الدخول في الزمن المسيحاني، فتجميع المنفيين، هذا الحدث ذو الصدى الواسع، أُوِّل بشكل أنه يمثل دخولا في حقبة نوعيا مختلفة. ذلك أن الأمر متعلق بمسيحانية متمحورة حول الإنسان، حيث الخلاص ليس من فعل المسيا ولكنه نتاج بشر أخذوا قدرهم بأيديهم، يبقى فيه النسق والضغط والنبض المسيحاني حيا. فاليوطوبيا السياسية لبن غوريون، بالإضافة إلى تطلّعه إلى دولة نموذجية، وتحفزه إلى تحقيقها ضمن شروط ذاتية، بفعل العاليا والعمل الريادي، إرتكز بالأساس على رؤية مسيحانية للخلاص وإيمان بخلود إسرائيل، والتي هي مفاهيم دينية بالأساس، حتى وإن كان الفعل السياسي لا يوليها أهمية إلا من زاوية جانبها العملي. ذلك التفريق أساسي لأنه يسمح بتمييز ما يجمع وما يفرّق الصهيونية الحديثة عن الحركات المسيحانية السابقة. وتكمن نقطة الالتقاء المهمة في عدم القناعة الجماعية بالحاضر، والتطلّع إلى رؤية مغايرة بشكل جذري ترنو إلى خلق حياة يهودية جماعية يهودية في فلسطين. ولكن هنالك يكمن الخلاف، ففي الحين الذي تبقى فيه الحركات المسيحانية حتى المتحمسة منها، كتلك العائدة لدافيد روبيني وشلومو مولكو وسبتاي زيفي (القرن 17)، رهينة رؤية دينية للعالم، أين التاريخ هو نتاج فعل الله، فإن الصهيونية قد اختارت الانخراط في الواقع المعيش للعالم كما هو قبل شغله من الداخل. فالأمر يبدو ملحا لموازنة مسيحانية الصهيونية. ذلك ان اعتبار الحتمية المسيحانية مع المؤرّخ جاكوب كاتز جراء الفعل يبدو مغاليا، فذلك يقود إلى رؤية الصهيونية بصفتها تسلسل لأحداث خاصة ومنتظمة ومتسقة وثابتة بفعل منطق جامد لا غير. بمعنى أن التاريخ ملغى جرّاء أن الحاضر لا يتفسر، إلا عبر شبكة مسيحانية موروثة عن الماضي.
إنه وبشكل مغاير وصائب، ينبغي متابعة الصهيونية على شاكلة ما ذهبت إليه المؤرّخة آنيتا شابيرا باعتبارها مسيحانية سياسية، مفهوم يبني بجلاء طبيعتها الازدواجية الضمنية، فالقصد هو مسيحاني، باعتبار السعي لبلوغ نهضة قومية مرفوقة عموما، بتجديد اجتماعي يستبق عصر سلام لكافة البشرية، ولكن الطريقة سياسية، بصفة وضعنة ذلك المثال يخضع للفعل المخطّط من طرف أناس هنا في الواقع. فالصهيونية كالانعتاق قبلها هي ظاهرة، كشف جرشوم شولام طبيعتها الجدلية العميقة بجلاء، فمن ناحية تلتحم شرعية الصهيونية بالصيرورة التاريخية المتشكلة في فضاء العالم العلماني وليست مجرد تمظهر بسيط للمسيحانية السائرة نحو الفشل بفعل عدم اقتدارها على الإمساك بزمام الواقع. ومن ناحية أخرى هنالك طابع خفي وبعد صوفي ورمزي في الصهيونية، والذي يضفي عليها شحنة ذات دلالة ميتافيزيقية ودينية، بفضلها تمت المحافظة على الخصوصية اليهودية وتحاشي الجعل من اليهود أمة على غرار الأمم.
إذ هنالك جدلية ذكية للاستيعاب والحيازة للحافز المسيحاني، تعني بوضوح أن المستويات السياسية والرمزية ينبغي ألا تتمازج بصفتها تتموقع ضمن أنساق مختلفة: حيث يتجذر الأول بثبات في الواقع التاريخي، أما الثاني، فهو ينتمي إلى مجال التمثلات. فالطريق المرسومة من طرف غوش إيمونيم والتي تطمح إلى تأسيس فعلها السياسي على تأويل ديني للواقع، ترتكز دون شك على مزج للسياسي والرمزي. نوع من المزج، عرفت بفعله حركة سبتاي زيفي خلال القرن الـ17، قبل أن تنتهي إلى فشل ذريع، موشك لتغذية سياسة صوفية، مهددة إلى حد ما بتدمير المشروع السياسي الصهيوني والإبطال مجددا وبقوة للسياق اليوطوبي المسيحاني.
ولعل ظهور جماعة غوش إيمونيم يوحي بحدوث تقلّبات هزّت الصهيونية خلال العشرين سنة الأخيرة، والتي جاءت جراء ثلاثة أحداث سياسية: الوعي المتنامي بالكارثة المطلقة المتمثلة في مذبحة يهود أوروبا، ومجافاة المجتمع الدولي لإسرائيل خلال سنوات 1970، والذي قوى الإحساس بالعزلة الوجودية لشعب إسرائيل وخصوصية قدره الصعب، ومما أكذ ذلك الانطباع تحري يهوذا والسامرة. التطبيع السياسي الذي تعلقت به المنظمة الصهيونية في مستواه العملي وجد هناك نهاياته. وبخلاف ذلك بدت المسيحانية الضمنية، والتي لازالت حتى الآن خفية، سافرة ومدعومة بفعل التاريخ. فالصهيونية وبعيدا عن تيسير الوجود اليهودي لم تقم كما لاحظ ر. آرون برويّة، سوى بتكثيف التناقض اليهودي: دورة على غرار مثيلاتها في الظاهر، لقد أصبحت دولة إسرائيل لدى عديد اليهود الصيغة الأكثر فرادة لليهودية.
* باحث في المركز القومي للأبحاث العلمية بفرنسا
** أستاذ تونسي بجامعة لاسابيينسا بروما
فبراير 2, 2009
بسم الله الرحمن الرحيم
متى سنزيل الأشرطة السوداء
وذِكرى العزاء
متى سنعيش مع أنفاس الصباح
متى ستكون التلة موعدنا
ننتظر الفجر
متى … ؟
متى ستنقطع قدم روحي عن عيني
متى ستكف عن الإنسكاب
لحالنا … ؟
متى سيتوارى عجزي وانكساري
أن أقف أمام المظلومين
و لا حِراك ؟
ما الذي ستقدمه مشاعري لهم؟
أعلم أن الله رحيم
حكيم
أحبه أعظم من كل شيء
فخري و كمال حياتي بمحبته لي
أرجوها
أحب العدل لأنه العادل سبحانه
أكره الظلم لأنه حرمه على نفسه
يا الله أجعلني ممن يرفع ظلما عظيما من الأرض
أنت القادر وحدك
دمعاتي قربات لك لتهيئني وتجعلني في ذلك المنصب
الذي أتسلمه جودا منك
لا أحد يعلمه إلا أنت
يا الله
يا رحمن يا رحيم
يا ملجئي وملاذي
متى ستكف عن الإنسكاب
لحالنا … ؟
أن أقف أمام المظلومين
و لا حِراك ؟
أعلم أن الله رحيم
حكيم
أحبه أعظم من كل شيء
فخري و كمال حياتي بمحبته لي
أرجوها
أكره الظلم لأنه حرمه على نفسه
أنت القادر وحدك
الذي أتسلمه جودا منك
لا أحد يعلمه إلا أنت
يا رحمن يا رحيم
يا ملجئي وملاذي